تمليش وعسكرة السياسة والاقتصاد في السودان هل من نهاية؟
زورق الحقيقة
أبوهريرة زين العابدين عبد الحليم يكتب ..
يمر السودان بمرحلة تاريخية من ابرز سماتها القتل والتشريد واللجوء والنزوح وانهيار مؤسسات الدولة والتعليم والخدمة المدنية، وتعدد الجيوش والمليشيات، وتسييس المؤسسة العسكرية، ودخول الجيش والمليشيات في الاقتصاد والسياسة. وتُعد عملية إنهاء المليشيات وإعادة بناء او تكوين جيش قومي واحد خاضع للسلطة المدنية حجر الزاوية لأي مشروع لإعادة تأسيس وبناء الدولة السودانية. نحتاج لرؤى لمعالجة هذه الإشكالية، وإعادة هيكلة القطاع الأمني، ومنع إعادة إنتاج تمليش السياسة والاقتصاد وتسييس الجيش، وبناء مؤسسات مدنية قادرة على إدارة الدولة في مرحلة ما بعد الحرب وإنهاء الحرب والمرحلة الإنتقالية.
هنالك عدد من المحاور الهامة:
أولا: ضعف الدولة وتعدد مراكز القوة داخل الجيش والمليشيات والحركات والأحزاب.
شهد السودان خلال العقود الماضية تراجعًا تدريجيًا في احتكار الدولة للعنف القانوني المشروع بالدستور، نتيجة:
• إنشاء مليشيات موازية كأدوات صراع من أجل الحكم وتقسيم السلطة والثروة ولعب نظام الإنقاذ دوراً بارزاً في تكوين هذا النوع من التسييس و “التتييس” بدلا عن التأسيس.
• تسييس الجيش وإقحامه في الصراع السياسي وفي الاقتصاد وإنشاء طبقة مصالح معقدة كجزء من هرم قيادة الجيش.
• إقتصاد حرب قائم على تهريب الذهب والتهريب والجبايات غير الرسمية وما يسمى ب “الشفشفة” الرسمية والمليشياوية اي النهب حيث تعرضت ممتلكات السودانيين وثرواتهم القومية والخاصة للنهب المنظم وغير المنظم من قبل اطراف الحرب والمليشات من الذهب لمقتنيات المنازل.
• تفكك مؤسسات الخدمة المدنية وضعف الرقابة والمساءلة.
هذا الواقع أنتج بيئة أمنية هشة، تتداخل فيها الولاءات القبلية والجهوية مع المصالح الاقتصادية والعسكرية والمليشياوية.
ثانياً: تمليش السياسة وتمليش الجيش، فقد تجلّت الأزمة في مستويين متوازيين:
• تمليش السياسة: اعتماد بعض القوى السياسية والحركات والإسلاميين على السلاح كوسيلة تفاوض أو حماية أو صعود للسلطة فالجبهة الإسلاموية بدأت هذا الأمر بالاستيلاء على السلطة والانقلاب على الحكم المدني الديمقراطي عام ٨٩ حيث تم إدخال دفعات كثيرة من الجيش والشرطة والأمن من كوادر إسلاموية وتمت ادلجة الجيش باشكال رمزية مثل تربية اللحى وغيرها وأشكال سياسية حيث تم تجنيد وتربية بعض الكوادر العسكرية كذراع عسكري للتنظيم الإسلاموي حيث يتهم التنظيم الإسلاموي بمسمياته الحربائية بادارة الدولة والجيش والحرب اضف لذلك كتائب الاسلامويين كملحق مليشياوي تابع للتنظيم.
• تمليش الجيش: تعدد الجيوش، غياب العقيدة العسكرية الموحدة، وتغلغل المصالح الاقتصادية داخل المؤسسة العسكرية وتعدد المليشيات حتى وصل عددها للمائة واكثر حيث بدأ نظام الانقاذ ذلك كاستراتيجية تعرف بالاستراتيجية المضادة لإنهاء التمرد Counter Insurgency. هذه الثنائية والخلط جعلت من السلاح والعنف عنصرًا أساسياً في السياسة السودانية والاقتصاد.
ثانيًا: هل من نهاية للتمليش
لابد للوصول لاتفاق سلام مرتبط بإصلاح أمني شامل ووقف الحرب ولا يمكن فصل وقف الحرب عن إعادة هيكلة القطاع الأمني. ويجب أن يتضمن أي اتفاق:
• جدولًا زمنيًا واضحًا لدمج وتسريح وإعادة تأهيل القوات غير النظامية. فقد كان هناك نقاش مفيد إبان فترة الإتفاق الإطاري ولكن قبل إكتمال الأمر انقلب البرهان وشريكه حينها حميدتي على الحكم المدني وبعد انقلابهم المشئوم دخل السودان في النفق المدلهم الحالي.
• حظر مشاركة القيادات العسكرية المتورطة في الصراع في الحكم الانتقالي وقلت قبلا في مقال سابق علينا الدعوة والعمل لإستقالة وعزل قيادة الجيش والمليشيات الحالية إذا كانوا السبب في إستمرار الحرب وضمان محاكمتهم ومحاكمة قادة الإنقلاب على الحكم المدني.
• آلية رقابة مدنية–إقليمية-دولية لتنفيذ الترتيبات الأمنية ووقف اطلاق النار. إن أي وقف إطلاق نار لا يرتبط بإصلاح أمني شامل وحكم مدني قوي سيعيد إنتاج الأزمة وواحدة من اشكاليات الانتقال حيث سيطر العسكر والمليشيات على الفضاء السياسي والاقتصادي والدبلوماسي.
2. برنامج دمج وتسريح وإعادة تأهيل (DDR)
يتطلب البرنامج ثلاثة مسارات:
• التسريح: إخراج المقاتلين من حيازة السلاح مع تعويضات عادلة.
• الدمج: استيعاب نسبة محدودة وفق معايير مهنية صارمة.
• إعادة التأهيل: توفير بدائل اقتصادية واجتماعية تمنع العودة إلى السلاح. وأيضا إرجاعهم للتعليم والتعليم الفني والتقني والحرفي وللزراعة والرعي عبر تدريب وتمويل لمشروعات صغرى. فبدون بديل اقتصادي، يصبح السلاح مصدر الدخل الوحيد.
3. تجريم تعدد الجيوش، يجب أن ينص القانون والدستور على:
• حظر إنشاء أي قوة مسلحة خارج القوات النظامية بعد قومنتها اي جعلها قومية.
• تجريم التمويل أو التدريب أو الدعم لأي مليشيا.
• إخضاع جميع القوات العسكرية المسلحة لقيادة موحدة ووزارة دفاع مهنية ومنع الحركات والاحزاب من امتلاك مليشيات مسلحة وتحريم ذلك بالقانون في اطار الإصلاح الامني والحكم المدني.
ثالثًا: إعادة بناء الجيش الوطني
1. عقيدة عسكرية جديدة
تقوم العقيدة على:
• حماية الدستور والحدود، لا حماية الأنظمة أو الجماعات او القبائل ومنع ادلجة الجيش ومنع السياسة في الجيش وتحريمها على الضباط.
• احترام التنوع السوداني والولاء للدولة والوطن لا للقبيلة أو الجهة او التنظيم.
• تدريب موحد ومناهج مهنية خالية من الأيديولوجيا السياسية لاي حزب او ايديولوجية سياسية محددة.
2. إخراج الجيش من الاقتصاد
يتطلب ذلك:
• نقل الشركات التجارية التابعة للجيش إلى وزارة المالية او تكوين مفوضية لذلك في اسبانيا بعد الجنرال فرانكو اوكل الامر لادارة شركات القطاع العام تدريجيا.
• حصر نشاط المؤسسة العسكرية في الصناعات الدفاعية لتسليح الجيش.
• إخضاع الميزانية العسكرية لرقابة برلمانية ومنع الضباط من ممارسة اي عمل تجاري او سياسي اثناء فترة الخدمة.
إن اقتصاد الجيش ودخول الضباط في الأنشطة التجارية أحد أهم مصادر مقاومة الإصلاح وهذا ما جعل الجيش يريد ان يستمر كأكبر حزب سياسي يستولى على السلطة بدعم حزبي خفي وبعدها باسم الجيش.
رابعًا: منع إعادة إنتاج تمليش السياسة
1. إصلاح المنظومة السياسية ويشمل ذلك:
• قانون أحزاب يمنع الأجنحة المسلحة والتمويل غير المشروع والتفكير قي ادماج الاحزاب في كتل، فحالة السيولة التنظيمية والسياسية تعتبر عائق لاستقرار الحكم والديمقراطية.
• قانون انتخابات يمنع ترشح قادة المليشيات والمتورطين في جرائم حرب وضمان محاكمة من اجرم.
• بناء الاحزاب لتملك برامج لا تقوم على الزعامات أو التحالفات المسلحة.
2. الإتفاق على ميثاق مدني جامع او مشروع دستور انتقالي يتم الاتفاق عليه في مؤتمر مائدة مستديرة لكل القوى السياسية. وليس بالضرورة الدخول في تحالفات فيمكن الاتفاق التوقيع على وثيقة يلتزم بها الجميع تكون مسودة دستور انتقالي الى أن يجاز من اول برلمان ليكون دستور دائم.
وفيه يجب أن تتفق القوى المدنية على:
• رفض أي تحالف مع قوة مسلحة او استخدام السلاح للوصول إلى السلطة.
• الالتزام بالانتقال الديمقراطي والانتخابات كآلية وحيدة لتداول السلطة. والاتفاق على شكل الحكم والفيدرالية وكل التفاصيل.
خامسًا: العدالة الانتقالية كشرط للاستقرار وتشمل:
• محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة.
• لجان حقيقة ومصالحة لمعالجة الجراح المجتمعية.
• تعويض الضحايا وإعادة دمج المتأثرين بالحرب.
إن الإفلات من العقاب يعيد إنتاج العنف والأزمة فلو تمت محاكمة البشير نميري وغيرهم لما فكر عسكري آخر في الانقلاب ويجب محاكمة البرهان وحميدتي على الانقلاب على الحكم المدني الإنتقالي وعلى الحرب وجرائمها وتدمير البلد.
سادسًا: دور المجتمع في حماية مشروع الدولة فلا يكتمل الإصلاح دون:
• نشر ثقافة مدنية ترفض عسكرة الحياة العامة.
• دعم خطاب الجيش المهني الواحد.
• مقاومة الخطابات التي تمجّد المليشيات أو تبرر وجودها ومحاولة تشبيهها بانها حركات تحرر.
المجتمع هو الضامن النهائي لأي مشروع إصلاحي.
إن إنهاء المليشيات وتمليش السياسة والجيش في السودان فهو ليس امر أمني فقط، بل يجب أن يكون مشروع سياسي لإعادة تأسيس الدولة على أسس جديدة. ويتطلب ذلك:
• إرادة سياسية وطنية جامعة فمرحلة التأسيس تحتاج لاجماع للعبور.
• مؤسسات مدنية قوية.
• جيشًا مهنيًا موحدًا.
• عدالة انتقالية.
• دعمًا إقليميًا ودوليًا متوازنًا حميداً.
الامر ليس سهلا، لكنه الطريق الوحيد نحو دولة مستقرة، مدنية، وديمقراطية، بجيش وطني واحد يخضع للسلطة المدنية ويعمل في إطار القانون والدستور فهذا او التخلف والمواصلة في الحروب العبثية وصراع السلطة والثروة المدمر الذي أنهك الوطن والمواطن والإنتهاء باتفاقيات ثنائية لتقسيم السلطة والثروة والوطن كمحاصصات بين حاملي السلاح دون أن تحل المعضلات التي لازمت بناء الدولة بأسس عادلة منذ الإستقلال وإنهاء الاصطفافات بين طرفي الحرب، والحل في إيجاد طريق للتخلص من القيادتين الفاشلتين للجيش والدعم بدعوتهم للاستقالة أولاً أو إبعادهم عن طريق قوى وطنية عسكرية مدنية ربما تبرز وتوحد العسكرية والسياسة عبر مشروع مدني ديمقراطي خارج قيادتي طرفي الحرب المدمرة كما فعل الجنرال ديجول في فرنسا او ابراهام لنكولن في أمريكا أو بول كاغامي رواندا فهل تبرز قيادات سودانية وطنية عسكرية تعمل مع القوى المدنية والاقليم والقوى الدولية لإزاحة قيادتي طرفي الحرب بعد ثلاث سنوات من التدمير الممنهج لمقدرات الوطن ويريدون من الجميع ان ينقسموا بين حبكتي طرفي الحرب وتم خداع عدد مقدر للاقتناع بذلك وعلينا رفض فكرة الحرب من طرفيها، والحرب هي فشل قيادي أولاً وأخيراً فلا قيمة لأي إنتصار فوق جماجم الأبرياء وتشريد من بقي منهم على قيد الحياة وعلى حافة الموت فلنهتف جميعاً الموت للطغاة.
