الآلية الرباعية و الحرب في السودان ..بين هندسة التوازنات الدولية و فشل صناعة السلام

بروفيسور/ سيف الدين عبد الرحمن يكتب ..

منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023، تشكّلت عدة منابر لإيقافها، كان آخرها الآلية الرباعية التي ضمّت الولايات المتحدة و المملكة العربية السعودية و الإمارات العربية المتحدة و مصر، بوصفها إطارًا دبلوماسيًا يسعى إلى وقف القتال وتهيئة مسار سياسي. غير أن الأداء الفعلي لهذه الآلية ظل محكومًا باعتبارات أوسع من البعد الإنساني، إذ تداخلت فيه حسابات البحر الأحمر، وأمن الممرات البحرية، و التنافس الإقليمي، وموازين القوى الدولية. وبهذا المعنى لم تتحرك الرباعية في فراغ، بل في سياق جيوسياسي شديد التعقيد جعلها تميل إلى إدارة الصراع أكثر من إنهائه.

ويعود ذلك إلى تباين أولويات أعضائها؛ فلكل دولة تعريفها الخاص لمفهوم الاستقرار في السودان، و لكل منها شبكة علاقات مختلفة مع الفاعلين المحليين. هذا التباين أنتج حدًا أدنى من التوافق يسمح فقط بإطلاق المبادرات. و بدل أن تتشكل جبهة ضغط موحدة ذات أدوات تنفيذ واضحة، برز نمط من الحذر الدبلوماسي يراعي التوازنات الإقليمية، فكانت النتيجة مسارات تفاوضية متقطعة لا ترتقي إلى مستوى فرض تسوية حاسمة.

كما أن تعدد المبادرات و تقاطعها وازدحام المنصات التفاوضية، بين تحركات الاتحاد الإفريقي ومساعي الهيئة الحكومية للتنمية («إيقاد») ومبادرات مدنية داخلية، بدل أن يشكل عنصر قوة، تحوّل عمليًا إلى حالة من الإغراق السياسي. فالأطراف السودانية باتت تتحرك بين المنابر المختلفة فيما يشبه “تسوق المنابر” (Forum Shopping)، بما يخدم حساباتها التكتيكية، في حين افتقرت العملية السياسية إلى إطار واحد ملزم زمنيًا وقابل للتنفيذ.

كذلك اختزلت المقاربة الدولية الأزمة في بعدها الخارجي، متجاهلة جذورها الداخلية، في ظل غياب رؤية شاملة لإعادة بناء العقد الاجتماعي، و إصلاح القطاع الأمني، و إنعاش الاقتصاد المنهك، و إشراك القوى السياسية والمدنية بصورة فاعلة في تصميم أي مرحلة انتقالية. فالتعامل مع مظاهر الأزمة دون جذورها البنيوية أضعف فرص الوصول إلى سلام مستدام.

وعلى المستوى الدولي الأوسع، جاء الملف السوداني في لحظة ازدحام عالمي بالأزمات، من الحرب في أوكرانيا إلى التوترات في الشرق الأوسط، ما قلل من الزخم السياسي المخصص له. وعندما لا يشكّل النزاع تهديدًا مباشرًا للنظام الدولي أو لمصالح القوى الكبرى، يميل التدخل إلى البقاء في حدود الاحتواء ومنع الانهيار الكامل، دون الانتقال إلى مرحلة الفعل الحاسم.

في المحصلة، لم يكن تعثر الآلية الرباعية نتيجة عامل منفرد، بل نتاج تفاعل معقد بين تضارب المصالح الإقليمية، و ازدحام المبادرات، وغياب مرجعية ملزمة، وضعف الضغط التنفيذي، إلى جانب انقسام الساحة المدنية السودانية. وهنا تحركت الرباعية ضمن منطق الحفاظ على التوازنات، بينما سعت مصر إلى حماية أمنها القومي ومنع انهيار الدولة السودانية. وبين هذه الحسابات تراجعت أولوية الإنسان السوداني، واستمرت الحرب في استنزاف المجتمع والدولة معًا، في ظل عملية سياسية لم ترتقِ بعد إلى مستوى الكارثة القائمة. فحين تُدار الأزمة بعين الجغرافيا السياسية أكثر من عين الإنسان، تتراجع أولوية الضحايا.

وتبقى الحقيقة الأكثر إيلامًا أن غياب جبهة مدنية موحدة وبرنامج وطني جامع منح الفاعلين الإقليميين مساحة تأثير أوسع؛ فالخارج يتحرك غالبًا في فراغ الداخل، وعندما ينقسم الفاعلون المحليون يصبح الوسيط لاعبًا.

الخلاصة:

لم تفشل الآلية الرباعية فقط بسبب تعدد المبادرات أو تضارب المصالح، بل لأنها تعاملت مع السودان كساحة توازنات لا كمجتمع ينهار؛ فغاب البعد الأخلاقي والإنساني أمام حسابات النفوذ. و لتقوية مبادرة الرباعية، لا بد من:

أولًا: توحيد المنصات في مسار تفاوضي واحد ملزم زمنيًا.

ثانيًا: ربط أي عملية سياسية بوقف إطلاق نار مُراقَب دوليًا بآلية تنفيذ واضحة.

ثالثًا: فرض عقوبات سياسية واقتصادية حقيقية على معرقلي السلام.

رابعًا: إشراك قوى سياسية و مدنية واسعة في تصميم المرحلة الانتقالية.

خامسًا: الانتقال من “توازن الضعف” إلى “هندسة تسوية شاملة” تعالج جذور الأزمة السودانية.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.