هدنة أم استسلام؟ بين سقف السياسة وواقعية التنفيذ في السودان
نبض قلم
عادل تاج الدين جار النبي يكتب ..
عندما تُطرح هدنة في السودان ويُقال إنها تتضمن “استسلامًا كاملًا” لطرفٍ مسلح وتسليمًا شاملًا للمناطق وتجميعًا للقوات، فنحن عمليًا لا نتحدث عن هدنة بالمعنى المتعارف عليه، بل عن تصور لنهاية حرب بشروط عالية السقف. والفرق هنا جوهري. فالهدنة في العادة تقوم على وقفٍ متبادل لإطلاق النار يجمّد المواجهة ويفتح الباب لمسار سياسي، أما اشتراط الاستسلام منذ البداية فيحوّل المبادرة إلى موقف تفاوضي أكثر من كونه اتفاقًا قابلًا للتوقيع، إلا إذا كان ميزان القوة قد حُسم نهائيًا على الأرض.
التجربة السودانية القريبة تعلّمنا أن المشكلة لم تكن يومًا في غياب المبادرات، بل في ضعف التنفيذ. هدنة جدة عام 2023 حملت لغة واضحة حول حماية المدنيين وتسهيل الإغاثة، لكنها تعثرت بسبب الخروقات المتكررة وغياب آلية رقابة صارمة قادرة على فرض الالتزام. تحولت الهدنة إلى هدنة مؤقتة تمنح الأطراف فرصة لإعادة التموضع، لا إلى خطوة حقيقية نحو إنهاء القتال. مسار الإيغاد بدوره واجه تحدي تضارب المصالح الإقليمية، فتعدد الوسطاء دون وحدة ضغط فعلية أضعف قدرته على تحويل البيانات إلى نتائج. أما الاتحاد الأفريقي، فرغم طرحه خارطة طريق متكاملة، اصطدم بالفجوة المعروفة بين الإرادة السياسية والقدرة التنفيذية على الأرض. وحتى المواقف العربية الداعمة لوقف الحرب بقيت في إطار الدعم السياسي العام دون ترتيبات عسكرية ملزمة.
ما يميز المبادرة الحالية هو وضوحها السياسي؛ فهي تتحدث صراحة عن إعادة احتكار الدولة للسلاح. هذه ميزة من حيث المبدأ، لكنها تصبح نقطة ضعف إن لم تُبنَ على مسار تدريجي واقعي. فالتجارب المقارنة تؤكد أن نزع السلاح الناجح لا يبدأ بشرط الاستسلام، بل بوقف إطلاق نار قابل للتحقق، يليه انسحاب مرحلي من المناطق السكنية، ثم ترتيبات تجميع ورقابة، وصولًا إلى برامج نزع السلاح وإعادة الإدماج، مصحوبة بإطار واضح للعدالة الانتقالية. القفز مباشرة إلى المرحلة النهائية دون بناء الثقة في المراحل الأولى يهدد بانهيار العملية قبل أن ترى النور.
النقد هنا ليس انحيازًا لطرف، بل قراءة في منطق السياسة الواقعية. أي مبادرة لا تتضمن ضمانات أمنية واضحة، وآلية رقابة ذات مصداقية، ونظام حوافز وعقوبات محدد، ستظل معرضة للتعثر. كما أن حماية المدنيين يجب أن تُترجم إلى التزامات عملية قابلة للقياس، لا إلى شعارات عامة.
خلاصة القول إن السودان لا يحتاج إعلانًا جديدًا بقدر ما يحتاج تصميمًا دقيقًا لآلية التنفيذ. السلام ليس في قوة الكلمات، بل في ترتيب المراحل، وتوحيد الضامنين، وربط كل خطوة برقابة شفافة ومسؤولية واضحة. من دون ذلك، سنبقى ندور في حلقة مبادرات تتغير أسماؤها، بينما تظل الحرب على حالها.
