مصعب الصاوي.. حين يغدو الغناء وثيقة بناء وطني!!

كتب – أشرف عبدالعزيز

بين ضجيج المدافع وصخب الجدل الذي ملأ الفضاء السوداني حول جدوى البرامج الترفيهية في رمضان، تبرز منصة “أغاني وأغاني” هذا العام كحالة تستحق التأمل والتحليل العميق. فبينما يرى البعض في استمرار هذه البرامج انتكاسة وعبثاً بجراح نازحة ودماء مسكوبة لأكثر من ألف يوم، استطاع الناقد الفني الأستاذ مصعب الصاوي أن يقدم درساً بليغاً في كيفية تحويل الفن إلى ذراع من أذرع المقاومة النفسية والبناء القومي. لقد كانت مقدمة الصاوي لهذا الموسم بمثابة البيان السياسي والوجداني الذي لخص وعياً حاداً بالقضية الوطنية، حين جعل من البرنامج مساحة للتمني بالسلام والاستقرار للسودان وجيرانه، مؤكداً بعبارات قوية أن هذا الوطن الذي يتسع للجميع يحتاج اليوم إلى الفنون كأكبر جسد لتوحيد الوجدان المشتت بين المنافي والنزوح.

لم يكن حديث الصاوي مجرد استهلال بروتوكولي، بل كان إعلاناً صريحاً بأن المساهمة في نهضة الوطن تتعدد طرقها، وأن الغناء للطيور والغزلان والتراث والحماسة هو غرس وثمار في طريق البناء الوطني الذي وضع لبنته الأولى الراحل المقيم الأستاذ السر قدور. وقد جاءت الاختيارات الغنائية للحلقة الأولى متسقة تماماً مع هذا النفس الوطني الرصين، حيث كانت البداية بنفحات إيمانية مع أحمد فتح الله، تلتها رائعة “هبي يا سعاد” التي ضاغ كلماتها حسين عثمان منصور ولحنها الرائع حسن عطية وتجلت في أدائها الفنانة هدى عربي.

لقد استوقفني بعمق توظيف بيت الشعر “نعلن الجهاد” ليكون جهاداً من أجل إنشاد الحرية، وهي القيمة الأسمى التي يصبو إليها الإنسان السوداني في هذه اللحظات المفصلية، كما تجسد هذا الإنصاف الوطني في أداء إنصاف فتحي لأغنية “سودانية حرة” بعد مقطوعة الراحل عبد القادر سالم “يا وطني السودان” التي عزفتها الفرقة الموسيقية بمهارة فائقة.

إن النجاح الحقيقي لمصعب الصاوي يكمن في قدرته الفائقة على إرضاء الأذواق المختلفة وتوحيد الوجدان القومي دون الوقوع في فخ الاستقطاب السياسي أو الجهوي الذي يمزق النسيج الاجتماعي. ففي الوقت الذي يشاهد فيه البرنامج السوداني في بورتسودان كما يشاهده أخوه في نيالا، يبرز الفن هنا كأداة لتحفيز الوحدة ونبذ العصبية، محولاً شاشة التلفاز إلى خيمة كبيرة تجمع القلوب المكلومة وتمنحها الأمل في غد أفضل. لقد استطاع الصاوي ببراعة أن يجعل من “أغاني وأغاني” منصة للثبات الوطني، مؤكداً أن الفن ليس ترفاً بل هو ضرورة وجودية للحفاظ على هوية أمة ترفض الانكسار، فكل التحية لهذا الوعي الذي يقوده مصعب الصاوي في زمن المحنة.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.