قطع طريق الصائمين في رمضان: عادة سودانية تصمد في وجه الحرب وشظف العيش

في السودان، لا يمرّ رمضان كأي شهر. وبين أصوات المدافع التي لم تخمد تماماً منذ اندلاع الحرب في السودان عام 2023، وبين الانهيار الاقتصادي المريع، يصرّ السودانيون على حماية طقوسهم الرمضانية، ولو بصدورٍ عارية. من بين أكثر هذه الطقوس غرابةً ودهشةً: “قطع طريق الصائمين”، عادة تبدو للوهلة الأولى أشبه بكمين، لكنها في حقيقتها إعلانٌ جماعيّ عن انتصار الكرم على الخوف.

أشبه بكمين… لكن للخير

قبل أذان المغرب بساعة تقريباً، تتجه مجموعات من الرجال والنساء والأطفال نحو الطرق القومية شمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباً، والطرق الداخلية. يحملون أواني العصيدة، والتمر، والمشروبات التقليدية، ويفرشون الأرض بمحاذاة الطريق. ثم تبدأ “الخطة”: توضع العمامة السودانية في منتصف الطريق، في إشارةٍ واضحةٍ إلى ضرورة التوقف.

تتوقف الحافلات القادمة من مدن بعيدة، ويجد الركاب أنفسهم أمام مشهد غير مألوف: أهالٍ يبتسمون، يرحبون، ويطلبون – بإلحاحٍ مهذّب – من الصائمين النزول فوراً لتناول الإفطار. لا مجال للاعتذار. وإن أفلت المسافر من المجموعة الأولى، فلن ينجو من الثانية أو الثالثة. كمينٌ خلف كمين، حتى يرضخ في النهاية لسطوة الكرم.

ربّ الأسرة يتقدم الصفوف، مرحباً بالضيوف الذين قد يبلغ عددهم العشرات. وأحياناً يحتدم “الخلاف” بين الأسر حول أحقية استضافة الركاب أولاً، ما يستدعي تدخل وجهاء الحي أو فاعلي الخير لتوزيع الضيوف على الموائد بالتساوي.

شهر الخير… ولو ضاق الحال

تتقارب العادات الرمضانية في مختلف قبائل السودان، ويكاد الإفطار الجماعي في الشوارع يكون قاسماً مشتركاً بينها جميعاً. رمضان هنا ليس مجرد شعيرة دينية، بل مساحة عامة للتكافل وإعادة ترميم الروابط الاجتماعية.

مجذوب عبد الفضيل يقول لـ”الغد السوداني” إن هذه العادة “موغلة في القدم، وليست حكراً على منطقة بعينها، بل تشمل معظم أنحاء البلاد، ويتوارثها الأبناء عن الآباء منذ أزمان بعيدة”.

لكن المفارقة أن هذه العادة لم تنكسر، حتى في ظل الحرب وشظف العيش. فبينما تعاني البلاد من تضخمٍ متصاعد ونقصٍ في السلع الأساسية، يحرص الأهالي على اقتطاع جزءٍ من قوت يومهم لإكرام عابر سبيل لا يعرفونه.

صمود اجتماعي في وجه الانهيار

في بلدٍ أنهكته الحرب، قد يبدو منطقياً أن تنكفئ المجتمعات على همومها الصغيرة. غير أن “قطع طريق الصائمين” يقدم صورة معاكسة تماماً: الناس يخرجون إلى الطرقات، يفتحون بيوتهم الرمزية، ويشاركون غرباءهم ما تيسر.

ليست العادة فعلاً عفوياً فحسب، بل ممارسة رمزية تقول إن المجتمع، رغم انقساماته السياسية وأزماته الاقتصادية، لا يزال متماسكاً في حدّه الأدنى الإنساني. الكمين هنا ليس لإيذاء أحد، بل لحماية فكرةٍ قديمة: أن الضيف في رمضان لا يُترك يمضي جائعاً.

بين الحرب والموائد المفتوحة

رغم تقلبات السياسة وقسوة الحياة اليومية، يستمر السودانيون في نصب “كمائن الخير” كل مساء رمضاني. أطفال يتدافعون بفرح، نساء يرتبن الصحون، رجال يلوّحون للحافلات بالتوقف. المشهد يتكرر عاماً بعد عام، كأنه إعلان غير مكتوب بأن الحرب عابرة، أما العادات الراسخة فباقية.

“قطع طريق الصائمين” ليس مجرد طقس رمضاني، بل مرآة لروحٍ جماعية ترفض الانكسار. ففي زمن الانهيار، يختار السودانيون أن يقاوموا بطريقتهم الخاصة: مائدة في العراء، وعمامة في منتصف الطريق، وابتسامة تُجبرك على النزول لتشاركهم الإفطار.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.