السودانيون يستقبلون رمضان بين النزوح ودعوات وقف إطلاق النار

الخرطوم، الغد السوداني – بين موائد إفطار تُنصب على عجل في مدن النزوح، وخيام لجوء تمتد من أطراف كمبالا ونيروبي إلى ضواحي القاهرة، يحاول السودانيون استقبال شهر رمضان هذا العام وسط استمرار الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، في وقت تتصاعد فيه دعوات مدنية لوقف فوري لإطلاق النار مع حلول الشهر الكريم.

رمضان، الذي اعتاد السودانيون أن يستقبلوه بالزيارات العائلية وموائد الإفطار الجماعي و”اللمة” في الأحياء، يأتي هذا العام مثقلاً بذكريات الفقد والنزوح والانقسام، فيما تواصل الحرب، التي تجاوزت الألف يوم، إلقاء ظلالها على تفاصيل الحياة اليومية.

رمضان في المنافي… محاولة لاستعادة الوطن

في دول اللجوء، يسعى السودانيون إلى خلق أجواء رمضانية تشبه ما تركوه خلفهم. تقول سيدة سودانية تقيم في القاهرة إنهم يتشاركون إعداد أطعمة تقليدية مثل العصيدة والقراصة، “حتى يشعر الأطفال بأن شيئاً من الوطن ما زال حاضراً”.

وفي كينيا وأوغندا وتشاد، تنظم الجاليات السودانية إفطارات جماعية، في محاولة لتخفيف وطأة الغربة وتعويض غياب العائلة الممتدة. لكن هذه المبادرات، بحسب ناشطين، لا تخفي حجم التحديات الاقتصادية التي يواجهها اللاجئون، من صعوبة العمل إلى ارتفاع تكاليف المعيشة.

داخل السودان، تبدو الصورة أكثر تعقيداً. في بعض المناطق التي شهدت معارك عنيفة، تقلصت مظاهر رمضان إلى الحد الأدنى، في ظل انقطاع الكهرباء وشح السلع وارتفاع الأسعار، بينما تحولت بعض المساجد إلى مراكز إيواء للنازحين.

دعوات لهدنة إنسانية مع مطلع الشهر

على الصعيد السياسي، طالبت قوى مدنية وسياسية سودانية بوقف فوري لإطلاق النار بين الجيش وقوات الدعم السريع مع مطلع شهر رمضان، داعية إلى هدنة إنسانية عاجلة تشمل الإفراج عن المدنيين المعتقلين، والشروع في ترتيبات تبادل الأسرى تحت إشراف دولي.

وجاءت المطالب في مذكرة رسمية وُجهت إلى قيادتي الطرفين، أكدت أن الحرب المستمرة خلفت “معاناة إنسانية غير مسبوقة”، وأدخلت السودان في واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم، مع خسائر كبيرة في الأرواح ودمار واسع للبنية التحتية وتدهور حاد في الأوضاع المعيشية.

وأشارت المذكرة إلى أن المدنيين، لا سيما النساء والأطفال وكبار السن، دفعوا الثمن الأكبر من جراء القتال، في ظل تفشي الجوع والنزوح والمرض، مؤكدة أن معاناة الأسرى والمعتقلين امتدت إلى عائلاتهم “في مأساة لا يجوز أن تستمر بلا أفق”.

بنود مقترحة للهدنة

تضمنت الدعوة إلى هدنة إنسانية شاملة: وقف الأعمال القتالية وإسكات صوت السلاح، حماية المدنيين ومناطق سكنهم والمرافق الحيوية، وفتح مسارات آمنة ومستدامة لإيصال المساعدات الإنسانية دون عوائق، وتمكين المنظمات الوطنية والدولية من أداء مهامها بصورة كاملة، إضافة إلى الإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع المدنيين المعتقلين، والبدء العاجل في ترتيبات تبادل الأسرى وفق القانون الدولي الإنساني.

كما شددت القوى الموقعة على ضرورة وضع آليات واضحة للتنفيذ والمراقبة، لضمان عدم استغلال الهدنة لأغراض عسكرية.

وضمت قائمة الموقعين أحزاباً وقوى سياسية ومهنية، بينها حزب الأمة القومي وحزب المؤتمر السوداني والتجمع الاتحادي وحزب المؤتمر الشعبي، إلى جانب تحالفات مدنية ومهنية ولجان مقاومة.

بين الأمل والانسداد

تأتي هذه الدعوات في ظل انسداد سياسي واضح، مع استمرار المواجهات وتباين المواقف الإقليمية والدولية بشأن سبل إنهاء الحرب. ويرى محللون أن شهر رمضان قد يشكل فرصة رمزية للتهدئة، لكنه يحتاج إلى إرادة سياسية حقيقية وضمانات تنفيذية.

بالنسبة لكثير من السودانيين، لا يبدو رمضان هذا العام مناسبة دينية فحسب، بل اختباراً لإمكانية استعادة شيء من السلم الاجتماعي. تقول ناشطة مدنية في الخرطوم: “نريد فقط أن نصوم يوماً بلا قصف، وأن نفطر بلا خوف”.

في بلد أنهكته الحرب، يبقى السؤال مفتوحاً: هل يكون رمضان مدخلاً لوقف النزيف، أم محطة أخرى في مسار صراع طال أمده؟

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.