
رمضان في السودان بين ضائقة الاقتصاد وذاكرة الحرب… هل تعود “روح الحلومر” إلى الخرطوم؟
في أحياء العاصمة السودانية الخرطوم، التي بدأت تستقبل مئات الأسر العائدة بعد فترات نزوح داخلية وخارجية، يتقاطع مشهدان مع اقتراب شهر رمضان: ضيق اقتصادي فرضته الحرب وتراجع العملة، ومحاولات حثيثة لاستعادة ملامح الحياة اليومية، من الأسواق إلى موائد الإفطار الجماعي.
على امتداد مدن العاصمة الثلاث – الخرطوم وأم درمان وبحري – رصد ناشطون وتجار تحركات لافتة في الأسواق، مع وفرة نسبية للسلع الأساسية، وإن ظلت الأسعار مرتفعة مقارنة بمستويات ما قبل الحرب.
أسعار مرتفعة… وسوق “مرن”
تتفاوت أسعار السلع بين سوق وآخر، إذ يتراوح سعر جوال السكر (50 كيلوغراماً) بين 150 و155 ألف جنيه سوداني، بينما يباع لتر الزيت بين 5 و7 آلاف جنيه. ويتراوح سعر كيلوغرام اللحوم بين 20 و25 ألف جنيه، والدقيق بين 2000 و2500 جنيه، والأرز نحو 2500 جنيه، فيما يصل سعر كيلو اللبن إلى ما بين 23 و27 ألف جنيه.
تجار في الخرطوم يقولون إن “وفرة السلع” هي السمة الأبرز هذا العام، مقارنة بفترات سابقة اتسمت بالندرة والركود. محمد سعيد، وهو تاجر مواد تموينية، يؤكد أن “الأسواق بدأت تتعافى تدريجياً، مع توفر السكر والزيوت والدقيق والسلع الرمضانية مثل البليلة والكركدية والبلح والتبلدي”، مشيراً إلى أن بعض التجار يتبنون سياسة بيع “وفق مقدرة الزبون” لتحريك السوق وتشجيع الأسر على العودة.
ويرى تجار آخرون أن ارتفاع الأسعار يرتبط بفقدان كثير من المواطنين مصادر دخلهم، إلى جانب تراجع قيمة الجنيه السوداني. ويشيرون إلى أن حركة الشراء تنشط مساءً، حيث تنخفض الأسعار نسبياً مقارنة بالفترة الصباحية.
“الحلومر” يعود… ورمضان يستعيد رائحته
بعد غياب استمر نحو ثلاث سنوات، عادت مشروبات رمضان التقليدية إلى البيوت السودانية. نفسية الحسين، وهي من سكان الخرطوم، تقول إن سنوات النزوح والتهجير “أطفأت طقوساً كثيرة”، فبعض الأسر فقدت أفراداً أو تشتتت، وأخرى انشغلت بتأمين الأساسيات.
لكنها تضيف أن الاستقرار النسبي في الكهرباء والمياه وانتعاش الأسواق “أعاد شيئاً من الطمأنينة”، وأن رائحة “الأبري” أو “الحلومر” – المصنوع من دقيق الذرة – بدأت تتسلل مجدداً إلى الأحياء. وتقول إن السودانيين في المهجر يطلبونه خصيصاً في هذا الشهر، باعتباره رمزاً لهوية رمضان في السودان.
أسواق مخفضة… و”الخيمة الرمضانية”
في محاولة للتخفيف من وطأة الأسعار، درجت السلطات المحلية في الخرطوم على تنظيم أسواق للبيع المخفض في المدن الثلاث، مع تخفيضات قد تصل إلى نحو 5 آلاف جنيه في بعض السلع.
مصادر في حكومة الولاية تقول إن التنسيق جرى مع شركات منتجة ومستوردة لسلع مثل الزيوت والسكر والدقيق والأرز والبلح، مع إعفاء بعض الرسوم، “دون الإضرار بتجار السوق”. كما أُقيمت الأسواق بالقرب من الأحياء لتقليل تكاليف الترحيل على المواطنين.
وفي ولايات أخرى مثل كسلا والقضارف والجزيرة، انتظمت “الخيمة الرمضانية” للبيع المخفض، بدعم من منظمات خيرية ورجال أعمال، مع إقبال واضح على السكر والزيوت والدقيق والمشروبات التقليدية مثل الكركدية والعرديب والتبلدي.
الزكاة والمبادرات الأهلية
يلعب ديوان الزكاة دوراً في توزيع السلال الرمضانية عبر لجانه القاعدية في الأحياء، مستهدفاً الأسر المتعففة، كما يساهم – بحسب مواطنين – في تمويل مشاريع صغيرة للعاطلين بضمانات مصرفية.
في الوقت نفسه، أطلق ناشطون عبر وسائل التواصل دعوات لتنظيم إفطارات جماعية في الشوارع والمؤسسات، إحياءً للتقاليد السودانية في إكرام الضيف وعابر السبيل. واستجابت شركات ورجال أعمال لحملات التكافل، فيما أعلنت جهات رسمية عن تخفيضات تصل إلى 50% للعاملين في بعض المؤسسات.
مائدة رمضان… تنوع يوحد السودانيين
تعكس الأكلات الشعبية في رمضان تنوع السودان الثقافي بين الشرق والغرب والشمال والجنوب، لكن المشترك بينها هو “الروح الجماعية” التي تميز الشهر الكريم. فالإفطار في الطرقات والساحات، وتبادل الأطباق بين الجيران، يظلان طقساً اجتماعياً يتجاوز حدود الطبق نفسه.
ورغم التحديات الاقتصادية، يبدو أن كثيرين يحاولون استعادة ما يمكن من تقاليد الشهر، باعتبارها مساحة لإعادة ترميم الروابط الاجتماعية التي تصدعت بفعل الحرب والنزوح.
وبين أرقام الأسعار المرتفعة، ورائحة الحلومر العائدة، يقف رمضان في السودان هذا العام على خط تماس بين ضائقة الاقتصاد وأمل التعافي… حيث تحاول الأسواق أن تستعيد حركتها، وتحاول البيوت أن تستعيد دفئها.
