قراءة تحليلية في مقال “حالة وسيناريوهات الوساطة في السودان: سلام، هدنة، أم عدم يقين مطوّل؟”
أرسل لى مشكوراً السيد عبدل محمد (زميل أول في مركز أماني أفريقيا للأبحاث ورئيس ديوان الفريق رفيع المستوى للاتحاد الأفريقي بشأن السودان سابقاً) مقاله المشترك (المذكور أعلاه) مع الدكتور سولومون أييلي درسّو (المدير المؤسس، مركز أماني أفريقيا). يشكل مقال الخبيرين الأثيوبيين المكتوب باللغة الإنجليزية (https://amaniafrica-et.org/the-state-and-scenarios-of-sudan-mediation-peace-pause-or-prolongeduncertainty/) مساهمة مهمة في لحظة سودانية بالغة التعقيد، إذ لا يكتفي بتوصيف تعثر الوساطة، بل يعيد تعريف طبيعة الحرب نفسها. فبحسب الكاتبين، الصراع لم يعد مجرد تنازع داخلي على السلطة بين أطراف عسكرية، بل تحول إلى منظومة نزاع إقليمية تتشابك فيها ثلاثة عناصر بنيوية: صراع على السيادة واحتكار العنف داخل الدولة، اقتصاد حرب عابر للحدود، وتدخلات إقليمية ودولية مستدامة تغذي موازين القوة على الأرض. ومن هنا تأتي أهمية المقال، لأنه لا يناقش تقنيات التفاوض فحسب، بل يضع الوساطة في سياقها الهيكلي، ويفتح نقاشاً صريحاً حول حدود النماذج التقليدية حين تُطبق على حرب بهذا التعقيد.
يطرح المقال خمسة سيناريوهات محتملة لمسار الوساطة. السيناريو الأول يتمثل في استمرار الوساطة الإجرائية دون معالجة جذور الأزمة. تُعقد المؤتمرات، يُتفاوض على وقف إطلاق النار، تُستشار القوى المدنية بصورة رمزية، بينما يظل اقتصاد الحرب والرعاة الخارجيون خارج المعالجة الهيكلية. هذا المسار قد يخلق حركة دبلوماسية نشطة، لكنه ينتهي غالباً إلى جمود مطوّل، حيث تتحول الوساطة إلى عملية دائمة بلا تحول حقيقي، ويتآكل رصيد الثقة لدى المدنيين.
أما السيناريو الثاني فيعطي أولوية للتهدئة الإنسانية ووقف العنف، وهو مسار لا يمكن التقليل من أهميته أخلاقياً، إذ أن إنقاذ الأرواح ضرورة عاجلة. غير أن خطورته تكمن في احتمالية تحوله إلى صيغة لتجميد الصراع دون معالجة أسبابه. فإذا لم تُربط الهدنة بمسار سياسي واضح ومحدد زمنياً، فقد تتحول إلى أداة لتثبيت موازين القوة العسكرية وإعادة إنتاج الحكم القسري في صيغة أكثر هدوءاً لكنها غير متحولة.
السيناريو الثالث يفترض تقارباً مدنياً داخلياً، مدعوماً بقطاعات من المجتمع الدولي، حول رؤية “برامجية” للحكم المدني الديمقراطي واضحة المعالم . هذا التقارب مهم وضروري، لكنه يظل هشاً إن لم يُدعّم بأدوات ضغط حقيقية على اقتصاد الحرب وشبكات تمويله وإدراج كل التدخلات الخارجية المنحازة كأحد أهم مسببات إطالة أمد الحرب وإعاقة الحلول السلمية. برأى الكاتبين، بناء الكتلة المدنية الديمقراطية الحرجة والمتوافقة على برنامج وطنى جامع شرط لازم لكن بلا أدوات تنفيذية ضاغطة يظل غير فعال، بل سيولد فجوة بين التوقعات والواقع، ويعرض القوى المدنية لموجة أعمق من الإحباط والتشرذم.
السيناريو الرابع يمثل ما يمكن تسميته “استقراراً قائماً على الصفقات”، حيث تُعطى الأولوية لوقف القتال بسرعة عبر صفقات سياسية وأمنية بين الأطراف المتحاربة ورعاتها الخارجيين، مع احتمال تأجيل المسار المدني إلى أجل غير مسمى. هذا المسار قد يحقق تهدئة سريعة مستندة إلى نفوذ دولي قوي، لكنه يحمل مخاطر جدية تتمثل في تفريغ السيادة الوطنية وتحويل السودان إلى ساحة ترتيبات قوة خارجية، وهو نموذج يوفر استقراراً قصير الأجل على حساب التحول الديمقراطي المستدام. يرى الكاتبان، فى سياق هذا السيناريو مع إنشاء “مجلس السلام” برئاسة الولايات المتحدة وتعاظم دور الرباعية، قد يصبح السودان مرشحاً لنموذج استقرار قائم على الصفقات، دون مخاطبة جذور أزمة المشروع الوطنى.
في مقابل هذه المسارات الأربعة، يطرح المقال السيناريو الخامس بوصفه خياراً تحويلياً يقوم على “إعادة هندسة الوساطة”. هذا السيناريو لا يرفض العناصر المفيدة في المسارات الأخرى، بل يدمجها في إطار متوازن يجمع بين التقارب والضغط المترتب على استحقاق إنفاذ الإتفاقيات. فهو يؤكد على ضرورة هدنة إنسانية فورية، لكنه يشدد على ربطها صراحة بمسار سياسي موازٍ ومحدد زمنياً. ويعترف بأهمية النفوذ الدولي، لكنه يطالب بإدارته ضمن إطار متعدد الأطراف يحفظ الدور الأفريقي ويمنع احتكار القرار. كما يدعو إلى إدماج الرعاة الخارجيين في هيكل الوساطة، وتعطيل اقتصاد الحرب، وإعادة تعريف الحياد باعتباره انخراطاً مبدئياً واعياً بموازين القوة يسمح بمعالجة مسألة التدخلات الخارجية المنحازة لهذا الطرف أو ذاك من أطراف الحرب بواسطة كافة الدول، خاصة الدول المعنية بالوساطة من أعضاء الرباعية وغيرها.
دعوة لتحويل السيناريو الخامس إلى مسار عملي عبر عملية أممية متعددة الأبعاد:
غير أن هذا السيناريو، رغم نضجه التحليلي، يظل بحاجة إلى آلية تنفيذية قادرة على تحقيق التوازن بين القوة والمعيار، بين الواقعية السياسية والمبدأ الديمقراطي. هنا أتقدم برؤيتى التى طرحتها فى عدة مقالات وندوات سابقة والتي برأى ضرورية لمأسسة السيناريو الخامس وتحويله إلى مسار عملي وذلك باستكمال ما يمكن تسميته بمثلث السلام: مؤسسات دولة قادرة، نسيج اجتماعي متماسك، ودعم دولي مؤسسي ومعياري. في الحالة السودانية الراهنة يعاني الضلعان الوطنيان من وهن شديد؛ فقد انهارت مؤسسات الدولة بفعل الحرب، وتصاعد التمزق الاجتماعي على أسس إثنية وجهوية، وتعزز اقتصاد ريعي مرتبط بعسكرة السياسة والمجتمع. وعليه يصبح الضلع الثالث، أي الإسناد الدولي المؤسسي، ضرورة استراتيجية لا إضافة شكلية.
من هذا المنطلق دعوت وما زلت إلى عملية أممية متعددة الأبعاد تحصِّن وتسند السيناريو الخامس وتحوله إلى برنامج عمل قابل للتطبيق. هذه العملية لا تقتصر على دور تقني في مراقبة وقف إطلاق النار، بل تشمل أبعاداً متكاملة يمكن تلخيصها في المحاور التالية:
إصلاح أمني هيكلي عميق – بمثابة إعادة بناء – يربط نزع السلاح وإعادة الدمج بإعادة هيكلة القوات المسلحة وفق معايير دولية، بما يمنع اختزال الإصلاح في ترتيبات شكلية تخدم الأطراف المسلحة أو الأهداف الاستراتيجة لدولٍ خارجية قد لا تتوافق مع بناء عقيدة مهنية تُخضِع المؤسسة العسكرية للسلطة المدنية المنتخبة.
عدالة انتقالية مؤسسية تضمن المساءلة ومنع الإفلات من العقاب، مع ربطها عضوياً بالمسار السياسي، بما لا يستبعد نموذج “الحقيقة والمصارحة” الجنوب أفريقى.
حماية المسار المدني عبر اعتماد جدول زمني ملزم للانتقال، وتوفير ضمانات دولية مؤسسية وفق أعراف ومعايير المنظمة الأممية المتعارف عليها، بما يحول دون تحويل الهدنة إلى أداة لتثبيت الحكم العسكري.
تفكيك اقتصاد الحرب من خلال آليات تتبع مالية وعقوبات ذكية وإعادة توجيه الموارد نحو إعادة الإعمار.
تمكين القوى المدنية من خلال شراكات مع وكالات الأمم المتحدة وبناء قدراتها المؤسسية في العمل الإنساني والإداري، بما يعزز شرعيتها المجتمعية ويعيد التوازن مع النخب العسكرية والمليشياوية.
لا ينبغي فهم الدور الأممي هنا بوصفه وصاية أو بديلاً عن الإرادة الوطنية، بل باعتباره إطاراً ضامناً للمعايير ومُوفِّراً لمظلة شرعية متعددة الأطراف، يشكّل حائط صد أمام “الخطوط الحمراء” و”الأبقار المقدسة” لفرادى البلدان، ويحدّ من تنافس النفوذ، ويعزّز الشراكة مع الاتحاد الأفريقي وإيقاد والجامعة العربية. إن وجود الأمم المتحدة كشريك رئيس، تحت سقف ميثاق وطني سوداني، يوفر التوازن المطلوب في مرحلة تتسم باختلال عميق في موازين القوى الداخلية.
خاتمة:
إن الخلاصة المزدوجة التي يمكن الوقوف عليها من مقال الخبيرين وأيضاً من مبادرة العملية الأممية التى طرحتها هي أن السيناريو الخامس قد يفتح نافذة لإنتقال سلمى متين يعيد تأسيس الدولة على أسس مدنية ديمقراطية، لكنه لن يتحول إلى واقع إلا إذا أُسنِد بعملية أممية متعددة الأبعاد تضبط المعايير، وتنظم النفوذ، وتعيد تمكين الإرادة الوطنية السودانية. السلام، في هذه القراءة، ليس مجرد وقف للحرب، بل إعادة هندسة للعقد الاجتماعي والدولة، وهو ما يتطلب توازناً دقيقاً بين الإرادة الوطنية والإسناد الدولي المؤسسي.
من الواقعية المترددة إلى الفعل المنظم: قد يرى البعض أن الحديث عن دور فاعل للأمم المتحدة في الظرف السوداني الراهن أقرب إلى التمنّي منه إلى الواقعية السياسية، بحجة تعقيد المشهد الدولي، وتشابك المصالح الإقليمية، وتراجع شهية المجتمع الدولي للانخراط في أزمات ممتدة. غير أن هذا التوصيف يغفل حقيقة أساسية مفادها أن موازين الإرادة السياسية ليست معطى ثابتاً، بل هي نتاج فعل منظم وضغط مشروع ورؤية وطنية واضحة. إن الفرق بين “الأمل الرغائبي” و”المشروع القابل للتحقق” يكمن في وجود فاعل وطني موحد يمتلك خطاباً سياسياً متماسكاً وأدوات تأثير مدروسة. فإذا استطاعت القوى المدنية الديمقراطية أن تحسم أمرها، وتتوافق على ميثاق وطنى جامع وتعزيز وتطوير تحالف “صمود” إلى كتلة وطنية أوسع فإنها ستنتقل من موقع رد الفعل إلى موقع المبادرة.
وفي هذا السياق، لا ينبغي التقليل من أهمية الدياسبورا السودانية المنتشرة في عواصم القرار العالمية. فهذه الكتلة البشرية المؤهلة، أكاديمياً ومهنياً، تمتلك قدرة حقيقية على التأثير في دوائر صنع القرار، وفي البرلمانات، ووسائل الإعلام، ومراكز الفكر. توظيف هذا الرصيد بصورة منسقة يمكن أن يعيد وضع القضية السودانية على جدول الأعمال الدولي، لا كأزمة إنسانية عابرة، بل كملف سياسي يستوجب إطاراً أممياً متعدد الأبعاد لوقف الحرب وبناء السلام. إن المجتمع الدولي لا يتحرك في الفراغ، بل يستجيب غالباً لمبادرات واضحة المعالم تحظى بحد أدنى من التوافق الوطني. وحين يتبلور ميثاق وطني جامع، مدعوم بحراك دبلوماسي ومدني منظم في الداخل والخارج، فإن الدعوة إلى عملية أممية لن تبدو مطلباً مثالياً معزولاً، بل استحقاقاً منطقياً لإسناد مشروع وطني متماسك.
من هنا، فإن الرهان ليس على “إرادة الخارج” وحدها، بل على قدرة كتلة وطنية حرجة – تشمل دياسبورا فاعلة – على صياغة رؤية “برامجية” جامعة، محددة المرتكزات والأدوات التنفيذية وتحويلها إلى قضية دولية ذات أولوية. وعندئذ فقط يمكن أن يصبح السيناريو التحويلي الذي تحدث عنه المقال مساراً عملياً قابلاً للتطبيق، لا مجرد تصور نظري. فالسلام المستدام في السودان لن يُفرض من الخارج، لكنه قد يُسند ويُحمى بإطار أممي متوازن إذا ما أحسن السودانيون تنظيم صفوفهم وتوحيد كلمتهم حول مشروع وطني واضح المعالم.
