من “الكنداكة” إلى “الفلاشا”… كوش وسليمان والموساد في السودان

..وعن الكنداكة يأخذك الكلام منك ويردك إليك؛ وأنت في تحليقك المعرفي تتساءل:
من هي؟

في تل أبيب؛ جلس تاجر يهودي على كتف الطريق؛ عارضا بضاعته على الراغبين-والبضاعة المعروضة ما هي إلا أدمغة بشرية يهودية وعربية…اول الراغبين في الشراء يسأل التاجر:
-كم سعر الدماغ اليهودي؟
الرجل يجيبه؛ دماغ الرجل اليهودي بدولارين..
-وكم سعر دماغ الرجل العربي؟
-خمسة دولارات للدماغ العربي..
المشتري يحتج :
-كيف يكون دماغ العرب اعلى سعرا من دماغ اليهود؟
يجيبه التاجر بكل هدوء:
-الدماغ اليهودي مستهلك فيما لا يزال الدماغ العربي في حالته حين تكوّن!

حقيقة تعتصر من النكتة ألماً!

هكذا بدأ ضابط مخابرات اسرائيلي كتابَه؛ الذي غزا الاسواق بعنوان:
*عن طريق الخداع*
By Way of Deception
في مطلع تسعينيات القرن الماضي…

المؤلف اسمه فيكتور اوستروفسكي
Victor Ostrovsky
وكان يعمل في الموساد؛ قبل هروبه من اسرائيل ولجوئه إلى كندا؛ حيث نشر كتابه الذي أقلق مضاجع الموساد لفترة طويلة؛ بسبب المعلومات البالغة السرية التي كشف عنها في كتابه..

*كريستوفر روبرت افانز*
Christooher Robert Evans
واسمه الفني *كريس افانز* ممثل إمريكي؛ اشتهر بعدة أفلام منها *كابتن أمريكا*
Captain America
و *الهارب* The Fugitive

و *الجنس الآخر* The Opposite Sex

غير أن فيلما له ظهر قبل بضعة أعوام؛ احتفى به اليهود دون غيرهم؛ بشكل لافت..

الفيلم تم تصويره في جنوب أفريقيا وناميبيا غير أن السودان كان محور أحداثه!

*فيلم منتجع البحر الأحمر للغوص*
The Red Sea Diving Resort
استقيت فكرتُه من أحداث حقيقية نقلها ضابط الموساد في كتابه الذي صدر بعنوان *عن طريق الخداع*..

قرات الكتاب في نسخته الأصلية؛ ووجدت أصداء النكتة؛ التي اوردها المؤلف في كتابه؛ تتردد في كثير من العمليات؛ التي نفذتها اسرائيل ضد دول عربية منها العراق ومصر والسودان!

في السودان بلعت حكومة النميري طعماً دسته لها المخابرات الاسرائيلية؛ في شكل اغراءات استثمارية ضخمة؛ ورشاوى دفعت لبعض النافذين..

*السمكة بلعت الطعم*
The fish swallowed the hook..

هكذا نقلت الموساد المعلومة بسرية تامة لخليتها النائمة في الخرطوم؛ حين تاكدت من وقوع حكومة النميري في الفخ؛ لتبدأ نشاطها التجاري المزعوم تحت واجهات كندية وألمانية..

في جنيف ونيويورك ولندن وباريس وروما وبون وقف رجال وسيمو المحيا؛ على مداخل اهم الشوارع الرئيسية؛ وهم يحملون لافتات صيغت بعناية فائقة؛ تدعو الراغبين في الاستجمام؛ للاتصال على أرقام الهواتف المبينة في اللافتات المزينة بألوان زاهية..

*من كان يرغب في الراحة والاستجمام بأساليب غير مسبوقة؛ فليتصل بنا..*

*من كان يبحث عن الغوص في مياه صافية مترعة بأحياء مائية نادرة؛ فليتصل بنا..*

*من كان يحلم بمغامرات في صحاري بكر تعد الموئل الافضل لحيوانات صحراوية آيلة للانقراض؛ فليتصل بنا..*

تدافع الراغبون الاثرياء زرافات ووحدانا للتمتع بما يعرضه عليهم المشروع الاستثنائي!

الوجهة السياحية المعلن عنها لم تكن في بلد اوروبي او آسيوي يشتهر بمعالمه وموارده السياحية الجاذبة للاثرياء الباحثين عن مرافق للاستجمام؛ بل كانت تقع على بعد مئتي كيلومترا من بورتسودان..!

في مطلع سبعينيات القرن الماضي؛ استثمرت شركة ايطالية مبالغ ضخمة؛ في إنشاء منتجع سياحي على شاطيء البحر الأحمر؛ لكنها تخلت عن المشروع لغياب البنية التحتية اللازمة..فظل مشروع *عروس السياحي* مهجورا لسنوات؛ إلى أن وقعت عليه عين *الموساد*؛ ليكون منصة الانطلاق لعملية استخباراتية ما شهد العالم مثلها منذ عقود طويلة..

اطلقت الموساد على العملية المخابراتية اسم *عملية موسى*
Operation Moses..

ولاسم *موسى* دلالات ومغاز عميقة لدى اليهود؛ كما حدثتهم عنها التوراة كما يدعون..

تقول التوراة سفر العدد؛ الاصحاح الثاني عشر:

Moses had married a Kushite woman and Mariam and Aaron critised him for that..
وتترجم إلى العربية على النحو التالي:
تزوج موسى بإمرأة *كوشية* وقد عنفته *مريم* على ذلك كما عنفه *هارون*!

القرآن قال إنَّ *شعيباً* عليه السلام زوّج ابنتَه لموسى عليه السلام!

هل يفهم من هذا أن *شعيباً* كان *سودانياً*؟

النفي وارد والتأكيد وارد كذلك رغم علمنا أن كتب التفسير قالت إن موقع مدين في الأردن..ولكن إلى أي حدود كانت مملكة كوش تمتد عصرئذ؟

المؤرخ نعوم شقير يذهب بتلك الحدود إلى ما وراء الجزيرة العربية!

وابن جرير الطبري يصف النبي *موسى* بأنه كان (أدِم) البشرة اي انه أسمر أو بالأحرى أخضر البشرة والسودانيون يصفون من كان لونه يميل آلى السمرة بأنه (أخدراني)..
وهكذا قال *عبد الرحمن الريح* حين شدا:
*خداري البي حالي ماهو داري يا..*

ويستند الطبري في تفسيره هذا؛ على الآية الكريمة التي خاطب فيها سبحانه وتعالى نبيَّه موسى قائلاً:
“وادخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء..” أي من غير برص..

ويفسر الطبري الآية بقوله إن موسى أدخل يده في جيبه كما أُمِر فخرجت كما الجليد بياضا ثم ردها إلى جيبه فعادت كما كانت إلى لون بشرته السمراء..

ولأهل البلاغة مصطلح يُعرف ب *الاحتراس* اي ان يأتي المتكلم بمعنىً لا يخلو من (دَخَل) اي شبهة؛ فيفطن لذلك؛ فيأتي بما يخلصه منه
فقوله تعالى:
“ادخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء..” فقوله تعالى “من غير سوء” احتراس من البرص مثلا.

وكذلك قالت *الخنساء*:

*لولا كثرة الباكين حولي*
*على اخوانهم؛ لقتلت نفسي*
*وما يبكون مثل اخي ولكن*
*أعزي النفس عنه بالتأسي*

فالخنساء؛ يقول اهل البلاغة؛ احترست بالبيت الثاني حتى لا يظن ان اخاها مساوٍ لغيره ممَن اختطفتهم يد المنون!

تدور أحداث فيلم *منتجع البحر الأحمر* والذي لعب فيه *كريس افانز* دور البطولة؛ حول الكيفية التي خدعت بها الموساد حكومة النميري وأحالت بها موقع *قرية عروس* إلى بؤرة مخابراتية والترويح له كمنتجع لا مثيل له في العالم..

تدفق الاثرياء المتخمون بالاموال المكتنزة إلى المنتجع..

وبالطبع لعبت اجهزة الاعلام السودانية آنئذ دوراً في الترويج للمشروع كاحد انجازات “ابو عاج” العظام..

المنتجع كان أخطر واجهة للموساد؛ تمكنت من خلالها من نقل عشرات الآلاف من الفلاشا اليهود؛ من معسكرات اللاجئين الاثيوبيين في الحدود السودانية الاثيوبية؛ خلال الفترة الممتدة من ١٩٧٨ وحتى ١٩٨٤..

استأجرت الموساد المشروع بمبلغ ٣٢٥ الف دولار لفترة ثلاث سنوات..فأضيئت قرية عروس بالثريات الكهربائية؛ وشيدت فيها الفلل الفاخرة؛ وشقت فيها الطرق المعبدة؛ وجهزت بأرقى الخدمات الفندقية؛ فاضحت قبلة سياحية لا يؤمها إلا ذو حظ عظيم؛ من اصحاب المال والاعمال من اوروبا والديبلوماسيين العرب وغير العرب دون ان تساورهم شكوك في أنهم في ضيافة الموساد!

نقلت المخابرات الاسرائيلية وحكومة مناحيم بيغن؛ آلاف من اليهود الاثيوبيين (الفلاشا) من معسكرات اللاجئين في الشوك وغيرها من المعسكرات؛ التي كانت تؤوي اللاجئين الاثيوبيين الهاربين من المجاعة التي واجهت حكومة منغستو هيلا مريام؛ بسبب الجفاف في نهاية سبعينيات وبداية ثمانينيات القرن الماضي..

نُقل هؤلاء اللاجئون من معسكراتهم؛ بواسطة شاحنات ضخمة عبرت طرق شديدة الوعورة؛ حتى تصل ليلا إلى نقطة تجمع تقع خلف المنتجع..ثم يُنقلون من هذه النقطة تحت جنح الليل؛ بينما كان الاثرياء الأجانب و الديبلوماسيون العرب وغير العرب يتراقصون طربا على أنغام فرقة *بوني إم* ذائعة الصيت آنذاك والتي كانت تضفي على المنتجع ألقاً..

تسريبات عن العملية تصل لمخابرات *ياسر عرفات* فتقوم بالتنسيق مع ضباط مخابرات ليبيين لتنفيذ عملية مطاردة جريئة شارك فيها ضباط من أمن النميري..

اُكتشف أمر المنتجع الواجهة؛ فهرب الضباط الاسرائيليون؛ الذين كانوا يديرون العملية من وراء أستار؛ تاركين وراءهم زوار المنتجع في مرفق سياحي أخلي من كل شيء؛ سوى طبق افطار متواضع..

اهتمام اسرائيل بالفلاشا كان ينطلق من اعتقاد اليهود الجازم بأن سيدنا *سليمان* عليه السلام؛ تزوج *بلقيس* وانجب منها ولدا هاجرت به من اورشليم الى أفريقيا؛ وأن هؤلاء الفلاشا هم من سلالته..والفلاشا في الأدبيات اليهودية تعني (المنفيون)..

وفي نشيد الانشاد التوراتية Song of Songs يجري حوار بين بين رجل وامرأة يثير الكثير من التساؤل حول من هي *بلقيس*؟

البشرة السوداء الناعمة الملمس التي عدتها *التوراة* من مميزات السودانيين كانت من مقاييس الجمال في ذلك الزمان البعيد..

تقول *التوراة* إن الحسناء التي شاركت في كتابة اشهر قصيدة في العشق وهي أهزوجة *نشيد الاناشيد* في *العهد القديم* كانت *سودانية البشرة..*

و *نشيد الاناشيد* Song of Songs حوارٌ بين امراةٍ ورجلٍ لا يُذكَر أسماهما في الحوار..

ففي بيتٍ من هذا النشيد يقول الرجل:

*كالسوسن بين الشوك حبيبتي بين البنات..*

As a lily among thorns, so is my love among the girls..

فترد المراة:

*كالتفاح بين شجر الوعر كذلك حبيبي بين الرجال..*

As the apple tree among the trees of the wood, so is my love among the men.

*النشيد* لم يحدد اسما لا للحسناء ولا للرجل الذي يبادلها الغرام..غير ان النشيد تعرّفه *التوراة* ب:
*نشيد الاناشيد-أهزوجة الملك سليمان..*
Song of songs-King Solomon’s song..

فهل يمكن الاستدلال من ذلك ان الرجل الذي يبادل الحسناء عبارات الحب هو *سليمان* عليه السلام؟

*الحسناء* والتي لم يُذكر اسمها في النشيد تستهل الاهزوجة متباهية بجمالها:

Women of Jerusalem, I am dark but beautiful..dark as the curtains in Solomon’s Palace..Don’t look down on me because of my colour, because the sun has tanned me..
*يا نساء اورشليم، أنا داكنة البشرة ولكنني جميلة..داكنة كلون* *الستائر في قصر سليمان..فلا تعيّرنّني* *بسواد بشرتي فالشمس هي التي دكّنتْ لوني..*

*الحسناء* هذه كما يتضح من النص اعلاه، ليست من *جنس* سليمان!
فهل يا ترى هي *بلقيس؟*
وهل هي *سودانية؟*

الاعتقاد السائد في التراث العربي ان *بلقيس* يمنية..
ولكن!
لا بد من تقرير حقيقة تاريخية في غاية الاهمية وهي ان بلاد *كوش* او *اثيوبيا القديمة* (وهي السودان) كانت تمتد حسب المراجع من جنوب اسوان لتشمل السودان ثم ارتيريا والحبشة والصومال واليمن وجنوب جزيرة العرب واليمن وعسير وساحل عمان..

*نعوم شقير* في كتابه (جغرافية وتاريخ السودان)  يقول:

*إن اثيوبيا هو الاسم الذي اطلقه اليونانيون على جميع بلاد السود والشديدي السمرة ويعني الوجه الاسود او المحرّق وهو على اطلاقه يشمل السودان والحبشة والعرب..*

وفي الانجيل نقرأ:

Now there was an Ethiopian,  a court official of the Queen *Candace*, in charge of her entire treasury..
وتترجم الى:

*وإذ برجل من اثيوبيا، وزير ببلاط الملكة كنداكة، والمؤتمن على كل خزائنها..*

والثابت من ذكر الملكة *كنداكة* ان المقصود باثيوبيا هنا هو السودان فالمعلوم ان ملكات مملكة مروي كن يُلقّبن بالكنداكات..

وهل يعرف التاريخ القديم ذكراً للكنداكة غير كنداكات مملكة مروي؟

لستُ من الذين يطلقون القول على عواهنه؛ كما وأنّي لستُ بمؤرخٍ يأتي بالحجج الدامغة لتأكيد او نفي ما جاء على ألسنة الآخرين عن تاريخ بلادنا..

ولكني موقنٌ بأن تاريخَنا القديم بحاجة إلى مَن ينفض عنه الغبار؛ لينجلي كلُّ ما يكتنفه غموض من قول نسب لآخرين لتغبيش التاريخ عن قصد او بدون قصد..

وبالتالي تعد أسئلتي المطروحة دعوةً  لعلماء التاريخ في بلادي لكي يبداوا الحفر المعرفي بقصد تنقيح ما التبس، حتى تعرف الاجيال الجديدة عظمة بلاد هي موطنهم من زمان بعيد…بعيد…..

 

المصدر:

$ العهد القديم والعهد الجديد ومقالات متعددة في الاسافير والاستاذ الباحث القدير عبد المنعم عجب الفيا في مقالات متفرقة..

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.