أم كلثوم والهادي آدم… لقاء النيل بعد 55 عاماً

سهام صالح

صحفية سودانية

في مدينةٍ حملت على كتفيها جراح حربٍ أطفأت مسارح وأغلقت دور عرض وبددت مواسم الفن، تعود أم كلثوم إلى الواجهة من بوابة بورتسودان. لا بوصفها أيقونة طربٍ كلاسيكي فحسب، بل كرمزٍ لذاكرةٍ ثقافية مشتركة بين السودان ومصر، تُستعاد في لحظة انكسار بحثاً عن معنى.

بعد 55 عاماً على غنائها قصيدة “أغداً ألقاك” للشاعر السوداني الهادي آدم، تستعيد المدينة الساحلية صوت “سيدة الغناء العربي” في فعالية ثقافية تحمل أكثر من دلالة: الفن كجسرٍ يعيد وصل ما تقطّعه السياسة والحرب. هنا، لا تبدو الأغنية مجرد عملٍ خالد، بل سؤالاً مفتوحاً عن قدرة الثقافة على النجاة حين يخفت الضوء.

أفادت وكالة السودان للأنباء بتنظيم فعالية ثقافية في بورتسودان ضمن برنامج “السودان حضارة”، لإحياء الذكرى الخامسة والخمسين لغناء قصيدة “أغداً ألقاك” للشاعر السوداني الهادي آدم، التي لحّنها محمد عبد الوهاب، وغنّتها سيدة الطرب في لحظةٍ صنعت تاريخاً مشتركاً بين ضفتي النيل.

الفن حين يتقدّم السياسة

الفعالية التي دعت إليها القنصلية العامة لجمهورية مصر العربية، وأقيمت في النادي العالمي ببورتسودان، حضرها والي البحر الأحمر الفريق الركن مصطفى محمد نور، ومدير الشركة السودانية للموارد المعدنية محمد طاهر عمر، وعدد من السفراء والمثقفين.

السفير المصري لدى السودان هاني صلاح قال إن “أغداً ألقاك” تمثل نموذجاً خالداً للتلاحم الفني والوجداني بين الشعبين، مضيفاً أن القصيدة جسّدت علاقة تتجاوز الرسمي إلى رحاب المحبة والتاريخ المشترك. وكشف عن ترتيبات مع وزارة الثقافة والإعلام والسياحة والآثار لإقامة معرض مصغر للصور يوثّق زيارة أم كلثوم التاريخية إلى الخرطوم ومسيرة العلاقات الفنية بين البلدين.

الخرطوم 1968… حين ارتدت “كوكب الشرق” الثوب السوداني

استعاد الحضور زيارة أم كلثوم إلى الخرطوم عام 1968، عقب حرب يونيو/حزيران 1967، حين أحيت حفلات لدعم المجهود الحربي، وظهرت مرتدية الثوب السوداني في صورةٍ بقيت محفورة في الذاكرة الجمعية للسودانيين والمصريين.

في تلك اللحظة، لم يكن الغناء ترفاً، بل كان فعلاً سياسياً ناعماً، وصوتاً جامعاً لوجدانٍ عربي مثقل بالهزيمة. من هنا اكتسبت “أغداً ألقاك” رمزيتها، بوصفها لقاءً بين شاعرٍ سوداني وصوتٍ مصري، صاغه ملحنٌ جدّد بنية الأغنية العربية في القرن العشرين.

“أغداً ألقاك”… قصيدة عبرت الحدود

قصيدة الهادي آدم، بما فيها من توقٍ وانتظارٍ وحنين، خرجت من سياقها العاطفي لتصبح عنواناً لعلاقة ثقافية ممتدة. وقدّمت الندوة فواصل غنائية أعادت أداء الأغنية وسط تفاعلٍ لافت من الحضور، كما عُرضت أفلام وثائقية تؤرّخ لزيارة أم كلثوم للسودان.

الفن هنا لم يكن استعادة لماضٍ جميل فقط، بل تذكيراً بدور الثقافة في صناعة المعنى المشترك في زمن الانقسام.

أم كلثوم… سيرة صوتٍ لا يغيب

ولدت فاطمة إبراهيم السيد البلتاجي في قرية طماي الزهايرة بمحافظة الدقهلية في مصر عام 1908 (وفق السجلات الرسمية)، ونشأت في بيئة دينية حفظت فيها القرآن وشاركت والدها الإنشاد.

انتقلت إلى القاهرة مطلع العشرينيات، حيث بدأت مسيرتها الاحترافية، وتعاونت مع كبار الملحنين، من بينهم رياض السنباطي وبليغ حمدي، وقدّمت أعمالاً خالدة مثل “أنت عمري”، “الأطلال”، “الحب كله”، و“أغداً ألقاك”.

قدّمت نحو 320 أغنية، وشاركت في ستة أفلام سينمائية بين 1935 و1948، ونالت أوسمة عربية ودولية عدة. توفيت في 3 فبراير/شباط 1975، وشيّعها ملايين في جنازة وُصفت بأنها واحدة من الأكبر في تاريخ مصر الحديث.

بين بورتسودان والخرطوم… الثقافة كذاكرة مقاومة

في بلدٍ يواجه حرباً وانقساماً، تبدو استعادة أم كلثوم والهادي آدم أكثر من احتفاء رمزي؛ إنها محاولة لترميم الذاكرة، وإعادة تعريف المشترك السوداني-المصري بعيداً من ضجيج السياسة.

فـ“أغداً ألقاك” ليست مجرد أغنية، بل سؤالٌ مفتوح: هل يمكن للفن أن يبقى مساحة لقاءٍ حين تضيق المساحات الأخرى؟

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.