من يحكُم جامعة الخرطوم ؟
مصطفى خالد مصطفى يكتب ..
لم يعد هذا السؤال استفزازاً صحفياً ولا تمريناً بلاغياً، بل صار سؤالاً سياسياً مشروعاً بعد وقائع الأيام الماضية في جامعة الخرطوم، التي عكست تخبطًا إداريًا وإعلاميًا جليًا داخل أقدم مؤسسة تعليمية في السودان. ففي يوم الثلاثاء 10 فبراير 2026 ضجّت وسائط التواصل الاجتماعي بمنشور نشرته الصفحة الرسمية للجامعة حول ما سمّته الموجهات العامة للزي والسلوك داخل الحرم الجامعي، وهذا قبل أكثر من شهر من الموعد المعلن لاستئناف الدراسة الفعلية بعد رمضان المقبل. جاء المنشور بلغة تفصيلية في توصيف لباس الطلاب والطالبات وسلوكهم، مما صَوّر للكثيرين كأنّ الجامعة تستعيد فجأة خطاب الوصاية الأخلاقية الذي ارتبط في ذاكرة السودانيين بسنوات سيطرة التيار الإسلامي على الجامعات في تسعينيات القرن الماضي. ولم تمضِ ساعات حتى عادت الصفحة الرسمية نفسها لتحذف المنشور وتنشر بياناً آخر تنفي فيه فرض أي قيود أو محددات، وتؤكد دعمها للحريات الفردية، في تراجع سريعٍ ومُربِك لا يليق بتاريخ الجامعة ولا بثقلها الرمزي.
حاولت الجامعة في منشورها المسحوب أن تضفي على قرارها طابعاً قانونياً باستنادها إلى ما أسمته النظام الأساس رقم (44) لتنظيم سلوك ومحاسبة الطلاب والطالبات، وإلى النصوص الواردة في دليل الطالب واللوائح الأكاديمية والإدارية لسنة 2017 (وهذه السنة مهمة). بيد أن القراءة الدقيقة لهذه النصوص تطرح إشكالاً جوهرياً لا يمكن تجاهله: فالأصل في اللوائح الجامعية هو تنظيم العملية التعليمية وضمان السلامة الأكاديمية واحترام البيئة الجامعية، لا التدخل التفصيلي في المظهر الشخصي والخيارات الفردية للطلاب. النصوص التي جرى تداولها لا تقف عند حدود السلوك داخل القاعات أو حماية النظام العام داخل الحرم الجامعي، بل تتوسع إلى توصيف دقيق للملابس والزينة وتسريحات الشعر والجلوس والعلاقات بين الجنسين، بما يحول اللائحة من أداة تنظيم إداري إلى أداة ضبط أخلاقي. من زاوية قانونية بحتة، فإن هذا النوع من التوسع في التفسير يُعد انحرافاً في استعمال السلطة التنظيمية، لأنه ينقلها من مجالها الطبيعي (إدارة المرفق التعليمي) إلى مجال الوصاية على الحريات الشخصية، وهو ما يتعارض مع روح الجامعة كمؤسسة مدنية ومع المبادئ العامة للحقوق والحريات التي يفترض أن تحكم الفضاء الأكاديمي حتى في ظل اللوائح الداخلية، لكن، ما علينا، هذا ليس ما يهم الآن.
الذي يُهم فعلاً، أعزائي، هو أنّ استدعاء “النظام الأساس” بهذه الصيغة، وفي هذا التوقيت السياسي الحساس، لا يمكن فهمه إجراءً إدارياً محايداً، بل يعد اختياراً أيديولوجياً مقنّعاً بلغة قانونية، يعيد إنتاج منطقٍ قديم عانت منه الجامعات السودانية طويلاً، حين كانت اللوائح تُستخدم لتبرير تدخلات سياسية وأخلاقية لا علاقة لها بجوهر التعليم العالي.
جامعة الخرطوم، التي تعود جذورها إلى كلية غردون التذكارية عام 1902، والتي تحولت إلى جامعة وطنية عام 1956، ليست مجرد مؤسسة تعليمية، بل ذاكرة وطنية وديدَن تصارُعٍ سياسي عنيف. منها خرج قادة الحركة الوطنية، وفي ساحاتها تبلورت معارك الاستقلال الفكري، ولعب طلابها دوراً صميمًا في ثورة أكتوبر 1964 وانتفاضة أبريل عام 1985. وكانت دائماً فضاءً للصراع الفكري الحر بين التيارات المختلفة.
اللافت أن ما حدث في جامعة الخرطوم ليس حالة معزولة أو طارئة، بل يندرج ضمن نماذج مشابهة شهدتها جامعات أخرى قديمة وحديثة عندما ضعفت القيادة المؤسسية وتداخل السياسي بالإداري. ففي جامعة القاهرة مثلاً شهدت سنوات ما بعد 2013 قرارات متناقضة حول النشاط الطلابي واللباس والسلوك، أُعلنت ثم عُدلت تحت ضغط الرأي العام الأكاديمي. وفي جامعة الأزهر، وهي من أقدم جامعات العالم، تكررت محاولات ضبط المظهر والسلوك ثم التراجع عنها بسبب الاحتجاجات والارتباك الداخلي. وحتى في بعض الجامعات الحديثة الخاصة في المنطقة العربية، صدرت قرارات مشابهة تحت لافتة “الانضباط الجامعي”، لكنها تحولت سريعاً إلى أزمات إعلامية كشفت غياب الرؤية وضعف الإدارة.
القاسم المشترك في كل هذه الحالات أن الأزمة لم تكن في الزي ذاته، بل في الطريقة التي تُدار بها المؤسسات التعليمية عندما تُختزل وظيفتها في الرقابة الأخلاقية، وتُهمّش رسالتها الأساسية: التعليم والبحث العلمي والاستقلال الأكاديمي. وهذا ما يجعل ما جرى في جامعة الخرطوم جزءاً من نمط أوسع لأزمة الجامعات حين تفقد بوصلتها وتتحول إلى أدوات صراع أيديولوجي أو “استعراض إداري”.
المهم، القرارات الأخيرة فجّرت انقساماً واضحاً وسط الطلاب وروابطهم بين من رأى فيها ضرورة لـ”ضبط السلوك” ومن اعتبرها عودة صريحة لهيمنة الإسلام السياسي داخل الحرم الجامعي، هذا الانقسام لا يمكن فصله عن السياق السياسي العام لما بعد الحرب، حيث تسعى تيارات مختلفة إلى إعادة التموضع داخل المؤسسات المدنية، وعلى رأسها الجامعات، بوصفها فضاءات رمزية لإعادة إنتاج النفوذ الاجتماعي والثقافي.
لكن السؤال الحقيقي والأجدر بالطرح ليس سؤال الزي ولا سؤال السلوك، بل سؤال الأولويات. ففي ذات الوقت الذي تعاني فيه جامعة الخرطوم من أزمات خطيرة موثقة في الصحف السودانية خلال العامين الماضيين، من بينها قضايا تزوير الشهادات وتأخر استخراجها، وتعطل العملية التعليمية لفترات طويلة بسبب الحرب (وبدون الحرب)، وتراجع ترتيبها بين الجامعات السودانية في التصنيفات الإقليمية والدولية، إضافة إلى أزمات السكن الطلابي والبيئة الأكاديمية الهشة، نجد أن أول ما يُستعجل هو إصدار موجهات تفصيلية حول لباس الطلاب وسلوكهم. يُترك ملف نزاهة الشهادة الأكاديمية، وهو أسوأ ما يمكن أن يمس سمعة الجامعة، ويتم تجاهُل ملف البحث العلمي واستقرار الدراسة، ثم يُفتح “فجأة” ملف الأخلاق وكأنه المعركة الأولى بعد الحرب.
وما يزيد الصورة قتامة أن هذا التخبط ليس جديداً في الخطاب الإعلامي للجامعة. فقد سبقت هذه الواقعة حادثة إعلان الجامعة عن مؤتمر علمي قُدّم للرأي العام بوصفه مؤتمراً لاكتشاف “علاج للإيدز على يد أطباء سودانيين”، ورُسمت آمال واسعة في وسائل التواصل الاجتماعي، وتناقلت بعض المنصات الخبر بلغة احتفالية عن إنجاز طبي غير مسبوق. غير أن الواقع الذي تكشف عند انعقاد المؤتمر كان مختلفاً تماماً، إذ تبيّن أن الأمر لا يتجاوز عقاراً أولياً لا يزال في مرحلة التجارب المعملية، مع احتمال نظري لمعالجة المرض مستقبلاً، وليس اكتشاف علاج نهائي كما جرى الترويج له. مرة أخرى.
النمط واحد؛ منشور يُنشر ثم يُسحب، خبرٌ يُعلن ثم يُصحح، قرار يُصدر ثم يُنفى. وهذا لا يدل فقط على ضعف في إعلام الجامعة، بل على غياب مركز قرار واضح داخل الجامعة، وتعدد الأصوات المتصارعة التي تستخدم المنصات الرسمية لإرسال رسائل متناقضة للرأي العام.
المشكلة إذن ليست في منشور فيسبوك ولا في صيغة بيان، بل في أزمة قيادة. المؤسسات الرصينة لا تدار بهذه الطريقة، ولا تُختبر هيبتها بقرارات تُطلق ثم تُلغى خلال ساعات، ولا تُستبدل مواجهة الأزمات الأكاديمية الثقيلة بالانشغال بقضايا أخلاقية سطحية في لحظة وطنية شديدة الحساسية.
أخيرًا، ما يهم جامعة الخرطوم اليوم، ويهمنا نحن أيضًا، أن الجامعة في حاجة إلى استعادة معناها التاريخي، إلى أن تعالج الملفات الثقيلة وتضبط إعلامها المتخبط، في حاجةٍ لأن تعرف هي نفسها – وتُعَرِّفَنا- من يديرُها، وأن تجد الإجابة لهذا السؤال: من يحكم جامعة الخرطوم اليوم؟ أإدارة أكاديمية ذات رؤية واضحة، أم تيارات سياسية تتنازع القرار، أم فراغ إداري يُدار بالمنشورات ثم بالتراجعات؟ وأؤكِّد، الإجابة على هذا السؤال لا تخص جامعة الخرطوم وحدها، بل تمس مستقبل التعليم العالي في السودان كله، وتمس صورة الجامعة التي كانت يوماً رمزاً للعقل النقدي والحداثة، قبل أن تستحيلَ الآن مثالاً على الارتباك/الانهيار المؤسسي في عهد الأزمات.
