إبراهيم جابر… كويس بس التحتُه كعبين

المحامية والخبيرة القانونية نون كشكوش

في بلادٍ أنهكتها الحرب، لا تأتي المفارقات فرادى.

المثل الشعبي “حاميها حراميها” يتردد في أكثر من بلد عربي، لكنه في السودان يبدو وكأنه توصيف رسمي لمرحلة كاملة.

في مشهد أقرب إلى مسرحية هزلية تعكس حالة التنازع بين مجلس السيادة الانقلابي ومجلس وزراء حكومة “اللا أمل”، كشف إبراهيم جابر عن فساد عقود إيجارات بالدولار. كيف يُعقل في بلدٍ تُغض فيه الدولة الطرف عن تصدير النحاس المنهوب منذ بداية الحرب؟ فقد غضت حكومة بورتسودان الطرف عن تصدير النحاس المنهوب من محطات توليد الكهرباء وكوابل التوصيل لبيوت المواطنين، ليُعاد تصدير المسروقات عبر ميناء بورتسودان على مرأى ومسمع من سلطاتها.

بتاريخ 24 فبراير 2024 أصدرت وزيرة الصناعة المكلفة خطابًا خاطبت فيه رئيس مجلس الوزراء المكلف، وذكرت أن هناك جريمة سببها صادر النحاس يجب وقفها. وبعد مرور ثلاثة أشهر، أصدر رئيس مجلس الوزراء المكلف قرارًا ألغى بموجبه قرار وقف صادر النحاس والحديد والخردة. لكن رغم ذلك ظل النحاس يُصدر بالطريقة نفسها.

وفي الوقت الذي كان فيه ياسر العطا يصف محمد بن زايد بـ“شيطان العرب”، كانت شحنات الذهب تُصدر إلى بن راشد في الإمارة المجاورة.

الفساد مستشرٍ في جميع مؤسسات الدولة بلا حسيب أو رقيب. ويأتي اليوم إبراهيم جابر ليتحدث عن فساد عقود إيجارات بالدولار — لا اعتراضًا على القيمة الباهظة لهذه العقود، بل فقط على مخالفتها للوائح المالية التي تنص على إبرام عقود الدولة بالعملة الوطنية.

الصرف البذخي للوزارات على إيجار المباني في بورتسودان لم يُفتح فيه أي تحقيق.

لا ننسى أن إبراهيم جابر نفسه هو رئيس لجنة الإعمار المجمدة بسبب إحجام الجهاز التنفيذي عن حضور اجتماعاتها. وهنا يتضح الخلاف. لكن السؤال المهم:

من أين تأتي أموال الإعمار؟

في تجارب الدول الخارجة من الحروب، تُنشأ عادة صناديق إعمار مستقلة تُدار بقوانين خاصة، وتخضع لرقابة برلمانية ومراجعة محاسبية دورية، مع شفافية كاملة حول مصادر التمويل وأوجه الصرف، ومشاركة المجتمع المدني والمانحين الدوليين. الهدف من ذلك هو منع تسييس الإعمار وتحويله إلى باب جديد للفساد أو مكافأة الموالين.

أما في الحالة السودانية، فلا توجد أي معلومات معلنة عن مصادر تمويل الإعمار، ولا آليات رقابة واضحة، ولا تقارير دورية للرأي العام — ما يجعل “لجنة الإعمار” أقرب إلى مظلة جديدة لإدارة المال العام بعيدًا عن المساءلة.

من الناحية القانونية، فإن إبرام عقود الدولة بالعملة الأجنبية يُعد مخالفة صريحة لقانون الإجراءات المالية والمحاسبية السوداني، الذي يُلزم الوحدات الحكومية بإجراء معاملاتها بالعملة الوطنية، ما لم يصدر استثناء رسمي من وزارة المالية وفق ضوابط محددة. كما تمثل هذه الممارسات إخلالًا بلوائح الشراء والتعاقد ومبدأ الشفافية والمنافسة العادلة، وتفتح الباب أمام تضخيم الأسعار وغسل الأموال واستغلال النفوذ، وتحميل الخزينة العامة إيجارات بالدولار في ظل الانهيار الاقتصادي والكارثة الإنسانية قد يرقى إلى شبهة تبديد المال العام، وهي جريمة يعاقب عليها القانون الجنائي، وتستوجب فتح تحقيق مستقل يشمل الجهات الموقعة على العقود والوسطاء ومصادر التمويل، مع نشر النتائج للرأي العام.

وفق اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، والسودان طرف فيها، تُلزم الاتفاقية الدول الأطراف بضمان الشفافية في إدارة المال العام والمشتريات الحكومية، وإنشاء آليات رقابة فعالة، كما تُجرم إساءة استعمال الوظيفة، وتبديد الممتلكات العامة، والإثراء بلا سبب.

وعليه، فإن عقود الإيجار بالدولار خارج الأطر القانونية لا تمثل مجرد مخالفة إدارية، بل خرقًا لالتزامات السودان الدولية، وتستوجب مساءلة المسؤولين عنها، واسترداد أي أموال عامة صُرفت بصورة غير مشروعة، وضمان حق المواطنين في الوصول إلى المعلومات المتعلقة بهذه العقود.

الحديث عن فساد عقود إيجارات بالدولار لا يكفي. المطلوب فتح كل ملفات المال العام: الإيجارات، الذهب، النحاس، وصندوق الإعمار، وملف جسر الحلفايا، وشركة إتقان وIBC، وقبل كل ذلك ملفات شراء الأسلحة — لأن ما يجري هو منظومة فساد كاملة، امتدادًا لفساد نظام الثلاثين من يونيو.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.