قادة أفريقيا يجتمعون وسط تحولات إقليمية ودولية متسارعة..في قمتهم الـ39

اديس أبابا ، الغد السوداني  ـ تستضيف العاصمة الإثيوبية أديس أبابا يومي 14 و15 فبراير أعمال القمة الـ39 لرؤساء دول وحكومات الاتحاد الأفريقي، في دورة تعقد وسط تحولات إقليمية ودولية متسارعة، وتحديات مركبة تواجه القارة على المستويات الأمنية والاقتصادية والبيئية.

وتأتي القمة بعد اجتماعات تحضيرية شملت لجنة الممثلين الدائمين والمجلس التنفيذي، تمهيداً لرفع التوصيات إلى القادة لاعتمادها. ويُنتظر أن تشهد الجلسة الافتتاحية تسليم رئاسة الاتحاد للعام الجديد، إلى جانب إقرار جدول الأعمال والبيانات الختامية، فضلاً عن انتخاب أو تثبيت عدد من المناصب داخل هياكل الاتحاد.

 

شعار القمة

 

“ضمان توفر المياه المستدامة وأنظمة الصرف الصحي الآمنة لتحقيق أهداف أجندة 2063”، وهو اختيار يعكس إدراكاً متزايداً لخطورة أزمة المياه في القارة، حيث لا يزال مئات الملايين يفتقرون إلى مياه الشرب النظيفة وخدمات الصرف الصحي الأساسية.

ولا يُنظر إلى هذا الملف باعتباره قضية خدمية فحسب، بل كعنصر أساسي في معادلة الأمن القومي والتنمية. فشحّ المياه وتدهور البنية التحتية ينعكسان على الصحة العامة، والإنتاج الزراعي، والهجرة الداخلية، بل وحتى على النزاعات المحلية المرتبطة بالموارد. ومن المتوقع أن تبحث القمة سبل تعبئة التمويل، وتعزيز الشراكات الدولية، وتوسيع الاستثمار في البنية التحتية المائية، خاصة في المناطق الريفية وشبه الحضرية.

كما سيجري ربط ملف المياه بتداعيات التغير المناخي، حيث تواجه عدة دول أفريقية موجات جفاف متكررة وفيضانات مدمرة، ما يفرض تبني سياسات أكثر مرونة في إدارة الموارد الطبيعية.

 

السلام والأمن… أولوية لا تحتمل التأجيل

ملف النزاعات المسلحة يتصدر بدوره جدول الأعمال، في ظل استمرار الأزمات في السودان ومنطقة الساحل والقرن الأفريقي وأجزاء من شرق الكونغو الديمقراطية. ومن المنتظر أن يناقش القادة سبل دعم جهود الوساطة، وتعزيز آليات الإنذار المبكر، وتفعيل دور مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد.

ويأتي ذلك في وقت تواجه فيه القارة تحديات متزايدة مرتبطة بانتشار الجماعات المسلحة، والانقلابات العسكرية، والتوترات الحدودية، فضلاً عن التدخلات الخارجية. وتسعى القمة إلى إعادة التأكيد على مبدأ “الحلول الأفريقية للمشكلات الأفريقية”، مع الدعوة إلى تنسيق أكبر بين الدول الأعضاء في المجالين الأمني والاستخباراتي.

التكامل الاقتصادي وأزمة الديون

اقتصادياً، تتجه الأنظار إلى تسريع تنفيذ منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية، التي تُعد أحد أهم مشروعات التكامل الاقتصادي في تاريخ القارة. ويأمل القادة في أن تسهم هذه المبادرة في زيادة حجم التجارة البينية، وتقليل الاعتماد على الأسواق الخارجية، وتعزيز سلاسل القيمة الإقليمية.

غير أن هذا الطموح يصطدم بواقع اقتصادي صعب، يتمثل في ارتفاع معدلات التضخم، وتراجع العملات المحلية في عدد من الدول، وتفاقم أعباء الديون السيادية. ومن المتوقع أن تناقش القمة آليات مبتكرة لإعادة هيكلة الديون، وتوسيع الوصول إلى التمويل الميسر، خاصة لمشروعات البنية التحتية والطاقة والتحول الرقمي.

كما سيُطرح ملف الأمن الغذائي بقوة، في ظل تداعيات الحرب في أوكرانيا سابقاً، والتغيرات المناخية، واضطراب سلاسل الإمداد العالمية، ما جعل عدة دول أفريقية تواجه مخاطر نقص الغذاء وارتفاع أسعاره.

إصلاح النظام الدولي وتمثيل أفريقيا

من الملفات الاستراتيجية المطروحة أيضاً مسألة إصلاح المؤسسات الدولية، خاصة مجلس الأمن الدولي، بما يضمن تمثيلاً دائماً وعادلاً للقارة الأفريقية. ويُعد هذا المطلب أحد الثوابت في الخطاب السياسي الأفريقي خلال العقدين الماضيين، وسط شعور متنامٍ بعدم عدالة النظام الدولي الحالي في توزيع النفوذ والتمثيل.

وتتوقع أوساط دبلوماسية أن تُجدّد القمة دعمها لموقف أفريقي موحد في هذا الشأن، مع تكثيف التحركات الدبلوماسية في المحافل الدولية.

أجندة 2063… بين الطموح والواقع

تشكل “أجندة 2063” الإطار الاستراتيجي الجامع لرؤية أفريقيا طويلة المدى، وتسعى القمة إلى تقييم التقدم المحرز في تنفيذ أهدافها، خصوصاً في مجالات البنية التحتية العابرة للحدود، والتكامل الإقليمي، وتمكين الشباب والمرأة، والتحول الصناعي.

غير أن الفجوة بين الطموحات المعلنة والإمكانات المتاحة لا تزال تمثل تحدياً رئيسياً، ما يفرض البحث عن شراكات أكثر فاعلية مع المؤسسات المالية الإقليمية والدولية، وفي مقدمتها البنك الأفريقي للتنمية.

 

رهانات القمة

 

تنعقد القمة الـ39 في لحظة دقيقة من تاريخ القارة، حيث تتقاطع الأزمات المحلية مع التحولات العالمية، من تصاعد التنافس الدولي على أفريقيا إلى اضطراب النظام الاقتصادي العالمي. وبينما ترفع القمة شعارات التنمية المستدامة والأمن المائي والسلام، يبقى التحدي الحقيقي في تحويل القرارات إلى برامج تنفيذية ملموسة.

ويرى مراقبون أن نجاح القمة سيُقاس بقدرتها على تقديم رؤية متكاملة تربط بين الأمن والتنمية والعدالة الاجتماعية، وتضع آليات واضحة للمتابعة والمساءلة، بما يعزز ثقة الشعوب الأفريقية في مؤسساتها القارية.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.