
مشادات في الكونغرس حول ملفات إبستين.. بام بوندي تحت النار والضحايا في قلب المواجهة
واشنطن (وكالات) الغد السوداني- جلسة استماع عاصفة امتدت قرابة خمس ساعات داخل أروقة الكونغرس الأميركي، تحوّلت ملفات جيفري إبستين من قضية جنائية شائكة إلى ساحة صدام سياسي مفتوح، بعد أن وجدت وزيرة العدل الأميركية بام بوندي نفسها في مواجهة مباشرة مع مشرّعين من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، وسط اتهامات متبادلة بالتسييس، وإدارة “غير أخلاقية” لواحدة من أكثر القضايا حساسية في التاريخ القضائي الأميركي الحديث.
الجلسة، التي خُصصت لرقابة اللجنة القضائية في مجلس النواب على أداء وزارة العدل، طغت عليها مشادات كلامية حادة، كان أبرزها السجال مع النائب الجمهوري توماس ماسي (كنتاكي)، الذي وجّه انتقادات قاسية لبوندي، قائلاً إن الوزارة “ارتكبت أسوأ ما يمكن ارتكابه بحق الضحايا”، متسائلاً عن سبب عدم خضوع “رجال نافذين يُشتبه بصلتهم بإساءة إبستين” لتحقيقات جدّية حتى الآن.
ماسي، الذي انفصل عن الخط العام للحزب الجمهوري في الترويج للتشريع الذي أفضى إلى الإفراج عن ملفات إبستين، اتهم وزارة العدل بالتقاعس والتستّر، فيما ردّت بوندي باتهامات مضادة، معتبرة أن تركيز ماسي على الملف سببه ورود اسم الرئيس الأميركي دونالد ترمب في الوثائق، ووصفت موقفه بأنه تعبير عن “متلازمة الهوس بترمب”، ناعتةً إياه بـ“المنافق”.
تعهّد بالتصحيح… وسط ضغط سياسي
في محاولة لاحتواء العاصفة، تعهّدت بوندي بتصحيح أي عمليات حجب “غير سليمة” في وثائق إبستين، مؤكدة أمام اللجنة القضائية أن وزارة العدل ستعيد النظر في كل الأسماء التي حُجبت من دون مبرر قانوني، مقابل ضمان حجب هويات الضحايا التي كُشفت بالخطأ.
وجاء هذا التعهّد بعد ضغط مباشر من النائب الديمقراطي لو كورّيا، الذي طالب بنشر أسماء أي متورطين محتملين في القضية، مع حماية صارمة لبيانات الضحايا، مشدداً على أن “لا مكان لمثل هؤلاء المفترسين في المجتمع”، وأنهم “سيدفعون الثمن”.
بوندي برّرت الأخطاء بضغط الوقت وضخامة الوثائق، قائلة إن الوزارة مُنحت ثلاثين يوماً فقط لمراجعة “ملايين الصفحات”، مؤكدة أن “نسبة الخطأ منخفضة جداً”، لكنها لم تنفِ وجود تجاوزات في عملية الحجب والنشر.
“ترامب في قلب الجلسة”
سرعان ما انزلقت الجلسة من مسارها القضائي إلى مواجهة سياسية مباشرة حول الرئيس الأميركي دونالد ترمب. إذ دافعت بوندي عنه بشراسة، واعتبرت أن الديمقراطيين يواصلون “ملاحقته بلا دليل”، مشيرة إلى محاولتي عزله السابقتين، ومطالبة أعضاء الكونغرس الذين شاركوا في جلسات عزله بتقديم “اعتذار علني” له.
وقالت بوندي إن إدارة باراك أوباما كانت قد نشرت ملايين الصفحات من الوثائق المتعلقة بالقضية، وإن ترمب هو من وقّع القانون الذي أتاح نشرها، معتبرة أنه “الأكثر شفافية في تاريخ البلاد”، ومتهمة الديمقراطيين بازدواجية المعايير لصمتهم عن الملف خلال ولاية وزير العدل السابق ميريك جارلاند.
مواجهة مع الديمقراطيين… وتهديد بالعزل
التوتر تصاعد مع نواب ديمقراطيين طالب بعضهم باستقالة بوندي، ولوّح آخرون بإجراءات لعزلها. النائب خيسوس غارسيا (إلينوي) وجّه إليها سلسلة من الشكاوى الحادة دون طرح أسئلة مباشرة، فيما دخلت في سجال لاذع مع النائبة بيكا بالينت (فيرمونت) حول ما إذا كانت وزارة العدل قد استجوبت مسؤولين في إدارة ترمب بشأن علاقاتهم بإبستين، قبل أن تتهمها بوندي بـ“التضليل”، وترد بالينت بأن “الشعب الأميركي يستحق الحقيقة”.
“الضحايا في القاعة”… وذروة المشهد
بلغت الجلسة ذروتها عندما رفضت بوندي طلب النائبة براميلا جايابال (واشنطن) الالتفات إلى ضحايا إبستين الحاضرين داخل القاعة والاعتذار لهم. جايابال طالبت الضحايا بالوقوف، فاستجابوا جميعاً، ثم دعت وزيرة العدل إلى مواجهتهم وتحمل مسؤولية ما وصفته بـ“الضرر الذي ألحقته وزارة العدل بهم”.
لكن بوندي رفضت، ووصفت المشهد بـ“التمثيل”، وقالت إنها “لن تنزلق إلى مستوى هذه الاستعراضات”، في لحظة أثارت غضباً واسعاً داخل القاعة، واعتُبرت أخلاقياً أكثر لحظات الجلسة حرجاً.
أزمة ثقة مفتوحة
تأتي هذه التطورات بعد أن أصدرت وزارة العدل الدفعة الأخيرة من وثائق إبستين بتنقيحات واسعة، قبل أن يُتاح للمشرعين لاحقاً الاطلاع على النسخ غير المنقّحة، ما فتح الباب أمام تساؤلات جديدة حول معايير الحجب، وحدود الشفافية، واحترام حقوق الضحايا.
وبينما تصرّ بوندي على أن الوزارة تعمل ضمن إطار القانون، يرى منتقدوها أن ما جرى يعكس أزمة ثقة عميقة بين المؤسسة القضائية والرأي العام الأميركي، في قضية لم تعد مجرّد ملف جنائي، بل تحوّلت إلى اختبار سياسي وأخلاقي للدولة الأميركية ومؤسساتها.
