
أغانٍ حزينة وصورة على خلفية سوداء: ماذا يحدث لرئيس طاجكستان إمام علي رحمن؟
(وكالات) الغد السوداني – في طاجكستان، حيث تُدار السياسة من خلف ستائر كثيفة الرقابة، يتحول الغياب إلى حدث، والصمت إلى خبر. منذ أسبوعين، يختفي رئيس البلاد إمام علي رحمن عن المشهد العام، في واقعة غير مسبوقة في جمهورية اعتادت أن تتابع أنشطة رئيسها اليومية عبر إعلام رسمي لا يترك تفصيلة بلا توثيق.
آخر ظهور علني للرئيس البالغ من العمر 73 عاماً يعود إلى 28 يناير (كانون الثاني)، خلال اجتماع مع قادة الأجهزة الأمنية. منذ ذلك اليوم، لا صور، لا نشاطات، لا لقاءات، فقط إشارات غامضة ورسائل مبهمة من السلطة، تحاول تبديد الشكوك من دون تقديم أي تفسير مباشر.
السلطات أعلنت، الأربعاء، أن الرئيس “سيشارك في أنشطة عدة في الأيام المقبلة”، في محاولة لاحتواء القلق الشعبي، رغم أن جدول نشاطاته لا يُنشر مسبقاً في العادة، ما يجعل هذا التصريح أقرب إلى التطمين السياسي منه إلى المعلومة الرسمية.
لكن ما زاد الغموض كثافة، كان المشهد الإعلامي ذاته.
فيديو نُشر على الحسابات الرسمية للرئيس بعنوان: “الأطفال يُخلّدون ذكرى آبائهم إن ربّيناهم جيداً”، فتح باب التأويل على مصراعيه، وطرح تساؤلات علنية حول وضعه الصحي.
ثم جاء المشهد الأكثر رمزية:
القناة الأولى في طاجكستان بدأت بث أغانٍ حزينة، مع صورة للرئيس على خلفية سوداء، كُتب عليها: “رجل سلالة الشمس”، في سياق بصري وإعلامي يُشبه طقوس الحداد السياسي في الأنظمة المغلقة، حيث تتحول الرمزية إلى رسالة غير مباشرة.
طاجكستان، الدولة الجبلية الواقعة على حدود الصين وأفغانستان، يحكمها إمام علي رحمن منذ عام 1992، أي منذ أكثر من ثلاثة عقود، بعد الحرب الأهلية التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفياتي.
يحمل ألقاباً رسمية تعظيمية مثل:
“مؤسس السلام والوحدة الوطنية” و”رئيس الأمة”، وتُنسب إليه إعادة توحيد البلاد بعد الحرب الأهلية (1992–1997)، وإحياء الهوية الثقافية المحلية بعد الحقبة السوفياتية.
لكن في المقابل، تتهمه منظمات حقوقية بإقامة نظام سلطوي صارم، قائم على قمع الصحافة، وتفكيك المعارضة، وتحويل المجال العام إلى فضاء خاضع بالكامل لرقابة الدولة، حيث يكاد الصوت المعارض يكون معدوماً.
سياسياً، لا يقتصر الغموض على شخص الرئيس فقط، بل يمتد إلى مستقبل السلطة في البلاد.
الدستور الطاجيكي ينص بوضوح على أنه في حال عجز الرئيس عن أداء مهامه، أو استقالته، أو وفاته، يتولى ابنه رستم إمام علي – رئيس الجمعية الوطنية – رئاسة البلاد بالوكالة، مع تنظيم انتخابات رئاسية خلال ثلاثة أشهر.
غياب رحمن، إذاً، ليس مجرد حدث صحي محتمل، بل لحظة سياسية حساسة في دولة تقوم شرعيتها على شخص واحد، وتُدار توازناتها عبر مركزية السلطة والوراثة السياسية غير المعلنة.
في بلد اعتاد على الحضور الدائم للرئيس في المشهد العام، يصبح الغياب رسالة، وتتحول الموسيقى الحزينة إلى لغة سياسية، وتصير الخلفية السوداء خبراً، حتى قبل أن يُنطق أي بيان رسمي.
