
فوق مستوى النوم
مصطفى خالد مصطفى يكتب ..
-1-
خمسُ رتائن تضيءُ الساحة الرملية تملؤها ضوءًا برتقاليًّا يقهر حلكة الليل، والليلُ في أوله كان والمجالسُ ما عُقِدَت بعد، والصغار ناموا وخطرفوا، خمسُ رتائنَ كبيرة، مكوّرة وعلى حواملَ نحاسيّة نظيفة، زبيداي وحفصة ترجّلا من ناقتهما وربطاها إلى شجرةٍ عملاقة، لعلها أكبر شجرةٍ في الوجود، شجرةٌ خرافيَّة لا يعرف الناسُ إلى أي جنسٍ من الأشجار تنتمي، قالوا إنها تتغيّر كل جيل؛ فقد شهدها حمّاد ومريم في طفولتهما شجرة نخيل، وألفتها طفولة دينق وجاكلين شجرة باباي، وأكّد موسى وكلتومة أنها حتمًا كانت تبلديَّة، تكثر الحكايات والأساطيرهنا، في أم محجور، ولا يهم إن حدث فعلًا ما يُحكى أم لا.
الرمال الآن ناعمةٌ باردة، سيلٌ من النجوم يزحف ببطئ على قبة السماء مرصِّعًا ثوب الليل. آنَ للسُمّار أن يأتوا، وآن لحفصة أن توقد جمراتها وتقلي بُنّها، وسألَتْ في قلقٍ زوجها زبيداي: ألم يؤذن لنا بعد؟، فقال زبيداي بصوته الأجشّ القديم وهو يفتح عينيه العمشاوين فيصير بصره حديدًا: الآن الآن يا حفصة. ثم وضع إصبعين في فمه وأطلق صفيرًا عاليًا دوّى فضاء الكون، اتقدَ القمر وشعشع كأنه كان ينتظر هذا التصفير، هبّت نسائمُ عليلة رقَّصَتْ أوراق الشجرة وأشعلتْ لهَباتِ حفصة التي ستقلي عليها البُن، جاء من أحد الأزقة المفضية إلى الساحة دينق راكضًا وخلفه جاكلين، وقفز من العدم موسى ورمى عكّازه بعيدًا وتمطى حتى طقطق ظهره فسمعتِ النجوم فرقعتَه، ووراءه ظهرتْ كلتومة، ظهرت كأنما كانت مخفيَّةً بقوةٍ عُلويَّة، أما حمّاد ومريم فخرجا من وراء الشجرة الخرافيَّة راكضين كأنما كانا ينتظران الجميع سلفًا. خمسُ رتائنَ وهَّاجة موزّعة في حلقةٍ دائرية على محيط الساحة، أغرتهم بالانقسام لفريقين، زبيداي، كلتومة وجاكلين معًا، وحمّاد، دينق، ومريم معًا. عجبًا لتجانسهم هذا وهم على تلك الاختلافات الكبيرة، فدينق وجاكلين فَاحِمان كأنهُما امتدادٌ جسمانيٌّ لليل، أما حمّاد ومريم ناصعـان مشرقان كأن الشمس ستطلع من وجهيهما، زبيداي الأعمش وحفصة قصيران نحاسيَّـا البشـرة عليهما مخايلُ دهاءٍ وقسوةٍ بدويّـةٍ مُحببـة، وموسى وكلتومة ضخما الجثّة فضّيـا اللون بحركاتٍ راقصةٍ بتلقائيَّة. رسم حمّاد على الرمل مربعًا كبيرًا وقال لهم: الليلة سيبدأ فريقي بحراسة المربّع، وفريق زبيداي سيكون هو المُطارَد. ثم لعبوا، لعبوا طويلًا كأنهم يكتشفون اللعب لأول مرّة، يكتشفون في اللعبِ اللذّةَ تحديدًا، يعيدون اللعب كلما فرغوا إلا أنّ اللعب يحتفظ برونق الاندهاشِ الأوّل في كل مرة، حفصة لازمَتْ بُنها تحت الشجرة وموسى حمل ربابته كالعادة وجعل يغنّي بصوته الحنون الهامِس، كلاهما لا يحب اللعب، مذ كانا صغيرين. جاكلين كانت غزلانيَّة الحركة، مريم تقفز كأنها بنتُ عشرين، ودينق نمر. قالت جاكلين لدينق: من يراكَ نهارًا تشكو ظهرك لا يعرفك الآن، وقال لها دينق: لا تُكثري القفز يا شمطاء فينكسر حوضك، وظهرت لدينق –في عيون الجميع- صلعةٌ ملساء تَبْرُق مع ضوء الرتائن الراقص، انتبهوا لها كأنها ما كانت موجودة منذ البداية، كما يحدث كل ليلة، وغنّى موسى بربابته:
تـبـش تبـش عجّـور
الصـلعة تـولّع نـور
يا دينق حا تولّع نور
وقال حمّاد: زبيداي الأعمش.. أتريد اللحاق بي أنا؟، فقال زبيداي قبل أن ينطلق كالسّهم:أنا أعمش في الواقع، لكن ليس في أمّ محجور هل نسيت؟، وقالت حفصة وهي تقلّب بنّها الذي بدأ يطقطق: اقفزوا الآن اقفزوا، وستشتكون غدًا من آلام الظهر والمفاصل يا عجائز، حدكم هو الصباح لا تنسوا.
خمسُ رتائن لَأْلاءَة، ينسكبُ نورها على الساحة الرملية ويمنحها مظهرًا جَمريًّا في قلب الليل، والليلُ انقضى رُبعه، وجلس الجميع تحت الشجرة ودارتْ بينهم فناجيل القهوة، وانضمّ لهم موسى صادحًا:
قهوة منك لوحة
يسحر فيها بُنّك
ينصهر فيها الدوا
وقالت مريم في حسرة: لماذا لا تدوم لنا أم محجور؟. فوضعت كلتومة فنجالها على التراب وقالت:اليوم لعبنا كثيرًا.. غدًا لن نقومَ من أسِرّتنا. وقال حماد: أم محجور كل أملنا في هذه الحياة، ننسى فيها أوجاعنا وتزول فيها أمراضنا. وقال دينق: كبرنا كثيرًا يا جماعة. وقال زبيداي بصوته الفخيم:اليوم أرى وجوهكم تجعيدةً تجعيدة وغدًا لا أرى إلا الضوء فقط. وقالوا جميعًا: سبحان الذي رزقنا أم محجور. ثم ثرثروا طويلًا، يتمدد الكلام كلما أوشكوا على السكوت، اجترّوا ذكرياتٍ بعيدة، مُذ كانوا أطفالاً، ثم مراهقين، ثم أزواجًا. مهلًا ألم يكن زبيداي مغرمًا بمريم؟ ألَم يسعَ الأطفال كثيرًا بين حمّاد وكلتومة برسائل الحب والغرام؟، كانت كلمةً في سوق الحي العتيق ألقى بها آدمُ أمام الملأ: كل شخص يتزوّج من قبيلته فقط، ثم كانت حفصة لزبيداي، ودينق لجاكلين، وحمّاد لمريـم، وموسى لكلتومة. أثّر الزمان في أجسادهم لكنّ أرواحهم ما تأثّرتْ، حكوا قصصًا شتّى، ما جرى لخروف جاكلين، والجنِّيـة التي تجسّدت في شكل جَمَلٍ في طريق زبيداي إلى البحر، واللالوبة المسكونة التي خرّت ساجدةً لوالد موسى، والبقرة العجيبـة التي قدمها دينق مهرًا لجاكلين والحمارة السكرانة التي شربت البيرة في عُرس حمّـاد ومريم، و…، مهلًا، لماذا يذكرون الآن تلك القصة بالتحديد، القصة القديمة المؤلمة التي نسفتْ أم محجور من الوجود، قال حمّاد في استياء: الله يجازي من كان السبب. وقبض الرمل في حسرة. وقالت لهم حفصة وهي تلقي مزيدًا من أعواد الصندل الأحمر في المبخر الفخاري: يا جماعة، لماذا الزعل الآن؟ ألسنا في أم محجور؟، فقال زبيداي: الآن فقط.. كله من آدم. فقالت جاكلين: ربما كان آدم يريد الخير لأم محجور. فاستشاط دينق غضبًـا: لكنه قضى عليها وعلينا.. إنه مثل السوس لا يشبع ولا يموت.. قلنا له إننا لا نريد إقامة السّد.. قال إنهم سيعوضوننا وسيدخلون الكهرباء إلى بيوتنا وسنسكن في بيوتٍ أفضل وسيعبّدون طرقنا ويسوونها.. كلام فارغ، أول شيءٍ فعله هو أنه باع حيّنا وفصله من بقيـة الأحيـاء بحجة أنه الأقرب للسد. فقالت مريم: آدم أعماه الشيطان عن أم محجور.. بذمتكم أهناك في الدنيا شيءٌ أجمل من أم محجور؟ فقالوا معًا: لا والله. وقاموا من على الرمل ممتلئين برائحة البُن الفوّاحة، وجعل كلٌّ من جاكلين ومريم وكلتومة يغنين ويصفقن والرجال (عرضوا) و(بشّروا)، وغنّى موسى كالكيروان:
من فريع البان
اليسوح نديان
الله يا سـلام
خمسُ رتائن تجهر الناظر إليها، تملأ الوجود ضوءًا عجيبًا ينسفُ الليل، والليل قد انتصف والحُجّاج ما انتبهوا، يصطفّون خلف بعضهم في صفِّ واحد، تستلقي ظلالهم على الرمل الفضي البارد، يواصلون الغناء والرقص غير آبهين بما كان وما سيكون، صدورهم خفيفة، يوشكون على الطيران، اندحر الخوفُ من قلوبهم، الخوف من الموت، المرض، المجهول، عجز الكبر، الوحشة بين الأولاد والأحفاد. ثم جاعوا وجلسوا على الرمل تحت الشجرة فظهرتْ أمامهم -كما يتجلّى السِّحْر أو تقع المعجـزات- بروشٌ بها ما لذَّ وطاب، قالتْ مريم غير مصدقة: لحم!.. شيّـة ضأن!، وهتفت كلتومة: وتُمنة لبن مقنن، وصاح حمّاد: زجاجة بيرة وقدح مريسـة!، وقال دينق مضطربًا: رغيف يا جماعة رغيف.. بالسمسم والكمّون وقشور القمح!، وقال زبيداي: أم محجور هي الجنّة.. لا يخدعكم أحد بغير ذلك. ومرّر موسى أصابعه الطويلة الرقيقة على أوتار الربابة وضرب على أنغامها ألحان:
أيـَّام زمـان .. كانـت أيـام
لي فيهـا قصّة.. قصّة غرام
وقالت حفصة: كلوا جيِّدًا حتى تعدموا النفَـس.. فغدًا الصباح اللقمة بقدرة قادر.
خمسُ رتائن ينزُّ منها نسيجٌ ضوئيٌّ نُقش على خيوطه تاريخ أم محجور،ألويةٌ ورايات، إحَنٌ وغارات، وأكوامٌ كثيرة من الوثائق والاتفاقيات، و… آدم. أحداثٌ جِسـام غيَّـرتْ كثيرًا في أم محجور تهمسُ بأشجـانٍ قديمـة في أذن الليل والحي العتيق. وصاحبنا موسى أحسّ اقتراب الفجر فاضطرب صوتُه وغيَّـر الأغنية وقال:
في الضواحي وطرف المدايـن
يلا ننظُـر شفـق الصبـاح
فانخطفتْ قلوبهم. قال حمّاد: ستبدأ آلام المفاصل بعد قليل يا الله. وأشارتْ حفصـة بسبابةٍ كالسَّهـم نحو القمر وقالت: بدأ ينطفئ. وسكنت النسائم وأمسكتْ أوراق الشجرة عن الرقص، قالتْ جاكلين وقد غلبها إخفاءُ مخاوفها: سأعودُ الآن وحيـدة في ذلك البيت. وقام موسى يبحث عن عكّازه بعد أن ركن الربابة على جذع الشجرة، بدأ زبيداي يشعر بخفوتٍ في بصره وقال لحفصة: جهّزي الناقة للرحيل، وقالتْ كلتومة: أنا خائفة يا جماعة.. خائفة أن تكون هذه المرة هي الأخيرة!. والتفتوا جميعًا إلى زبيداي وقالوا له: متى نعود لأم محجور؟ فقال زبيداي: ربما غدًا أو بعده أو بعده، هي موجودة وتحيا ما حييت بها الحكاية. ولاح في الأفق خيط الفجر فتدرج لون السماء،أزرقُ مُلْيِل فنيليٌّ فاتح فأحمرُ قانٍ، انطفأت لهبات حفصة، بدأ ظهر مريم يتقوّس، ودينق هوى على الأرض فاقدًا قدرته على المشي من جديد. وبرز قوس الشمس وراء خط الأفق، وانبعثت أشعتها تُبهرِج الدنيا. وتحاضن كلٌّ من جاكلين،حفصة،كلتومة ومريم، وتعانق الرجال مودعين بعضهم، وضربت أشعة الشمس عيني زبيداي فأصبح يرى بياضًا في بياضٍ في بياض.
