
جنوب السودان يقترب من حافة حرب أهلية جديدة مع تصاعد الصراع بين كير ومشار
جوبا، الغد السوداني – يحتدم الصراع على السلطة في جنوب السودان بين الرئيس سلفا كير وخصمه السياسي ونائبه السابق رياك مشار، في وقت تتزايد فيه التحذيرات من انزلاق أحدث دولة في العالم نحو حرب أهلية جديدة، وسط وضع إنساني يوصف بـ”الكارثي” وتدهور أمني متسارع يهدد استقرار البلاد والمنطقة.
وتصاعد التوتر بعد اتهام رياك مشار بالخيانة العظمى وبدء محاكمته في جوبا، فيما تتحدث تقارير ميدانية عن دعوات أطلقها قادة عسكريون حكوميون للتعامل “بحزم” مع ميليشيات المعارضة في الاشتباكات الجارية، بما في ذلك استخدام القوة ضد المدنيين، في مؤشر خطير على احتمالات التصعيد العسكري واسع النطاق.
وقال تيم غلافيون، الباحث في “معهد أرنولد بيرغشتريسر” في فرايبورغ، إن الوضع في جنوب السودان “مروّع حقاً”، مشيراً إلى أن أكثر من ثلاثة أرباع السكان يعيشون أوضاعاً إنسانية بالغة السوء، ويواجهون خطر الجوع والموت، في ظل الفيضانات المتكررة وانهيار الخدمات الأساسية. وأضاف أن البلاد تقف “على حافة حرب أهلية جديدة”.
وتتركز بؤر التوتر حالياً في ولاية جونقلي شرق البلاد، حيث أفادت تقارير بسقوط قتلى وجرحى في اشتباكات عنيفة بين قوات الحكومة وميليشيات المعارضة، فيما أعلنت الأمم المتحدة نزوح نحو 180 ألف شخص من مناطق النزاع.
وفي الوقت نفسه، تتهم الحكومة زعيم المعارضة رياك مشار وعدداً من حلفائه بارتكاب جرائم قتل وجرائم ضد الإنسانية خلال أحداث عنف وقعت في سبتمبر/أيلول 2025، وسط توقعات بمحاكمته قريباً، في خطوة يرى مراقبون أنها قد تدفع البلاد إلى مزيد من الاستقطاب والانقسام.
ويرى محللون في “مجموعة الأزمات الدولية” (ICG) أن التعبئة العسكرية من الجانبين تثير مخاوف جدية من خروج الأوضاع عن السيطرة، وتحول الصراع السياسي إلى نزاع عرقي واسع، تصبح فيه المجتمعات المدنية أهدافاً مباشرة للعنف.
وفي جوبا، تتهم السلطات مشار بالوقوف خلف هجمات نفذتها ميليشيات “الجيش الأبيض” التابعة لعرقية النوير، كان أبرزها الهجوم على قاعدة عسكرية في ناصر شمال شرق البلاد في مارس/آذار 2025، والذي أسفر عن مقتل نحو 250 جندياً وأحد الجنرالات. وعلى إثر ذلك، أُقيل مشار من منصبه كنائب للرئيس، ووُضع قيد الإقامة الجبرية، في وقت تعاني فيه المعارضة من غياب القيادة الفاعلة.
ولا تبدو الحكومة في وضع أفضل، إذ يشير مراقبون إلى حالة ضعف داخلي نتيجة صراعات السلطة وإقصاء كبار المسؤولين، ما أدى إلى شلل فعلي في حكومة الوحدة الوطنية التي تشكلت عام 2020 بين الطرفين المتنافسين.
ورغم وجود بعثة حفظ سلام تابعة للأمم المتحدة تضم قرابة 20 ألف جندي، إلا أن تأثيرها على الأرض يوصف بـ”الضعيف”، في ظل اتساع رقعة النزاع، وتداخل الأدوار الإقليمية، حيث اتهمت تقارير أممية أوغندا المجاورة بالتدخل في النزاع وانتهاك حظر الأسلحة المفروض على جنوب السودان.
ويجمع خبراء على أن الحل الوحيد يكمن في ضغط دولي موحد لإجبار الأطراف المتصارعة على وقف العنف، وتشكيل حكومة انتقالية مدنية قادرة على تنظيم انتخابات حرة وتقديم مساعدات إنسانية عاجلة، محذرين من أن جنوب السودان يقف اليوم عند “منعطف تاريخي خطير” قد يعيد البلاد إلى دوامة الحرب الأهلية الشاملة.
