السودان: قصة بلدٍ جرى خذلانه… وهل من مخرج؟
لم يصل السودان إلى هذه الحرب الكارثية صدفة، ولا يمكن اختزال مأساته في “صراع جنرالين” أو “انفجار مفاجئ للعنف”. فما يعيشه السودانيون اليوم هو حصيلة مسار طويل من الحكم السلطوي الزبائني، أعقبه انتقال ديمقراطي مُجهَض، ثم انقلاب عسكري أعاد إنتاج الفشل في صورة أكثر تدميراً، ممهداً لهذه الحرب كأكبر كارثية وطنية فى تاريخ البلاد. وتُظهر المؤشرات العالمية للحوكمة والديمقراطية – بوضوح لا لبس فيه – أن ما جرى كان يجب أن يكون متوقعاً، وأن الكلفة الإنسانية التي يدفعها الشعب السوداني اليوم هي الثمن المتراكم لعقود من سوء الحكم والخيارات الخاطئة.
فالتاريخ السياسي – وتجارب الدول من حولنا – تعلّمنا أن الانتقال الديمقراطي لا يُحمى بالنوايا الحسنة وحدها، بل بمؤسسات قادرة على فرض القواعد وضبط السلاح وتقديم ضمانات موثوقة للجميع. وفي السودان، لم تتوفر هذه الضمانات. ومع غيابها، دخلت النخب المسلحة في لعبة خطِرة من الشك والخوف: من سيحكم غداً؟ ومن سيُقصى؟ ومن سيحاسَب؟ وفي مثل هذا المناخ، يصبح الانقلاب، بل حتى الحرب الأهلية الإثنية المُدَمِّرة، خياراً “عقلانياً” لبعض الفاعلين.
لمحة عن المؤشرات العالمية للحوكمة والديمقراطية
تقيس مؤشرات الحوكمة العالمية (WGI) الصادرة عن البنك الدولي جودة الحكم وقدرة الدولة، من خلال ستة أبعاد تشمل الصوت والمساءلة، والاستقرار السياسي، وفعالية الحكومة، وجودة الأطر التنظيمية، وسيادة حكم القانون، ومكافحة الفساد. وتُقدَّم نتائجها في صورة ترتيب مئوي عالمي (0–100)، ما يجعلها أداة مهمة لرصد التحولات البنيوية في أداء الدولة، دون أن تُصنّف الأنظمة مباشرة كديمقراطية أو سلطوية.
أما مشروع تنوّع الديمقراطيات (V-Dem) فيقدّم قياساً معمقاً للديمقراطية بوصفها منظومة متعددة الأبعاد، تشمل الديمقراطية الليبرالية والانتخابية، والحريات المدنية، ومستويات الإقصاء السياسي. وتمتاز مؤشراته بقدرتها على التقاط التحولات التدريجية والهشّة، ما يجعلها أداة تحليلية مناسبة للحالات الانتقالية المعقدة.
ويقدّم مؤشر الديمقراطية لمجلة الإيكونوميست (EIU) تصنيفاً سنوياً مبسطاً للدول وفق درجة ديمقراطيتها، على مقياس من 0 إلى 10، ويصنّفها إلى ديمقراطيات كاملة أو معيبة، وأنظمة هجينة أو سلطوية. وتكمن قوته في وضوحه وسهولة تداوله إعلامياً، رغم أنه أقل تفصيلاً من V-Dem، وأقل تركيزاً على قدرات الدولة مقارنة بـ WGI.
السودان ونظرية اندلاع النزاعات: من السلطوية الراسخة إلى الانهيار الشامل
عبر جميع المؤشرات العالمية الرئيسة للحوكمة والديمقراطية، بما فيها تلك التى استعرضناها أعلاه، تكشف المسيرة الحديثة للسودان عن تسلسل بالغ الضرر من التوازنات السياسية، كان أثره التراكمي مدمِّراً لقدرة الدولة، وللتماسك الاجتماعي، وللرفاه الإنساني. فخلال الحقبة الطويلة من الحكم السلطوي الزبائني (1990-2019)، ظلّ السودان مصنَّفاً باستمرار ضمن أسوأ البلدان أداءً عالمياً في مجالات الصوت والمساءلة، وسيادة حكم القانون، وفعالية الحكومة، بما يعكس نظاماً قائماً على استخراج وسوء توزيع الريع النفطى والمعدنى، والقسر، والإقصاء المنهجي لشرائح واسعة من المجتمع على أسس هوياتية وأيدلوجية. وقد أثبت هذا التوازن قدرته على الاستمرار، لكنه كان باهظ الكلفة: إذ كبح المنافسة السياسية العلنية، ورسّخ التهميش الإقليمي، وطَبَّع العنف واسع النطاق ضد المدنيين، وأفرغ مؤسسات الدولة من مضمونها، تاركاً الملايين عرضةً للفقر، والنزوح، وانعدام الأمن المزمن.
وقد أطاحت ثورة ديسمبر 2018 بهذا التوازن – ولو مؤقتاً – من خلال توسيع الشمول السياسي والفضاء المدني، كما يَظهر في تحسّن الحريات المدنية والصوت السياسي وفقاً لهذه المؤشرات. غير أنّ نظرية اندلاع النزاعات تُحذِّر من أن التحرير السياسي في غياب ضمانات مؤسسية موثوقة – ولا سيما سيادة القانون الفعّالة ووحدة السيطرة على أدوات العنف – قد يرفع مخاطر النزاع واسع النطاق. وتؤكّد مؤشرات الحوكمة خلال المرحلة الانتقالية في السودان هذا التشخيص؛ فبينما تحسّنت الحريات، ظلّت سيادة القانون وفعالية الدولة، لا سيما في ما يتعلّق بإعادة هيكلة المؤسسات العسكرية-الأمنية وتفكيك التمكين الزبائني للدولة العميقة المرتبطة بنظام الإنقاذ، محدودة للغاية، وذلك كنتيجة مباشرة لطبيعة الشراكة السيادية مع مؤسسة عسكرية-أمنية غارقة حتى أخمص قدميها في مشروع الدولة العميقة. وقد عمّق هذا الاختلال مشكلات الالتزام بصورة حادّة؛ إذ راهنت ما يُسمّى بحركات الكفاح المسلح على التحالف مع المؤسسة العسكرية-الأمنية والحركة الإسلاموية، فكان لديها حافزاً قوياً للانشقاق عن الصفقة الانتقالية بدلاً من المخاطرة بالتهميش في نظامٍ مدنيٍّ قادم.
ويُمثّل انقلاب أكتوبر 2021 ارتداداً سلطوياً كلاسيكياً كما تتنبأ به نماذج صراع النخب في ظل ضعف المؤسسية. فمن خلال تفكيك التعاقد الانتقالي واستعادة الهيمنة العسكرية الصريحة، خفّض الانقلاب مؤقتاً عدم اليقين حول السيطرة السياسية، لكنه زاد جذرياً من تفتّت النخب داخل الجهاز القسري ذاته. وتسجّل مؤشرات الحوكمة انهياراً سريعاً في المساءلة والحريات المدنية، لكن الأهم لديناميات النزاع أنّ الانقلاب أزال أي آليات التزام موثوقة متبقية بين النخب المسلحة المتنافسة. ومع غياب الرقابة المدنية وتزايد التنازع على ترتيبات تقاسم الريع، أصبح المجال العسكري الساحة الرئيسة للتنافس السياسي.
ويُشكّل اندلاع الحرب الشاملة في 2023 المرحلة الأخيرة من هذا التسلسل: تحوّل التنافس النخبوي إلى صراع مسلح مفتوح في ظل انهيار الدولة. فتنحدر مؤشرات الحوكمة إلى أدنى المستويات عالمياً، بما يلتقط تفكك سلطة الدولة واختفاء آليات الإنفاذ القادرة على كبح العنف. وتتنبأ نظرية اندلاع النزاعات تحديداً بمثل هذه النتيجة عندما تتقاطع مشكلات الالتزام بين نخب متفتّتة مع إقصاء سياسي واسع وتآكل السيطرة المركزية على القوة. وفي السودان، تحوّل العنف من القمع إلى الافتراس، وأصبح المدنيون أهدافاً استراتيجية في التنافس الإقليمي والاقتصادي. ولم تكن الكارثة الإنسانية اللاحقة – من نزوح جماعي ومخاطر مجاعة وانهيار للخدمات الأساسية – نتيجةً عرضية للحرب، بل ثمرة مباشرة لاقتصاد سياسي جمع بين تآكل مؤسسي طويل الأمد بفعل الحكم الزبائني، وانتقالٍ سطحي، وتفتّتٍ قسري أحدثه الانقلاب، بما جعل النزاع واسع النطاق خياراً عقلانياً للنخب ومُدمِّراً للمجتمع.
مسارات مقارنة إلى الحرب الأهلية: السودان، ليبيا، اليمن، وإثيوبيا
يضع هذا القسم انحدار السودان إلى الحرب الأهلية واسعة النطاق ضمن إطار مقارن أوسع مستمد من نظرية اندلاع النزاعات. فعبر الحالات الأربع، لا تنشأ الحرب الأهلية لمجرد الفقر أو التنوع الإثني، بل نتيجة تفاعل مشكلات الالتزام بين النخب، وتفتّت السلطة القسرية، والإقصاء السياسي في ظل مؤسسات ضعيفة أو منهارة. ويكمن الاختلاف في كيفية تَشكُّل هذه الآليات وتسلسلها. كما أشرنا أعلاه، مثّل السودان حالةً نموذجية لانتقالٍ مُجهَض أعقبه تفتّت قسري؛ إذ حافظ نظامٌ سلطويٌّ زبائني لعقود على توازنٍ عنيف قائم على القمع وتوزيع الريع. ورغم أن انتقال 2019-2021 وسّع الشمول السياسي والفضاء المدني، فإنه أخفق في ترسيخ سيادة القانون ووحدة القطاع الأمني، ما فاقم مشكلات الالتزام ودفع نخباً مسلحة إلى الانشقاق. ثم جاء انقلاب 2021 ليحطّم التعاقد المدني-العسكري، وتُتمّ حرب 2023 هذا المسار بانهيار الدولة واستهدافٍ واسع للمدنيين.
وتُجسّد ليبيا مسار الانهيار السلطوي من دون قيام احتكار بديل للعنف. فسقوط النظام فكّك القسر المركزي، لكنه لم يُنتج سلطة قادرة على إنفاذ الصفقات السياسية. وتعكس مؤشرات الحوكمة تفتّتاً مزمناً لا قمعاً بسيطاً. وتُبرز نظرية اندلاع النزاعات هنا مشكلة الالتزام متعدّدة الأطراف: إذ تدخل المليشيات والفصائل السياسية في اتفاقات وتنسحب منها مراراً لغياب ضامن موثوق للامتثال. ومن ثمّ يصبح العنف دورياً ومتكرراً -أقرب إلى فشل مزمن في التفاوض تحت تعددية مليشياوية ودعم خارجي، لا إلى صراعٍ حاسم.
أما اليمن فيسلك مساراً قريباً لكن أكثر تشابكاً خارجياً، يتمثّل في انتقالٍ تفاوضي تحت سيادة مجزأة. فقد زاد الانفتاح السياسي من عدم اليقين حول توزيع السلطة مستقبلاً، في وقت تآكلت فيه قدرة الدولة والسيطرة الإقليمية. وتضاعفت مشكلات الالتزام بوجود فاعلين مسلحين متعددين وتدخلات إقليمية رفعت عوائد الانشقاق وأضعفت التسويات التفاوضية. والنتيجة صراع طويل الأمد عالي الكثافة، تتفاعل فيه الإقصائية وضعف الإنفاذ والتدويل لتغذية العنف.
وتُعدّ إثيوبيا حالة حدّية مهمّة. فعلى خلاف السودان وليبيا واليمن، دخلت إثيوبيا نزاعها الأخير بقدرة دولية أعلى نسبياً واحتكارٍ أقوى للقوة. ومع ذلك، تتنبأ نظرية اندلاع النزاعات بأنه حين يتصدّع الائتلاف الحاكم وتنهار آليات الالتزام بين المركز وفاعل إقليمي قوي، يمكن حتى للدول القادرة أن تنزلق إلى حرب أهلية مدمّرة. وفي الحالة الإثيوبية، لم تمنع القدرة القسرية القائمة اندلاع الحرب، بل ضاعفت شدتها بعد فشل المساومات السياسية.
الخلاصة المقارنة :عبر هذه الحالات، ترتفع مخاطر الحرب الأهلية بحدّة عندما يقع الانفتاح السياسي أو الصدمات السلطوية في غياب مؤسسات إنفاذ موثوقة، وعندما تخشى النخب المسلحة الإقصاء من تسويات مستقبلية، وعندما تتفتّت أو تتنازع السلطة القسرية. وتكمن مأساة السودان في تلاقي الآليات الثلاث معاً: تآكل مؤسسي طويل الأمد بفعل الحكم الزبائني، وانتقالٌ سطحي وسّع الشمول من دون بناءٍ موازٍ للدولة، وانقلابٌ حوّل هشاشة السلطوية إلى انهيارٍ كارثي للدولة.
خاتمة: التحدي الوجودي وفرصة المشروع الوطني
يقف السودان اليوم عند مفترق تاريخي بالغ الخطورة؛ فإما أن تنزلق البلاد نهائياً إلى مصير الدولة المنهارة، أو أن تُلتقط هذه المأساة بوصفها لحظة وعي قصوى تفرض إعادة بناء المشروع الوطني من جذوره. فالحرب الدائرة ليست مجرد صراع على السلطة، بل اختبار وجودي لوحدة البلاد، وقدرتها على تحويل تنوعها الهوياتي والاقتصادي من مصدر صراع إلى رافعة للنهضة، ومن وقود للحرب إلى أساس للسلام المستدام.
إن الخروج من هذا النفق المظلم لا يمكن أن يتم عبر تسويات فوقية أو صفقات نخب محدودة، بل يتطلب توافقاً وطنياً واسعاً حول مشروع دولة ديمقراطية اجتماعية، تُدار بالتعددية السياسية، وتُبنى على اقتصاد حديث متوازن يقوم على التكامل بين الزراعة والصناعة والخدمات، ويُحسن توظيف الريع الاقتصادي – سواء كان ريع الأرض أو الموارد أو الموقع – في الاستثمار المنتج لا في إعادة إنتاج الزبائنية والفساد. كما يستلزم هذا المشروع إرساء نظام حماية اجتماعية متين يضع الإنسان، لا السلاح، في قلب معادلة الأمن، ويكسر الحلقة التاريخية بين الفقر والتهميش والعنف.
وفي صميم هذا المشروع الوطني، تبرز الحاجة الملحّة إلى عقدٍ اجتماعيٍّ جديد تتوافق عليه القوى الوطنية الديمقراطية، ينظّم اجتهاداتها ويؤطّر خلافاتها بصورة بنّاءة وسلمية، ويحول دون انزلاق التنوّع الفكري والسياسي إلى صراعٍ صفريّ أو احترابٍ أهلي. عقدٌ يعترف بالتعدّد، ويؤمن بالتنافس، ويحتكم إلى الديمقراطية التعددية بوصفها الآلية الوحيدة المشروعة لإدارة الاختلاف. وفي هذا السياق، لا يستقيم مشروعٌ وطنيٌّ جامع على قاعدة الإقصاء، بما في ذلك إقصاء أصحاب المشروع الإسلامي الحقيقي، شريطة قبولهم الصريح وغير الملتبس بالديمقراطية التعددية، وبمشروع الدولة المدنية التي ينتفي فيها التوظيف السياسي للدين أو الهوية، وتُصان فيها حرية الاعتقاد، وتُحترم فيها المواطنة المتساوية، ويعلو فيها حكم القانون على أي مرجعية حزبية أو أيديولوجية، بما في ذلك إخضاع من أشعلوا هذه الحرب وارتكبوا فيها الموبقات بحق هذا الشعب المظلوم للمساءلة والمحاسبة العادلة.
إن درس السودان القاسي – كما تكشفه المؤشرات العالمية وتجارب العقود الماضية – هو أن السلطوية، مهما طال أمدها، لا تنتج استقراراً دائماً، وأن الانتقال الديمقراطي دون بناء الدولة يظل هشّاً، وأن الانقلابات لا “تُنقذ” الدول بل تدفعها نحو الفوضى. أما الدرس الأهم، فهو أن الخلاص لا يأتي إلا من مشروع وطني جامع، يُعيد تعريف السلطة باعتبارها خدمة عامة، ويُعيد تعريف التنوع باعتباره ثروة وطنية، ويُعيد الاعتبار للدولة باعتبارها أداة للعدالة والتنمية والسلام.
