من حكم الأقلية إلى هندسة الحرب الأهلية: سوريا والسودان في مرآة الاقتصاد السياسي الريعى والانقسام المجتمعي للربيع العربي
رغم اختلاف السياقات التاريخية والبُنى الاجتماعية، يشترك نظام البعث العلوى البائد فى سوريا ونظام الجبهة الإسلاموية البائد في السودان في خصائص بنيوية عميقة تفسّر لماذا تحوّلت الانتفاضات الشعبية في البلدين إلى حربين أهليتين تُعدّان من الأكثر الحروب دموية ودماراً في التاريخ العربي الحديث، بينما عجز نظاما حسني مبارك وزين العابدين بن علي عن سلوك المسار ذاته. فالعامل الحاسم لا يكمن في “الربيع العربي” فى حد ذاته، بل في تفاعلٍ مركّب بين حكم الأقلية، والإقصاء السياسي، وتوفر موارد ريعية، ووجود انقسامات مجتمعية هويّاتية وأيديولوجية قابلة للتسييس والعسكرة.
حكم الأقلية والإقصاء السياسي: كلفة التحول الديمقراطي
يمثّل نظاما البعث السوري والإنقاذ السوداني نموذجاً كلاسيكياً للسلطوية الإقصائية القائمة على حكم أقلية مذهبية أو أيديولوجية. ففي سوريا، تشكّل عبر عقود تحالف أمني-عسكري ضيق القاعدة، ارتبط عضوياً ببنية الدولة العميقة، وجعل من بقاء النظام مسألة وجودية بالنسبة لقاعدته الاجتماعية الصغيرة، المتمثلة أساساً فى الطائفة العلوية.
وفي السودان، احتكرت الجبهة الإسلاموية الدولة عبر مشروع “التمكين”، وأقصت غالبية القوى السياسية والمجتمعية، بل وفتّتت الفضاء الوطني نفسه من خلال إعادة تعريف الانتماء السياسي على أسس أيديولوجية ودينية. ولكن سرعان ما تهاوى مشروعها الفكري والسياسي إلى مستوى الزبائنية، المرتكزة على ثلاثي “القبضة الأمنية، والسوق، والعصبية الإثنية-الجهوية”. فقد كان المشروع في مراحله الأولى، كما تجلّى في منهجه الاقتصادي لتعبئة الموارد وتخصيصها، مشروع تمكين ومحسوبية مؤسسية لصالح الحركة صاحبة الأمر خلال العشرية الأولى من الحكم. ثم انحدر هذا المشروع، إثر فقدان النظام بوصلته الأيديولوجية، إلى مستوى الجغرافيا، حيث تسيدت الزبائنية الجهوية والقبلية، وتحالفات كيانات ممارسة العنف المنظم، وأصبحت لها الكلمة الفصل في تعبئة الموارد وتخصيصها داخل الاقتصاد. ويُعبِّر عن هذا المسار توصيفٌ بالغ الدقة صكّه الأكاديمي والأستاذ السابق بجامعة الخرطوم الدكتور صلاح الزين، حين وصف الحالة بـ”انحطاط التاريخ إلى مستوى الجغرافيا”، في إشارة إلى تغوّل الجهوية-القبلية في السياسة السودانية، والتي تُعدّ من أخطر موبقات ذلك النظام.
في الحالتين السورية والسودانية، جعل هذا النمط من الحكم كلفة أي انتقال ديمقراطي حقيقي مرتفعة للغاية بالنسبة للنخب الحاكمة. فالتحول لا يعني فقدان السلطة فحسب، بل يهدد البنية الكاملة التي لا تحمي أمن هذه النخب فحسب، بل تصون أيضاً مصالحها الزبائنية المتولدة عن منظومة حكم كليبتوقراطية أخطبوطية قائمة على الفساد المؤسسي، وهو ما خلق حافزاً بنيوياً لتفضيل العنف على التسوية.
الانقسام المجتمعي كشرط لهندسة الحرب
غير أن حكم الأقلية وحده لا يكفي لتفسير الانزلاق إلى الحرب الأهلية. العامل الفارق يتمثل في طبيعة الانقسام المجتمعي نفسه. ففي سوريا والسودان، لم تكن الانقسامات مجرد تنوع اجتماعي، بل انقسامات مُسيَّسة ومؤدلجة تاريخياً، أعادت الأنظمة إنتاجها وتغذيتها بوصفها أدوات للسيطرة. ففي سوريا، تداخل البعد المذهبي مع البنية الأمنية للنظام، ما أتاح له إعادة تأطير الانتفاضة الشعبية منذ لحظاتها الأولى كتهديد وجودي للأقليات، وليس كمطلب ديمقراطي جامع. وبذلك، تحوّلت الهوية إلى مورد سياسي يُعبَّأ به الخوف، ويُستدعى عبره العنف الوقائي واسع النطاق.
أما في السودان، فقد راكم نظام الإنقاذ انقسامات حزبية “مصنوعة”، وجهوية، وإثنية، عبر سياسات ممنهجة هدفت إلى تفكيك الفضاء الوطني الجامع لتعزيز قبضته على السلطة. فقد سعى النظام، على سبيل المثال، إلى تقسيم البلاد إدارياً إلى ولايات صغيرة، واستخدم هذا التقسيم أداةً لبناء قاعدته الشعبية على أساس الزبائنية السياسية بين مركز السلطة في الخرطوم والنخب القبلية في تلك الولايات فى إطار مشروعه لتدمير القواعد الاجتماعية للأحزاب التاريخية العابرة للقبائل والكيانات الإثنية. ونتيجةً لذلك، تحولت العديد من الولايات إلى بؤر للاستقطاب والصراعات القبلية في سياق التنافس على النفوذ والريع المترتب عليه. ووفقاً لدراسة نشرها موقع الجزيرة نت عام 2022، شهدت عدة ولايات سودانية نزاعات بين القبائل والكيانات الإثنية في هذا الإطار(1).
وعندما اندلعت الثورة، كانت هذه الانقسامات جاهزة للتوظيف كأدوات للفرز والعسكرة، ما سهّل إعادة صياغة الصراع من مواجهة بين شعب وسلطة إلى صراع بين مجتمعات. وقد جرى بالفعل توظيف هذه الأدوات ضد حكومة الثورة الانتقالية، كما حدث في ولايات البحر الأحمر وغرب كردفان والنيل الأزرق وشرق دارفور، على سبيل المثال لا الحصر. أما في سياق الحرب الراهنة، فقد تحوّل الصراع من مواجهة عسكرية فصائلية إلى حرب إثنية-جهوية واسعة النطاق، كما نشهد اليوم للأسف الشديد. إذ أصبح استثارة و”تسليح” الغرائز الإثنية والجهوية البدائية وسيلة فعَّالة لتسهيل عمليات التحشيد والتجنيد داخل مجتمع يعاني من تشرذم واستقطاب عمودي، تفاقم خلال سنوات حكم الإنقاذ الفاشي، ثم ازداد توحشاً وتطرفاً مع اندلاع هذه الحرب.
وبهذا المعنى، لم تكن الحرب نتيجة “انفلات” غير مقصود، بل خياراً أصبح ممكناً لأن البنية الاجتماعية نفسها كانت قد أُعيد تشكيلها على نحو يجعلها قابلة للتشظي العنيف.
لماذا لم تنجح هندسة الحرب في مصر وتونس؟
على النقيض من حالتى السودان وسوريا، ورغم الاستقطاب السياسي الحاد بعد 2011، لم يتوفر لنظامى حسنى مبارك فى مصر وبن على فى تونس مثل هذا النوع من الانقسام الهويّاتي البنيوي القابل للتحول إلى حرب أهلية شاملة. ففي مصر، ظل الصراع – مهما بلغ من حدّة – سياسياً-أيديولوجياً داخل إطار دولة ذات نسيج اجتماعي متجانس نسبياً، ولم تستطع السلطة إعادة تعريفه كصراع وجودي بين جماعات اجتماعية متمايزة. وخاصة فى تونس، لعب التجانس المجتمعي العميق، إلى جانب دور النخب المدنية والنقابية، دوراً حاسماً في منع تطييف أو عسكرة الصراع.
وبلغة الاقتصاد السياسي، لم تتوفر في مصر وتونس الشروط الاجتماعية التي تُخفِّض كلفة العنف المنظم وتجعله خياراً قابلاً للتسويق الجماهيري. لذلك، لجأت النُخَب المضادة للثورة إلى الاستبداد “الناعم” نسبياً لا إلى الحرب الأهلية.
الريع وتمويل العنف: شرط مساعد لا بديل عنه
يتكامل هذا التحليل مع دور الموارد الريعية. ففي سوريا والسودان ذات المجتمعات المنقسمة هويّاتياً، وفّرت مستويات متوسطة من الريع – نفطية أو معدنية، أو عبر شبكات الفساد والتحالفات الخارجية – القدرة على تمويل الأجهزة الأمنية والميليشيات، من دون أن تكون كافية لشراء سلم اجتماعي شامل. ويُعدّ هذا المستوى “الوسيط” من الريع الأخطر سياسياً، إذ يمكِّن النخب الشمولية من تمويل أجهزة القمع، وكذلك من إشعال الحروب في مواجهة الثورات الشعبية، من غير أن يتيح لها في الوقت ذاته تحقيق الاستيعاب السياسي عبر تمويل المصالح العامة من سلع وخدمات، أو تقديم الحد الأدنى من الحماية الاجتماعية.
في المقابل، تضافر في مصر وتونس عاملا التجانس المجتمعي ومحدودية الريع قياساً بعدد السكان في تعميق تحديات تأمين مصالح عامة وحماية اجتماعية واسعة النطاق، وبالتالي في إعاقة تقديم “شمولية تنموية” مقنعة بوصفها بديلاً عن الانتقال الديمقراطي الكامل. وعليه، ما لم تتحقق إنجازات اقتصادية-اجتماعية عميقة، سيبقى الأفق السياسي في هذين البلدين مفتوحاً على قدر كبير من السيولة، في حين تظل احتمالات الانزلاق إلى حروب أهلية شبه مستحيلة في هذين المجتمعين اللذين يتسمان بقدر عالٍ من الانسجام الهويّاتي.
خلاصة: الحرب كخيارٍ عقلانيٍّ للنخب الإقصائية، والسلام كتحوّلٍ بنيويٍّ واعٍ للقوى الديمقراطية
عند تقاطع حكم الأقلية، والإقصاء السياسي الواسع، والانقسام المجتمعي القابل للعسكرة، وتوافر الريع الكافي لتمويل العنف، تصبح الحرب الأهلية خياراً “عقلانياً” من منظور النخب الإقصائية الحاكمة، وإن كان كارثياً على المجتمع والدولة. فالحرب تُعيد تشكيل طبيعة الصراع، وتفكك التحالفات الثورية، وتُبرِّر عسكرة السياسة، وتُعيد إنتاج النظام بوصفه طرفاً لا غنى عنه في مواجهة الفوضى. وفي هذا السياق، أدّت حرب السودان إلى زرع الشقاق وتعميق الانقسامات بين مختلف مكوّنات الشعب السوداني، وفي مجاله السكاني والجغرافي على حدٍ السواء.
تُظهر المقارنة بين سوريا والسودان من جهة، ومصر وتونس من جهة أخرى، أن القدرة على هندسة الحرب ليست مسألة إرادة سياسية فحسب، بل نتاج بنية سلطوية-مجتمعية محددة. فالأنظمة التي حكمت عبر الإقصاء، ونجحت في تسييس الهويات والانقسامات، وتمتعت بموارد كافية لتمويل العنف، استطاعت تحويل الانتفاضات إلى حروب أهلية. أما حيث غابت هذه الشروط، فقد تعثّر التحول الديمقراطي، لكنه لم ينزلق إلى الدمار الشامل.
ومن ثم، فإن أي مشروع جاد لإنهاء الحرب أو منع تكرارها فى بلاد مثل السودان لا يمكن أن يقتصر على ترتيبات سياسية سطحية، بل يتطلب تحولاً بنيوياً واعياً ينقل البلاد من منطق “هندسة الحرب” إلى مشروع متكامل لـ”هندسة السلام”، يستهدف تفكيك بنية الإقصاء، وتجفيف الريع السياسي، وإعادة بناء المجال الوطني الجامع بوصفه شرطاً للسلام المستدام. وهذا يضع مسؤولية تاريخية مباشرة على عاتق القوى السودانية المدنية الديمقراطية، السياسية والاجتماعية. على هذه القوى التداعي العاجل نحو مؤتمر قومي جامع للسلام – أو مؤتمر دستوري أو وطني تأسيسي، أيّاً كانت تسميته – يخرج بتوافق عريض حول ميثاق وطني واضح المعالم، لا يكتفي بالشعارات، بل يتضمن هياكل وأدوات تنفيذية ملزمة. إذا تم ذلك يمكن الضغط الفعال لتفعيل مبادرة الرباعية ووضعها تحت سقف مشروع وطنى يحظى بتأييد الشعب السودانى واحترام المجتمع الدولى والأقليمى.
ومن ثمّ، فإن أي مشروع جاد لإنهاء الحرب أو منع تكرارها في بلدٍ مثل السودان لا يمكن أن يقتصر على ترتيبات سياسية سطحية، بل يتطلب تحوّلاً بنيوياً واعياً ينقل البلاد من منطق “هندسة الحرب” إلى مشروع متكامل لـ”هندسة السلام”، يستهدف تفكيك بنية الإقصاء، وتجفيف الريع السياسي، وإعادة بناء المجال الوطني الجامع بوصفه شرطاً للسلام المستدام.
ويضع هذا التحوّل مسؤولية تاريخية مباشرة على عاتق القوى السودانية المدنية الديمقراطية، السياسية منها والاجتماعية، بما يستوجب تداعيها العاجل نحو مؤتمر قومي جامع للسلام – أو مؤتمر دستوري أو وطني تأسيسي، أيّاً كانت تسميته – يُفضي إلى توافق عريض حول ميثاق وطني واضح المعالم، لا يكتفي بالشعارات، بل يتضمن هياكل وأدوات تنفيذية ملزمة. وإذا ما تحقق ذلك، يصبح ممكناً الضغط بفعالية لتفعيل مبادرة الرباعية ووضعها تحت سقف مشروع وطني(2) يحظى بتأييد الشعب السوداني واحترام المجتمعين الدولي والإقليمي.
وفي القلب من هذا المشروع يبرز تحديان حاسمان: إعادة توظيف الريع من مورد للعنف والزبائنية إلى رافعة لتنويع قاعدة الاقتصاد والمصالح العامة والحماية الاجتماعية الشاملة، وإدارة التنوع الهويّاتي لا بوصفه تهديداً وجودياً، بل كمصدر ثراء وطني ضمن عقد اجتماعي جامع. من دون هذا التحول المزدوج، ستظل احتمالات تجدد الحروب والانتفاضات قائمة، حتى بعد أن تضع هذه الحرب أوزارها.
إن الخروج من المأزق التاريخي الراهن لا يتطلب شجاعة أخلاقية فحسب، بل رؤية سياسية واقتصادية متماسكة، وإرادة جماعية قادرة على تحويل تضحيات السودانيين، وفي مقدمتهم شباب ثورة ديسمبر، إلى سلام مستدام وانتقال ديمقراطي حقيقي – ولو بعد حين.
