ضبط بوصلة الحركة النسوية مدخل لهندسة السلام المستدام في السودان

محمد الأمين عبد النبي يكتب ..

مقدمة:

نضال المرأة السودانية نهرٌ متدفق من الجسارة والصمود، يمتد من القرن التاسع عشر حتى حرب أبريل 2023م؛ تلك الحرب التي فجّرت واحدة من أعنف المآسي الإنسانية في تاريخ السودان الحديث، ووُصفت بحق بأنها “حرب على أجساد النساء”. ففي سياق صراعٍ اتخذ من العنف الممنهج أداةً للهيمنة وكسر الإرادة الوطنية، تعرّضت السودانيات لمنظومة متكاملة من الانتهاكات، استُخدمت فيها حيواتهن كسلاحٍ للإذلال. وبين حصارٍ خانقٍ انعدمت فيه الرعاية الصحية والأمن الغذائي، واجتياحات وحشية شملت النهب والاختطاف والعنف الجنسي والاغتصاب الجماعي، وجدت النساء أنفسهن في مواجهة مباشرة مع الموت، والاختفاء القسري، والنزوح في ظروفٍ بالغة القسوة، عطفًا على تدمير سبل العيش والمقدرات الاقتصادية، والإقصاء المتعمّد للنساء. وقد أفرز هذا الواقع المأساوي انتشاراً واسعاً للصدمات النفسية العميقة، ليغدو بقاء المرأة السودانية، في ظل الانهيار الشامل لمؤسسات الدولة، فعلًا يوميًا من أفعال المقاومة.
وفي خضم هذا الانهيار الكارثي، تعيد الحركة النسوية صياغة وجودها، بوصفها ضحية الحرب الأولى، وباعتبارها قوةً اجتماعية وسياسية، تمتلك القدرة على العبور بالوطن من جحيم الدمار إلى آفاق الإعمار. فمستقبل الحركة النسوية أضحى أحد الأسئلة الجوهرية التي ستحدد ملامح “اليوم التالي” للحرب، وترسم شكل الدولة السودانية القادمة، من حيث طبيعة عقدها الاجتماعي، وأسس سلامها، وعدالة انتقالها.
يسلط هذا المقال الضوء على المسار الملحمي الذي خاضته السودانيات في زمن الحرب. فبينما استُخدمت أدوات القمع لإخضاعهن وكسر إرادتهن، برزت مئات الكيانات النسوية وغرف الطوارئ لتؤدي أدواراً ميدانية بديلة سدّت فراغ الدولة في مجالات الإغاثة والرعاية. هذا الصمود يمثل استحقاقاً سياسياً طال أمد إقصائه؛ استحقاقا يرفض إعادة النساء إلى المقاعد الخلفية، ويؤكد أن هندسة السلام المستدام لا يمكن أن تتحقق دون حضورهن الفاعل.
ولا ينطلق هذا المقال من موقع المتابعة النظرية أو الادعاء، وإنما من مسار تراكمي تشكّل عبر الاحتكاك المباشر بتجارب متعددة أسهمت في صقل الوعي بقضايا المرأة. فقد أُتيحت لي فرصة العمل مع نساء قائدات في الشأن العام، من بينهن الأستاذة سارة نقد الله، والدكتورة بلقيس بدري، والدكتورة انتصار إبراهيم، والدكتورة مريم الصادق، وهي تجارب عمّقت فهمي لتعقيدات الفعل النسوي وسياقاته الاجتماعية والسياسية. كما أسهم الاطلاع على إسهامات الإمام الصادق المهدي في مناصرة قضايا المرأة، والتفاعل مع المنتج المعرفي لجامعة الأحفاد، إلى جانب العمل الإعلامي والنشاط المدني، في بناء رؤية نقدية لقضايا النساء. وبالتالي، تأتي هذه الكتابة كمساهمة مسؤولة في ضبط بوصلة الحركة النسوية.

 

السياق التاريخي:

حظيت المرأة السودانية منذ البدايات بمكانة مركزية في البناء السياسي والاجتماعي، تعود جذورها إلى الحضارات الكوشية ومملكة مروي. واستمر هذا الإرث، رغم التحولات الثقافية في العصور الوسطى، في أشكال متعددة من الاحترام والسلطان الاجتماعي. وبرز دور النساء حتى عُدّ حضورهن شرطًا لاستقامة الحكم، وشهدت تلك الفترات نماذج لملكات حاكمات، بما يؤكد أن المرأة كانت فاعلًا أصيلًا في نشأة السلطة وتطورها.
بدأت شرارة الوعي النسوي في السودان عبر مدخل التعليم، على يد الشيخ بابكر بدري، الذي أسس أول مدرسة للبنات برفاعة عام 1906م، متحديًا الرفض الاجتماعي السائد آنذاك. وسرعان ما تحول هذا الوعي إلى حراك وطني سانده المثقفون الرجال، حيث ارتبطت قضية تحرر المرأة بالنضال ضد الاستعمار؛ فظهرت الأغاني الوطنية التي تنادي بمشاركة المرأة، وتبلورت الفكرة في أول تنظيم نسوي “نادي الخريجات”. ورغم تعثره، فقد وضع اللبنات الأولى للتنظيم النسوي.
شهدت الأربعينيات قفزة نوعية بتأسيس كيانات نسوية مرتبطة بالحراك الوطني، مثل “رابطة المرأة السودانية” عام 1946م، ودخول الممرضات والمدرّسات معترك العمل النقابي لانتزاع حقوقهن المهنية. وتوّجت هذه الجهود بتأسيس “الاتحاد النسائي السوداني” عام 1952م، كما ظهرت في تلك الفترة “جمعية النهضة النسوية” التي بادرن بإنشائها نساء آل المهدي وشخصيات أخرى. وخلال فترة السودنة وما بعدها، خاضت النساء معركة شرسة لانتزاع الحقوق، نجحن خلالها في الحصول على حق التصويت عام 1953م، وفتحن قنوات التواصل مع الحركات العالمية، وأسسن مجلة “صوت المرأة” عام 1955م.
واجهت الحركة النسوية أول اختباراتها مع الحكم العسكري الأول “نظام عبود”، الذي حلّ المنظمات المدنية، لكن النساء حافظن على جذوة الحراك. تجلّى هذا الصمود في ثورة أكتوبر 1964م، حيث كانت النساء في طليعة المقاومة، مما أثمر عن تحقيق مكتسبات تاريخية في الديمقراطية الثانية، شملت حق الترشيح والتصويت الشامل لكافة السودانيات، ودخول فاطمة أحمد إبراهيم البرلمان كأول امرأة سودانية عام 1965م. كما شهدت هذه الحقبة انتصارات بارزة، من بينها منح النساء حق المعاش وإجازة الوضع مدفوعة الأجر.
مع انقلاب مايو عام 1969م، انقسم الحراك النسوي بين العمل المقاوم والعمل تحت مظلة النظام، حيث تغيّر اسم “الاتحاد النسائي السوداني” إلى “اتحاد نساء السودان” عام 1972م. ورغم التضييق السياسي، شهدت هذه الفترة تطوراً نوعياً بتأسيس “جمعية بابكر بدري لدراسات المرأة” عام 1975م. وعقب انتفاضة 1985م، عادت الحركة النسوية السودانية إلى الفضاء العلني بزخم أكبر، وتعدّدت التنظيمات النسوية.
مثّلت حقبة الإنقاذ ارتداداً سياسياً بلغ ذروة الاستهداف الممنهج للمرأة السودانية، عبر توظيف القوانين والتشريعات كأدوات للقمع. فقد شكّلت قوانين النظام العام إطاراً للعنف ضد النساء، وتفاقمت آثارها في مناطق النزاعات، حيث تلازم القهر مع الإفقار وانهيار الخدمات. ومع تصاعد الحراك الاحتجاجي، انتقل القمع من العنف القانوني إلى انتهاكات جسيمة شملت الاعتقال والتعذيب والاغتصاب، في محاولة لكسر إرادة التغيير عبر استهداف النساء، وترسيخ صورة دونية من خلال منظومة القمع الأمني، والعنف الجنسي، والتشويه الإعلامي، والمناهج المنحازة.
في مواجهة هذا الوضع، برزت حركة نسوية أكثر حداثة ووعياً، قادتها كوادر شابة مسلّحة بالمعرفة الحقوقية وأدوات التنظيم المرن، فانتقلت من الفعل الاحتجاجي إلى بناء شبكات دعم ميداني للضحايا، وربط النضال المحلي بالحركات النسوية العالمية. وبرغم التضييق الأمني، نجحت النساء في تحويل المعاناة إلى خطاب مؤثر، واستطعن فرض الأجندة النسوية كجزء أصيل من معركة استرداد الديمقراطية.
خلال الفترة الانتقالية الأخيرة، واصلت النساء السودانيات لعب دور محوري في دعم مسار الانتقال وبناء السلام، مستندات إلى حضورهن وفاعليتهن في الثورة. وبرغم اعتماد الحكومة الانتقالية حزمة من الإصلاحات، من أبرزها إقرار خطة عمل وطنية لتنفيذ قرار مجلس الأمن 1325، والتي استهدفت إشراك النساء في بناء السلام وصنع القرار، وتعزيز حقوقهن، وحمايتهن من العنف القائم على النوع الاجتماعي، فإن هذه الالتزامات بقيت في إطارها النظري ولم تُترجم إلى سياسات أو آليات تنفيذ فعّالة. وقد كشف ذلك عن فجوة بين الخطاب والممارسة، حيث لم يُدمج الدور القيادي للنساء في الثورة ضمن الفعل الانتقالي المؤسسي، نتيجة غياب فاعلية التنظيمات النسوية وتنسيق جهودها، رغم محاولات منظمات الحارسات، وصيحة، ومنسم، ولا لقهر النساء، وسويب، ومركز الجندر، وغيرها. وللأسف، فإن أنماط الإقصاء التقليدية أعادت إنتاج نفسها، بما أضعف مسار الانتقال الديمقراطي.

النساء في ظل الحرب: الواقع أسوأ بكثير، ولكن:

 

في سياق الحرب، تجردت معاناة النساء من أي أقنعة، وكشفت جذور القهر التاريخي بأبشع صورها. فالمرأة، التي طالما حُمِّلت صفات تنتقص من إنسانيتها وتختزل دورها، تجد نفسها في زمن الحرب هدفاً مباشراً لانتهاكات مضاعفة. تُستدعى الصفات النمطية المرتبطة بالأنوثة، كالطاعة والتضحية والصبر، لا بوصفها قيماً إنسانية، بل ذرائع لتبرير استباحة الجسد والروح. وقد اتخذت المأساة أبعاداً أشد فتكاً، إذ بلغت ذروتها في ظل الحرب الحالية، خاصة داخل المجتمعات القبلية ذات البنى الأبوية الصلبة، حيث تُستخدم النساء كساحات لتصفية الصراعات. أما في البيئات الحضرية، فيتخذ القهر أشكالاً أكثر خفاءً وتعقيداً، من النزوح القسري وفقدان سبل العيش، إلى العنف الجنسي والصمت المفروض على الناجيات. وتكشف شهادات النساء اللواتي نجون من ويلات الحرب قصصًا تفوق الخيال قسوةً، قصصاً وثّقتها المنظمات الدولية بوصفها جرائم ممنهجة استهدفت النساء تحديدًا كأهداف مركزية في آلة الحرب. هذه التجارب تعكس حجم المأساة وتفضح نظاماً كاملاً يعيد إنتاج القهر.
أدّت الحرب إلى تقويض واسع لحقوق النساء الأساسية، وفي مقدمتها الحق في الأمن والحماية من العنف، والحق في العدالة، والسكن، والغذاء والماء، إضافة إلى الصحة العامة والصحة الإنجابية. وقد تفاقم هذا الوضع نتيجة تعرّض النساء لانتهاكات مباشرة، ما جعلهن الضحية الأولى للحرب بلا منازع.
تقع المسؤولية المباشرة عن هذه الانتهاكات على عاتق قوات الدعم السريع والجيش والقوات المتحالفة معهما. ففي حين ارتكبت قوات الدعم السريع انتهاكات واسعة وجسيمة بحق النساء، شملت القتل والاغتصاب الجماعي وجرائم ترقى إلى مستوى الفظائع، لجأ الجيش والكتائب الموالية له إلى ممارسات أخرى لا تقل خطورة، تمثلت في تجنيد النساء واستنفارهن داخل المعسكرات، في امتداد واضح لإرث السلوك الإسلاموي منذ تسعينيات القرن الماضي. كما جرى استخدام النساء أداةً للتجييش والدعاية، الأمر الذي شكّل تهديداً مباشراً لسلامتهن الجسدية والنفسية.
في المقابل، لم تعد النساء مجرد متلقيات للمساعدات الإنسانية، بل برزن بوصفهن الفاعلات الرئيسيات في اتخاذ قرارات النزوح واللجوء، وإدارة موارد الأسر المنهكة تحت وطأة الحرب. ومع انهيار القطاعات الإنتاجية وغياب مؤسسات الدولة، ابتكرت النساء السودانيات أشكالًا من “الاقتصاديات البديلة” داخل معسكرات النزوح ودول المهجر، عبر تحويل المهارات المنزلية والحرفية إلى مشروعات صغيرة في مجالات مثل تصنيع الأغذية، والخياطة، والتجارة، بما أسهم في سد فجوات معيشية حادة ووفّر مصادر بقاء للأسر. ورافق ذلك أدوار قيادية متنامية، حيث بادرت النساء بتشكيل لجان للحماية الذاتية ومجموعات للدعم النفسي والاجتماعي، لمواجهة آثار الصدمات الناتجة عن التهجير القسري وفقدان الممتلكات والأمان.
وتُعد غرف الطوارئ تجربة ملهمة في ملء الفراغ الذي خلّفه انهيار الدولة، إذ أدارت آلاف المتطوعات هذه الغرف في مناطق النزاع، ولم يقتصر دورهن على توفير الغذاء والدواء، بل امتد إلى تقديم رعاية طبية ونفسية متخصصة لناجيات العنف الجنسي، والتعامل مع حالات الولادة غير الآمنة في ظل خروج معظم المستشفيات عن الخدمة. ورغم ما واجهته هذه المبادرات من مخاطر جسيمة، شملت الملاحقة الأمنية والتحرش والاختطاف، فقد أظهرت قدرة تنظيمية عالية، تجلّت في فتح ممرات آمنة للإجلاء، وتوثيق الانتهاكات. وبهذا الدور، أدّت النساء دوراً حاسماً في إعادة تعريف معنى المواطنة الفاعلة في زمن الحرب، وفقًا لما تشير إليه دراسة رباح الصادق حول “النساء السودانيات من الحرب إلى السلام”.
في قلب الحرب، انتقلت النساء من خنادق النجاة إلى منصات الاعتراف، محققات حضوراً دولياً غير مسبوق، تُوِّج بسلسلة من الجوائز المرموقة والترشيحات الكبرى. فقد حظيت غرف الطوارئ السودانية، التي تشكّل النساء عمودها الفقري، بإشادة عالمية واسعة تُرجمت إلى نيل جوائز رفيعة، من بينها جائزة “رافتو” النرويجية لحقوق الإنسان، وجائزة الاتحاد الأوروبي لحقوق الإنسان، وجائزة ريتشارد هولبروك للمناصرة، إلى جانب ترشيحها المتكرر لجائزة نوبل للسلام. وعلى المستوى الفردي، تألقت نساء في مجالات الصحافة والأدب والعمل الإنساني والأكاديمي والحقوقي؛ بدءاً من الصحفية شمائل النور التي اختارتها منصة “رصيف 22” ضمن أكثر النساء العربيات إلهاماً لعام 2025، مروراً بفوز ندى فضل بجائزة نانسن للاجئ، وتتويج أمل خليل يوسف، وسميرة حسين، ورجاء الزاكي ضمن أكثر الشخصيات النسائية تأثيراً في تحقيق أهداف التنمية المستدامة عالمياً لعام 2025. كما فازت الروائية ليلى أبو العلا بجائزة PEN Pinter البريطانية، وترشحت المخرجة فاطمة وردي لجائزة الأميرة غريس، وحضرت كلٌّ من صفاء علي وهالة الكارب ضمن قائمة BBC لأكثر 100 امرأة تأثيرا ًفي العالم. وتألق كذلك اسم الصحفيات يسرا الباقر، وسلمى عبد العزيز، وناهد الباقر، وهبة عبد العظيم، ودُرّة قمبو في جوائز الكتابة الصحفية والشجاعة وحرية التعبير، إلى جانب تكريم محاميات وناشطات مثل سامية الهاشمي “جائزة فرنسا وألمانيا لحقوق الإنسان”، فيما برزت نماذج إنسانية ملهمة مثل غادة حسين في العمل التطوعي مع اللاجئين. إن هذا السيل من التكريمات، الذي تجاوز أكثر من عشرين جائزة على سبيل المثال لا الحصر، يمثل شهادة أخلاقية وإنسانية عالمية على أن المرأة السودانية، وسط الدمار، تحوّلت إلى قوة تغيير، وصانعة أمل، وحارسة للحياة في أكثر الأزمنة قسوة.

حراك الحركة النسوية خلال الحرب:

لم يقتصر حضور وجسارة النساء على الصمود الفردي أو المجتمعي، بل تجلّى على مستوى الحركة النسوية في حراك واسع شكّل أحد أبرز ملامح الفعل المدني خلال الحرب. وللأهمية يمكن الإشارة إلى محطتين في هذا السياق: الاجتماع الاستراتيجي للتنسيق بين المجموعات النسوية بالقاهرة، وإعلان كمبالا النسوي.
شكّل الاجتماع الاستراتيجي للمجموعات النسوية والسياسية والمدنية بالقاهرة، المنعقد في أكتوبر 2023، والذي أسفر عن صياغة موجّهات التنسيق بين المجموعات النسوية المناهضة للحرب، محطة مفصلية في بلورة رؤية لتداعيات الحرب. وقد جمع الاجتماع أكثر من عشرين مبادرة نسوية، عبّرت مشاركاتها عن رفض قاطع للانتكاسة الحقوقية باعتبارها تراجعاً عن مكتسبات نضال طويل. وانتهى الاجتماع إلى تأسيس تنسيق نسوي استراتيجي يقوم على رؤية وطنية موحّدة لإيقاف الحرب وبناء سلام مستدام، يستثمر في الانتشار الجغرافي الواسع للمنظمات النسوية وتراكم خبراتها المعرفية والتنظيمية، ويستند إلى مبادئ المساواة والشفافية واحترام التنوع والشمول، مع الحفاظ على استقلالية الكيانات المشاركة. كما اعتمد هذا التنسيق آليات مرنة وقيادة أفقية، شملت تشكيل مجموعات عمل متخصصة في الرصد الحقوقي والتوثيق والمناصرة، وتحديد أدوار واضحة ومؤشرات أداء حساسة للنوع الاجتماعي، بما يضمن تحويل أجندة المرأة والسلام والأمن من خطاب مطلبي إلى ممارسة ملزمة. وأكد التزام المجموعات بتجاوز التنافس الهدّام، ومواصلة الضغط على القوى السياسية لتبنّي الأجندة النسوية، وربط قضايا النساء في الريف والحضر بالمنصات الإقليمية والدولية، باعتبار ذلك المسار الوحيد لانتزاع الحقوق وبناء سودان ديمقراطي.
كما صاغت منصة “سلام من أجل السودان” إعلان كمبالا النسوي في يوليو 2024، بمشاركة ثلاثين منظمة ومبادرة نسوية. وقد اكتسب الإعلان مكانة مرجعية في مسارات الحوار الإقليمي والدولي بشأن السلام في السودان، وأسفر عن إنشاء لجنة فنية تهدف إلى ضمان أن تكون أصوات النساء وخبراتهن جزءاً أصيلاً من مسار بناء سلام مستدام وعادل في البلاد. وتضمن الإعلان مطالب جوهرية، في مقدمتها الدعوة إلى وضع آليات فعّالة لحماية المدنيين، والاعتراف بحدة الاستقطاب داخل المجتمع السوداني، وما يستلزمه ذلك من معالجة للصدمات النفسية ومشاعر الغضب المتراكمة، بما يهيئ بيئة مناسبة للحوار الوطني. كما شدد على أهمية الشفافية بوصفها شرطاً أساسياً لبناء الثقة بين الأطراف المختلفة، وأكد ضرورة إدماج النساء بنسبة لا تقل عن 50% في جميع عمليات السلام، مع إدراج مبادئ المساواة بين الجنسين وحقوق المرأة في كافة مراحل التفاوض، وضمان وجود النساء ضمن الموقّعين على الاتفاقيات، وتشكيل آلية رقابية حساسة للنوع الاجتماعي لمتابعة تنفيذ اتفاق السلام.

 

تحديات الحركة النسوية:

 

تواجه الحركة النسوية السودانية تحدياً بنيوياً يتمثل في تعدد الهويات، وما يصاحبه من تباينات سياسية تُضعف القدرة على بناء أجندة وطنية موحّدة. هذا التعدد، رغم كونه مصدر ثراء، تحوّل في كثير من الأحيان إلى عامل تفكك، في ظل غياب آليات تنسيق قادرة على استخلاص القواسم المشتركة وتوحيد الجهود حول رفض العنف القائم على النوع الاجتماعي وضمان المشاركة السياسية العادلة للنساء.
ويبرز تحدي فجوة الأولويات بين خطاب النخب في المركز واحتياجات النساء في الأرياف ومناطق النزاع، حيث يتركز الخطاب السائد على التمكين السياسي والإصلاحات القانونية، بينما تناضل القواعد النسوية من أجل قضايا البقاء الأساسية، مثل الأمن الغذائي والحماية من العنف. ومع اندلاع حرب أبريل، لم يعد هذا التباين قابلاً للتأجيل، إذ فرض الواقع ضرورة إعادة تموضع تدمج النضال من أجل الحقوق السياسية مع الاستجابة الإنسانية والعمل القاعدي.
كما تعاني الحركة النسوية من محدودية أدواتها في التأثير، في ظل تحولات الفضاء العام وصعود الإعلام البديل والمنصات الرقمية، الأمر الذي يستدعي تطوير أساليب العمل وتوسيع دوائر الخطاب، وربط قضايا الريف بالمدن، وتحويل العمل النسوي إلى قوة ضغط قادرة على التأثير محلياً ودولياً.
وتُضاف إلى هذه التحديات أزمة التمثيل السياسي داخل الأحزاب والقوى المدنية، حيث لا يزال حضور النساء في الغالب شكلياً أو محصوراً في أطر تنظيمية معزولة، دون تمكين فعلي في مواقع القيادة رغم الخطاب الديمقراطي المعلن.
في المجمل، تواجه الحركة النسوية السودانية تحدياً مركباً يتمثل في الانتقال من نخبوية الخطاب إلى قاعدية الفعل، ومن التشتت إلى التنسيق، ومن رد الفعل إلى المبادرة، بما يمكّنها من التحول إلى تيار وطني واسع قادر على تفكيك أنماط الهيمنة، والمساهمة الفعلية في وقف الحرب وبناء السلام.

مداخل وأجندة ضبط البوصلة:

 

1. تبنّي مقاربة تتجاوز المطالب الحقوقية النسوية، لتطرح رؤية شاملة لمعالجة جذور الأزمة الوطنية، باعتبار قضايا النساء مدخلاً جوهرياً لتفكيك بنية الحرب والعنف، لا ملفاً منفصلاً أو ثانوياً في مسار السلام والتحول الديمقراطي.
2. تفكيك دوائر القهر التي أعادت الحرب إنتاجها، وهي الدوائر التي يصفها الدكتور مجدي إسحق بأنها “آلية فرض عقد اجتماعي قسري ومشوّه يحمل في داخله بذور انفجاره وتمزقه”. ولأن المرأة تمثل النموذج الأفصح لوضعية الإنسان المهدور على حد تعبير الدكتور مصطفى حجازي، حيث تتكثف في بنيتها النفسية والاجتماعية تناقضات التخلف وآليات الاستلاب، فإن مشاركتها في صياغة عقد اجتماعي جديد لا تقتصر على تضمين الحقوق، بل تشكّل المدخل لتفكيك بنية الهدر التاريخي، وإدماج الجندر في صميم مشروع إعادة بناء الدولة. إن الانتقال من وضعية الإنسان المهدور إلى الشراكة الفاعلة يمثل الضامن الحقيقي لإرساء ثقافة مدنية في مستقبل السودان، تُستبدل فيها قيم الصراع بمفاهيم السلام والتسامح والعدالة الاجتماعية، وتُعاد صياغة العلاقات على أساس المساواة والمواطنة بوصفهما الأصل المؤسس لأي تعاقد اجتماعي.
3. الاعتراف بالدور المحوري للنساء في بناء السلام من خلال الدبلوماسية الشعبية، وربط العمل الإنساني بتوثيق الانتهاكات والمشاركة السياسية، بوصفها أدوات أكثر فاعلية من المسارات الرسمية المعزولة عن المجتمع، حيث تطرح النساء نموذجاً بديلاً يرفض عسكرة المجال العام، ويعالج قضايا الهوية وتوزيع الموارد باعتبارها جوهر الصراع في السودان.
4. دعم تطور الوعي النسوي المنظم وتعزيز وحدته، والبناء على إرهاصاته في السودان وتطويره بوصفه جزءاً أصيلاً من النضال الوطني من أجل دولة المواطنة والعدالة والديمقراطية، واعتبار موقع المرأة معياراً للالتزام الديمقراطي، واعتماد مشاركتها الفاعلة وحقوقها المتساوية، إذ إن دور النساء في الثورات كان مركزياً، ويجب أن ينعكس ذلك في مواقع صنع القرار والسياسات.
5. تفكيك التناقض بين الخطاب الثوري والممارسة السياسية يقتضي قراءة نقدية للبنى الاجتماعية والسياسية والدينية التي أعادت إنتاج إقصاء النساء بعد الثورة، رغم شعارات الحرية والمساواة، ويشمل ذلك رفض توظيف قضايا المرأة كأداة رمزية للصراع أو مادة للتجميل الخطابي، والعمل على تحويل المشاركة النضالية للنساء إلى مكتسبات قانونية ومؤسسية ملموسة.
6. في ظل غياب رؤية وطنية موحّدة، جرى التعامل مع حقوق النساء كقضايا قابلة للتأجيل أو للمقايضة باسم الاستقرار؛ ومن الواجب تثبيت حقوق المرأة في المستقبل، وإدماجها بوضوح في كل ملفات الانتقال.
7. إعادة بناء الحركة النسوية على أسس اجتماعية واسعة تتجاوز الطابع النخبوي، وتعزيز انغراسها وسط النساء الأكثر فقراً وتهميشاً في الأقاليم ومناطق النزاع، عبر العمل الميداني وبناء قواعد اجتماعية حقيقية، ويشمل ذلك تطوير تحالفات مستدامة مع التيارات الديمقراطية، وتجديد الخطاب النسوي لاستيعاب الأجيال الشابة والاتصاق بالواقع المعيشي.
8. تتطلب المرحلة خروج الحركة النسوية من موقع الحذر والشكوى إلى موقع المبادرة، عبر صياغة أجندة حقوقية واضحة، وأدوات عمل سياسية وقانونية وإعلامية جديدة، تضع حقوق النساء في قلب النقاش العام دون مساومة، ودون الانجرار إلى صراعات أيديولوجية عقيمة.
9. تمكين المرأة لا يقتصر على الإصلاح القانوني أو تحسين الأوضاع المادية، بل يشمل إعادة الاعتبار لأدوارها التعليمية والثقافية والاجتماعية والصحية، وتعزيز ثقتها بذاتها ومكانتها في الوعي العام، إذ لا يمكن لإعادة الإعمار وبناء المجتمع والدولة أن تنجح دون إدماج المرأة كفاعل أساسي فيها.
10. تفكيك الخطابين العلماني والإسلاموي تجاه المرأة؛ فالخطاب العلماني اختزل المرأة في رمز أيديولوجي للصراع مع الدين، وجعل جسدها ساحة لإثبات التقدم، بينما أعاد الخطاب الإسلاموي إنتاجها كأداة تعبئة أخلاقية ورمز للهوية الدينية، مبرراً بذلك الوصاية والعنف. ويقتضي ذلك إنتاج مقاربة معاصرة تضع المرأة في مركز التحليل بوصفها إنساناً كامل الحقوق، لا رمزاً ثقافياً ولا أداة صراع.
11. بناء تنسيق استراتيجي موحّد لا يشترط تطابق الرؤى، بل يستند إلى استخلاص القواسم المشتركة وتشكيل كتلة حرجة قادرة على توحيد المبادرات النسوية في صوت واحد، بهدف ضمان تمثيل فعّال للنساء في مسارات وقف الحرب وصنع القرار السياسي والاقتصادي، والارتكاز على تفعيل الأطر الدولية والإقليمية، وعلى رأسها القرار 1325، عبر برامج مستدامة لبناء القدرات. ويكمن جوهر هذه المرحلة في ترسيخ ملكية جماعية للعمل النسوي تضمن استدامته، وتحويل الأجندة المشتركة إلى قوة ضغط تُسهم في إرساء أسس سودان ما بعد الحرب.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.