تحرير الخرطوم… من ذاكرة الثورة إلى سؤال الدولة
نبض قلم
عادل تاج الدين جار النبي يكتب ..
هل ما زالت العاصمة في يد شعبها؟
لم يكن فجر السادس والعشرين من يناير 1885 مجرد لحظة عسكرية في سجل الحروب، بل كان ذروة مسار طويل من التراكم الشعبي والوعي الجمعي، انتهى بأن استعادت الخرطوم نفسها من قبضة الحكم التركي–المصري، وعادت إلى أهلها كما قال الروائي والسياسي البريطاني وليام موريس:
«لقد سقطت الخرطوم في أيدي شعبها الذي تنتمي إليه».
هذا المعنى العميق لتحرير الخرطوم، كما يقرأه المؤرخون السودانيون الكبار، لا يخص الماضي وحده، بل يفرض نفسه بقوة على الحاضر:
هل ما زالت الدولة السودانية ملكًا لشعبها؟ أم أن الخرطوم، مرة أخرى، تحولت إلى ساحة صراع فوقها لا لأجلها؟
يشير محمد إبراهيم أبو سليم إلى أن حصار الخرطوم كان ثمرة تعبئة شعبية واسعة، شاركت فيها قبائل وقيادات محلية من مختلف الأقاليم، وأن المهدية في جوهرها كانت ثورة مجتمع قبل أن تكون ثورة جيش. هذا البعد الشعبي هو ما يبدو غائبًا اليوم، حيث تُدار الحرب بإرادة نخب مسلحة، بينما يُدفع المواطن العادي إلى موقع الضحية لا الفاعل.
في زمن المهدية، جاءت القبائل بأسمائها، لكنها قاتلت تحت راية واحدة. أما اليوم، فتُستدعى الأسماء ذاتها لتغذية الاستقطاب والتجييش القبلي، لا لبناء مشروع جامع. بدل أن تكون القبيلة جسرًا للوطن، صارت في كثير من الأحيان أداة لتفتيته.
يرى يوسف فضل حسن أن المهدية مثّلت أول انتقال كبير من الولاءات المحلية إلى أفق وطني ناشئ. والمفارقة القاسية أن السودان اليوم يبدو وكأنه يتحرك في الاتجاه المعاكس: من وطن مأزوم إلى هويات متنازعة، ومن فكرة الدولة إلى واقع الجماعات المسلحة.
أما مكي شبيكة فيربط سقوط الخرطوم بانهيار الشرعية السياسية قبل انهيار الأسوار. وهذا المفتاح التفسيري يشرح كثيرًا من واقعنا الراهن. فالأزمة الحالية ليست فقط أزمة سلاح، بل أزمة شرعية:
من يحكم السودان؟ وبأي تفويض؟ ولصالح من؟
حين سقطت شرعية الحكم التركي–المصري، كان البديل مشروعًا يمتلك معنى لدى الناس، حتى وإن كان ناقص البنية. أما اليوم، فالمشهد مزدحم بمشاريع سلطة بلا مشروع وطن.
يصف بابكر بدري كيف تحوّل الناس في زمن المهدية من متفرجين إلى صانعين للتاريخ. بينما يشعر معظم السودانيين اليوم أنهم متفرجون قسرًا على حرب لا قرار لهم فيها:
نزوح بالملايين،
مدن مدمّرة،
مستشفيات خارجة عن الخدمة،
مدارس مغلقة،
ودولة تكاد تختفي من حياة المواطن اليومية.
ويلفت حسن نجيلة إلى أن كثيرين انخرطوا في المهدية بدافع أخلاقي قبل أن يكون عسكريًا. في المقابل، يشهد الواقع الراهن تآكلًا مخيفًا للخطاب الأخلاقي في السياسة، حيث حلّت لغة التخوين والكراهية والثأر محل لغة المسؤولية الوطنية.
ويقدّم محمد سعيد القدال قراءة بالغة الأهمية حين يصف المهدية بأنها ثورة دينية في خطابها، اجتماعية في مضمونها، ووطنية في نتائجها. والسؤال اليوم: أين هو البعد الاجتماعي في صراعاتنا الحالية؟ وأين هو بعدها الوطني؟
تحرير الخرطوم عام 1885 كان لحظة التقاء بين الريف والمدينة، وبين الهامش والمركز. أما حرب اليوم فقد أعادت إنتاج القطيعة نفسها:
مركز محطَّم،
هامش ينزف،
ودولة تتآكل من أطرافها إلى قلبها.
من هنا تصبح ذكرى تحرير الخرطوم مناسبة للتأمل لا للاحتفال فقط. مناسبة لنسأل: ماذا تبقى من فكرة أن هذه البلاد ملك لأهلها جميعًا؟
الدرس الأكبر من تلك اللحظة التاريخية ليس في السلاح الذي حسم المعركة، بل في المعنى الذي جمع الناس:
أن الوطن أكبر من القبيلة،
وأبقى من الجهة،
وأقدس من الزعيم.
ربما لا يحتاج السودان اليوم إلى تكرار تجربة المهدية، لكنه يحتاج إلى استعادة روحها الجامعة:
روح المشروع لا روح الغلبة،
روح الدولة لا روح الغنيمة،
روح الشعب لا روح المليشيا.
وفي ذكرى تحرير الخرطوم، يعود السؤال بسيطًا ومفزعًا في آن:
هل الخرطوم اليوم في يد شعبها؟
