نجوا من القصف والعزلة: كيف صمد نزلاء دار الضو حجّوج للمسنّين بين بحري وشندي؟
بعد غيابٍ فرضته الحرب، تعود دار الضو حجّوج لرعاية المسنّين في مدينة الخرطوم بحري إلى الواجهة مجددًا، لا بوصفها مبنىً عاد إلى العمل فحسب، بل كرمزٍ لذاكرة اجتماعية سودانية كادت أن تُمحى تحت القصف والعزلة. مقاطع فيديو تداولها ناشطون على نطاق واسع خلال الساعات الماضية أظهرت الدار وهي تستعيد بعضًا من حياتها، بعد سنوات من الإغلاق القسري والنزوح.
لما يقارب ثلاث سنوات، عاش نحو 20 مسنًّا في مقرٍّ بديل بمدينة شندي بولاية نهر النيل، تحت ظروف إنسانية متقلّبة، بعد إجلائهم من دارهم الأصلية في بحري، حيث حوصروا لأكثر من شهرين وسط دويّ المدافع وامتداد رقعة الاشتباكات، وانقطاع الكهرباء والمياه، وتلاشي الرعاية الصحية، في واحدة من أكثر الفصول قسوةً على كبار السنّ خلال الحرب السودانية.
دارٌ من ذاكرة المدينة
تعود جذور دار الضو حجّوج لرعاية المسنّين إلى العام 1928، حين أُسِّست في الخرطوم بحري تحت اسم «الملجأ» خلال الحقبة الاستعمارية، لإيواء العاملين والعابرين والمسنّين. وبعد الاستقلال، واصلت الدار عملها بالجهد الشعبي والطوعي، قبل أن تُضمّ في عهد مايو إلى وزارة الشؤون الاجتماعية باسم «دار العجزة والمسنّين».
وفي العام 1984، تبرّع المحسن الضو حجّوج بإعادة تأهيل المبنى، ليحمل المكان اسمه، ويواصل أداء دوره كمأوى لكبار السنّ من الرجال، بسعةٍ استيعابية بلغت 70 مسنًّا، تحت إشراف وزارة الشؤون الاجتماعية بولاية الخرطوم.
ووفقًا لإحصاءات منظمة الصحة العالمية، يشكّل المسنّون نحو 4% من إجمالي سكان السودان، وهي فئة ظلّت، منذ اندلاع الحرب، من بين الأكثر هشاشة وتهميشًا في خطط الاستجابة الإنسانية.
الحرب داخل الجدران
مع اندلاع القتال في أبريل/نيسان 2023، وجد نزلاء دار الضو حجّوج أنفسهم عالقين قرب ميدان عقرب ببحري، في منطقة تحوّلت سريعًا إلى مسرحٍ للاشتباكات. لا حماية، ولا دعم رسمي، ولا قدرة على الإجلاء. وحدهم بعض شباب الحيّ والمتطوّعين شكّلوا خط الدفاع الأخير: نفيرٌ للنظافة، ممرّض لمتابعة الحالات، ومحاولات شحيحة لتوفير الغذاء والدواء.
يوثّق مدير الدار، السر عمر، تلك المرحلة في حديث مصوّر بُثّ في مايو/أيار 2023، قائلًا إن الأوضاع «تأزّمت إلى حدٍّ كبير»، مع نقص حادّ في أدوية الطوارئ، وتوقّف خدمات النظافة، وتعذّر وصول المشرفات بسبب المعارك. وأضاف:
«فقدنا عددًا من المسنّين متأثّرين بالأمراض المزمنة والتقرّحات… أطلقنا نداءات عبر الميديا، واستجابت منظمة حاضرين التي أعادت الخدمات الأساسية، ووفّرت الغذاء والمياه والأدوية، خاصة أدوية الأمراض النفسية».
الإجلاء القسري… والرحلة إلى شندي
مع اشتداد القصف، وانقطاع شبكات الاتصال، ووفاة مسنَّيْن إضافيَّيْن دُفِنا جوار الدار لتعذّر الخروج، بدأت «منظمة حاضرين» بالتنسيق مع الجهات المختصة ترتيبات إجلاء النزلاء إلى مدينة شندي.
الرحلة التي استغرقت ساعات طويلة لم تخلُ من الانتهاكات؛ إذ تعرّض الموكب لتفتيش متكرر في نقاط تابعة لقوات الدعم السريع، نُهب خلالها ما يقارب 300 ألف جنيه سوداني، وتعرّض أحد مرافقي الحملة للاعتداء بالضرب.
مأوى بديل… بدعم المجتمع
في شندي، تكفّل المجتمع المحلي و«حملة ما براكم» بتهيئة داخلية ثانوية شندي للبنات، بعد صيانتها، لتصبح مقرًّا بديلًا للمسنّين. جرى تركيب منظومة طاقة شمسية، وتوفير اختصاصي باطنية وآخر للطب النفسي، إلى جانب طاقم تمريض متكامل، وعيادة مصغّرة، ومطبخ تحت إشراف ضابط تغذية.
لكن هذا الاستقرار النسبي لم يدم طويلًا. فبعد أكثر من أربعة أشهر، أعلنت «منظمة حاضرين» اضطرارها للتوقف عن الدعم، بسبب شُحّ التبرعات وعدم تجديد التزامات المانحين، بحسب ما أوضحه مديرها التنفيذي ناظم سراج، الذي نفى وجود خلافات مع السلطات المحلية، مؤكدًا أن الحرب أنهكت مصادر التمويل، كما حدث مع التكايا والمطابخ المركزية.
تضامن بلا بديل
اليوم، ومع تراجع الدعم المنظّم، تعود معاناة النزلاء، خصوصًا في جانب الأدوية، حيث يعاني معظمهم من أمراض نفسية وباطنية مزمنة تتطلب علاجًا منتظمًا.
ورغم ذلك، يواصل سكان شندي والمتطوّعون سدّ الفراغ: وجبات تُحضَّر في البيوت، برامج ترفيهية أسبوعية، وشابات من الأحياء المجاورة يحضرن يوميًا عشاءً خفيفًا للمسنّين.
يقول متطوّعون: «نحاول خلق أجواء إنسانية بالحوار معهم… العزلة قاسية، والدار ليست مجرد سقف، بل علاقة وذاكرة».
عودة دار الضو حجّوج اليوم، حتى ولو جزئيًا، تُعيد طرح سؤالٍ مؤلم: من يرعى من تبقّى من كبار السنّ في حربٍ لا تكترث بالضعفاء؟
