ترامب لم يحكم أمريكا، ترامب جعلها تتكلم بلا مكياج
مصطفى خالد مصطفى يكتب ..
ليس السؤال: لماذا كان دونالد ترامب صادمًا؟ بل لماذا ظنّ العالم أن ما يفعله صادم أصلًا؟ ففي السياسة – كما في الفلسفة – ليست الحقيقة ما يُقال بل ما يُدار فعليًا. وترامب لم يَجئ بحقيقة جديدة، بل جاء بلغة جديدة لحقيقة قديمة: أن أمريكا لا تحكم العالم بالقيم بل بالمصلحة وأن الديمقراطية فيها أداة إدارة لا عقيدة.
منذ أفلاطون، حين فرّق بين الحاكم الفيلسوف والحاكم الديماغوجي، عرفت السياسة أن الخطر لا يكمن في الكذب بل في قول الحقيقة دون زينة. وترامب فعل ذلك تحديدًا: نزع الزينة بكاملها. وإذْ تغذّي الثقافة السياسية المعاصرة مفهوم «الرئيس القوي» كما غذّت من قبل أسطورة «الملك العادل»، فإن أمريكا، ومنذ تأسيسها، قامت على نقيض هذه الفكرة. كتب جيمس ماديسون في الأوراق الفيدرالية أن الخطر لا يكمن في ضعف الحاكم، بل في قوته؛ وعلى هذا الأساس صُمّم النظام الأمريكي؛ أنْ يقوم على التشكيك لا الثقة، وعلى التفكيك لا التفويض. مع ذلك، لم يفهم ترامب – أو لم يُرِد أن يفهم – أنه رئيس داخل المنظومة لا سيّدها. وحين تصرّفَ بوصفه صاحب القرار لا مديره ردّت عليه مؤسسات الدولة كما يردّ جهازنا المناعي على الأجسام الغريبة.
ولنا في التاريخ شواهدُ وعِبَر: في روما القديمة، كان القنصل يتغيّر، لكن مجلس الشيوخ يبقى، وفي أمريكا الحديثة يتغيّر الرئيس لكن الدولة يجب أن تبقى. فالبيروقراطية والمؤسسة العسكرية والأجهزة الاستخباراتية ليست «دولة عميقة» بالمعنى التآمُري بل دولة دائمة، تؤمن بأن الزمان حليفها وأن الرؤساء عابرون. وترامب بخطابه الشعبوي لم يهدد هذه الاستمرارية لأنه غيّر الاتجاه، بل لأنه هزّ الإيقاع، ولهذا لم يكن الصراع معه أخلاقيًا بل وجوديًا: من يملك تعريف «المصلحة الأمريكية» بحقٍ وحقيق؟
لكن، لا تكتمل صورة ترامب دون مساءلة المواطن الأمريكي نفسه، ولا دون طرح السؤال الذي يربك فكرة الدولة ذاتها: إذا كانت المؤسسات تَضيقُ به فلماذا أفرزه النظام رئيسًا؟ الإجابة لا تكمن في خلل طارئ، بل في المفارقة المؤسسة للديمقراطية الليبرالية نفسها؛ فهي لا تختار الأجدر، بل تتيح صعود الممكن؛ الشرعية هنا ليست حكمًا أخلاقيًا بل نتيجة إجرائية وحين انفصلت الديمقراطية عن العدالة الاجتماعية، تحولت الانتخابات من تعاقد عقلاني إلى تصويت انفعالي. الناخب الأمريكي لم ينتخب ترامب ليحكم، بل لينقض خطاب الحكم؛ اختاره بوصفه نفيًا رمزيًا للنظام لا امتدادًا له. وبهذا المعنى، لم يكن ترامب خطأً في الحساب، بل تحصيلَ حاصلٍ منطقيًا له. النظام الذي أنتجه لم يكن مخدوعًا، بل كان يختبر حدود احتماله الذاتي. وحين تجاوز ترامب تلك الحدود، لم تسقط الدولة، بل فعلت ما تجيده الأنظمة المستقرة؛ امتصّت الصدمة، أعادت تعريف التوازن، وأثبتت أن الديمقراطية قادرة على إنجاب نقيضها… ثم محاصرته باسم القواعد ذاتها.
منذ آدم سميث، والرأسمالية تقدّم نفسها كقانون طبيعي لا كخيار سياسي. لكن ترامب قال ما لا يُقال: الاقتصاد يا سادة سلاح والعقوبات طريقتي في حرب والتجارة بيننا ميدانٌ للصراع. لم يخرج بذلك عن تاريخ أمريكا بل عن لغتها. فما فعله روزفلت بالقوة وصاغه ريغان بالأيديولوجيا فعله ترامب بالتصريح.
أقول، لو قرأ ترامب فوكو لتدارك أن السلطة لا تكمن في القمع بل في الصيغة التي تُقدَّم بها الحقيقة. الإعلام الأمريكي لم يعارض ترامب لأنه كذّاب بل لأنه كسر احتكاره للكذب الممنهج. فحين خاطب قاعدته مباشرة، لم يكن يتجاوز الإعلام بل يكشفه ولهذا وُصف بالتهديد، لا لأنه قال ما لا يجوز، بل لأنه قال علنًا ما كان يُقال ويُحاك في الغرف المغلقة.
وليس الملف الفلسطيني عنّا ببعيد، إذْ أنّ الفارق هناك بلغَ ذروته وفاضَ عن المِكيال.
كل الرؤساء الأمريكيين دعموا إسرائيل، لكنهم اختلفوا في الأسلوب. أوباما أيّدها مع توبيخ لفظي، وبايدن وقف في صفها مع تعاطفٍ إنسانيٍّ مشروط، أما ترامب فدعمها بلا اعتذار ولا حدود. إذْ كيفَ يمكن لنقْل السفارة إلى القدس أن يكونَ انقلابًا في السياسة الأمريكية؟ كيف؟. ما كان مؤجَّلًا أُعلن فقط. لذا، لم يخسر الفلسطينيون مع ترامب حقوقهم؛ هم كانوا قد خسِروا مسبقًا… لكن بصمت.
وقد يبدو هذا التحليل لمن يفتّشُ عن إدانة أخلاقية نوعًا من التخفيف أو التبرير. غير أن هذا الاعتراض ذاته يكشف جوهر الإشكال؛ إذْ أنّ شيطنة ترامب بوصفه انحرافًا استثنائيًا لا تُدين النظام بل تبرّئه. أسهل أشكال النقد هو اختزال السياسة في نوايا الأفراد، لا في بنى المصالح. أقول، هذا النص لا يعفي ترامب من مسؤوليته بل يسلبه الامتياز الأخطر: أن يُعامل كاستثناء وأن يفوز بدور البطولة في الشر. إنه يضعه في موضعه الحقيقي كوظيفة داخل نظام، وكلحظة انكشاف لا سببًا. فالخطر لم يكن في خرق القواعد، بل في أن القواعد نفسها سمحت بذلك قانونًا وشرعيةً. من هنا، ومن هنا تمامًا، فإن مساءلة ترامب دون مساءلة الديمقراطية التي أفرزته ليست دفاعًا عن القيم، بل دفاعًا عن الوهم.
الديمقراطية التي تنتج ترامب ليست ديمقراطية مريضة، بل ديمقراطية صادقة مع تناقضاتها. لذلك كرهه العالم؛ لا لأنه قال ما لا ينبغي قوله، بل لأنه قال علنًا ما بُني النظام الدولي على إنكاره، فالحلفاء مجرّد أدوات والقيم طبعًا مشروطة، وأن الإنسانية بند تفاوض على الدوام.
أخيرًا، كما لم يكن كاليغولا سبب سقوط روما، ولا نابليون سبب نهاية الملكية، لم يكن ترامب سبب انحراف أمريكا. كان لحظة انكشاف وتجلّي. الذين يهاجمونه بوصفه شذوذًا يبرّئون نظامًا كاملًا من مسؤولياته، والذين يدافعون عنه بوصفه مخلّصًا يسيئون فهم حجمه.
باختصار: ترامب لم يحكم أمريكا،
ترامب جعلها تتكلم بلا مكياج.
