
اليونيسف تحذر من “ضياع جيل بأكمله” في السودان: 8 ملايين طفل خارج المدارس بعد ألف يوم من الحرب
الغدالسوداني ،وكالات – حذّرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) من أن أكثر من ثمانية ملايين طفل في السودان حُرموا من حقهم الأساسي في التعليم، بعد مرور أكثر من ألف يوم على اندلاع الصراع، مؤكدة أن هذا الوضع ينذر بضياع جيل كامل ويشكّل تهديدًا خطيرًا لمستقبل البلاد.
وفي مقابلة مع أخبار الأمم المتحدة بمناسبة اليوم الدولي للتعليم، كشفت إيفا هيندز، المتحدثة باسم اليونيسف في السودان، عن أرقام وصفتها بالمفزعة، تعكس حجم الانهيار غير المسبوق الذي طال البنية التحتية التعليمية والمنظومة التربوية بأكملها، في ظل حرب طويلة الأمد أدت إلى تعطيل شبه كامل للعملية التعليمية في مناطق واسعة من البلاد.
ودعت هيندز قادة العالم والمجتمع الدولي إلى توفير تمويل مرن ومستدام، وضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى الأطفال، محذّرة من أن تجاهل الأزمة سيؤدي إلى عواقب كارثية. وقالت: «لا يمكننا أن ندير ظهرنا لهذه المأساة»، في إشارة إلى ما خلفه الصراع من مؤشرات مقلقة، من بينها:
*حرمان 8 ملايين طفل من الالتحاق بالمدارس في الوقت الراهن.
*اضطرار نحو 5 ملايين طفل إلى النزوح من منازلهم، ما تسبب في انقطاعهم عن المعلمين والمواد التعليمية.
*إغلاق 6,400 مدرسة بشكل كامل، دون تقديم أي خدمات تعليمية.
*استخدام 11% من المدارس كملاجئ للعائلات النازحة أو لأغراض غير تعليمية.
*خروج مدرسة واحدة من كل ثلاث مدارس عن الخدمة نتيجة الدمار أو الأضرار الناجمة عن الحرب.

وفي ردها على سؤال حول حجم الضرر الذي لحق بالمسيرة التعليمية والفجوة المعرفية التي خلّفتها الحرب، قالت هيندز إن الأطفال السودانيين خسروا الكثير منذ اندلاع الصراع، مشيرة إلى أن الملايين منهم باتوا خارج مقاعد الدراسة، وهو ما لا يهدد مستقبلهم الفردي فحسب، بل ينعكس أيضًا على أسرهم ومجتمعهم ومستقبل السودان ككل. وأضافت أن هؤلاء الأطفال يمثلون عماد البلاد في المستقبل، ما يجعل المخاطر جسيمة ومتعددة الأبعاد.
وأوضحت أن طول أمد الصراع، الذي يقترب الآن من ثلاث سنوات، أدى إلى تدمير أو إلحاق أضرار جسيمة بعدد كبير من المدارس، مؤكدة أن نحو ثلث المدارس لم تعد صالحة للاستخدام، فيما تُستخدم نسبة أخرى لأغراض غير تعليمية، الأمر الذي يقوّض فرص استمرارية التعليم.
كما أشارت إلى أن نزوح المعلمين خارج البلاد، ونقص الكتب والمواد التعليمية، فاقما من تعقيد المشهد، في وقت اضطر فيه ما يقرب من خمسة ملايين طفل إلى النزوح منذ بداية الحرب، وهو ما تسبب في حرمانهم من التعليم بطرق متعددة، نتيجة انقطاع التواصل مع المدارس والمعلمين وصعوبة الوصول إلى المواد الدراسية. ولفتت إلى أن كلما طال انقطاع الأطفال عن الدراسة، أصبحت عملية سد الفجوة التعليمية أكثر صعوبة.
وحول تأثير الصراع على الوصول إلى مساحات تعليمية آمنة، أوضحت هيندز أن ما يقرب من 6,400 مدرسة مغلقة حاليًا، وأن نحو 11% من المدارس تُستخدم كملاجئ للنازحين، ما يعني أن قرابة نصف المباني المدرسية لم تعد تؤدي دورها التعليمي، وهو ما يشكّل عائقًا كبيرًا أمام حق الأطفال في التعلم.
وفيما يتعلق بوضع الفتيات، أكدت أن المدارس غالبًا ما تشكّل شريان حياة وملاذًا آمنًا للأطفال خلال النزاعات، وأن الانقطاع الطويل عن التعليم يعرّض الفتيات بشكل خاص لمخاطر متزايدة، مثل الزواج المبكر، وعمالة الأطفال، وغيرها من آليات التكيّف الضارة. وأضافت أن المدرسة ليست فقط مكانًا للتعلم، بل فضاءً للأمان واللعب وبناء العلاقات الاجتماعية، وهي عناصر أساسية لمنح الأطفال شعورًا بالحياة الطبيعية.
وعن جهود اليونيسف على الأرض، قالت هيندز إن المنظمة تعمل على عدة مسارات لدعم الأطفال وتمكينهم من العودة إلى التعلم، من بينها إنشاء مساحات تعلم آمنة توفر بيئة منظمة ومحمية، إلى جانب تقديم الدعم النفسي والاجتماعي للأطفال الذين تعرضوا لصدمات قاسية خلال الحرب. وأشارت إلى أن هذه المساحات تساعد الأطفال على التعامل مع التجارب العنيفة التي شاهدوها، مثل فقدان الأحباء أو النزوح القسري، كما تمثل حلقة وصل مع الخدمات الأساسية.
وأضافت أن اليونيسف، بالتعاون مع شركائها، دعمت خلال العام الماضي أكثر من مليوني طفل عبر التعليم الرسمي وغير الرسمي، وساعدت نحو 215 ألف طفل على الالتحاق بمساحات التعلم الآمنة، خاصة في مناطق النزوح الداخلي، إلى جانب توفير المواد التعليمية وتدريب المعلمين.
وشددت على أن الاحتياجات لا تزال هائلة، وأن توسيع نطاق الاستجابة يتطلب عنصرين أساسيين هما الوصول الآمن للأطفال والتمويل المرن، لضمان استمرار تقديم الخدمات المنقذة للحياة.
وعن زيارتها الأخيرة إلى دارفور، قالت هيندز إن الأمل لا يزال حاضرًا في طموحات الأطفال، رغم الظروف القاسية التي يعيشونها، من نقص الغذاء والمياه النظيفة والخدمات الصحية وفرص التعليم. وأضافت أن الكثير من الأطفال ما زالوا يحلمون بأن يصبحوا أطباء أو مهندسين أو معلمين، مؤكدة أن تمسّكهم بالأمل يفرض على الكبار مسؤولية عدم الاستسلام، والدفاع عن حق هؤلاء الأطفال في مستقبل أفضل.
وفي ختام حديثها، دعت هيندز قادة العالم، بمناسبة اليوم الدولي للتعليم، إلى عدم تجاهل ما يحدث في السودان، مؤكدة أن البلاد تواجه أزمة إنسانية ونزوحًا واسع النطاق يهددان مستقبل الأطفال وحقهم في التعليم، وقالت: «من أجل هؤلاء الأطفال، يجب أن نظل يقظين وأن نتخذ إجراءات فعلية، فلا يمكن السماح بضياع مستقبلهم».
