مرارة التجربة: من قاعة الدراسة إلى ساحات السياسة السودانية
بروفيسور/سيف الدين عبد الرحمن يكتب ..
في حياة كل إنسان لحظات صغيرة تُعلِّمه قيمة الصبر وتذوق المرارة، وأحيانًا تكون تجربة بسيطة تجعلك أقرب إلى الفهم العميق للحياة.
جلست الطفلة الصغيرة على مقعدها في المرحلة الابتدائية، والابتسامة لا تفارق وجهها عادة، فهي دائمًا الأولى بتفوق. ولكن ذلك اليوم كان مختلفًا، هفوة صغيرة افقدتها نصف درجة في الامتحان، فحلت في المرتبة الثانية بين زميلاتها. حاولت أن تخفي دموعها، لم تستطع كتم الحزن، فبكت بحرقة.
دخل والدها الفصل، ووقف أمامها مبتسمًا و مداعبًا قال لها بلهجتنا العامية” كدي ضوقي مرة واحدة تجي التانية، شوفيها حارة كيف! و شوفي زميلاتك ديل ضاقوها كم مرة!!” ابتسمت خجلًا، وفهمت أن الانتكاسة ليست نهاية الطريق، بل درس للحياة، يعلمك الصبر وتقدير القمة حين تعود إليها.
هنا درس عميق، بسيط، لكنه يحمل حكمة الحياة. التجربة، ولو لمرة واحدة، تمنحنا فهمًا لمشاعر الآخرين، وتعلّمنا الصبر، وتجعلنا نقدر الإنجاز عندما نعود إلى القمة.
والتجربة نفسها يمكن أن نجد لها انعكاسًا كبيرًا في عالم السياسة، خصوصًا في السودان مثلا الحركة الإسلامية، التي حكمت البلاد لعقود وأقصت القوى السياسية الأخرى، وجدت نفسها بعد ثورة ديسمبر 2018 المجيدة مضطرة لتذوق مرارة التجربة الأخرى، ثلاثة عقود من السيطرة المطلقة على مفاصل السلطة السياسية و المال و ادوات القوة المفرطة للدولة من جيش و كتائب ظل و أخرى كتائب غل لم تمنحها حصانة ضد التغيير، وفجأة وجدت نفسها خارج مركز القرار، مهزومة مكسورة مضطرة لمعايشة تجربة مريرة عاشها الآخرون طويلاً.
كما الطفلة التي تعلمت قيمة الإنجاز بعد أن تذوقت مرارة التجربة، الحركة الإسلامية ليتها تدرك أنه لا يمكن تجاهل صوت الشعب و إلغاء دور الآخرين في المشاركة، و أن التجربة، ولو لمرة واحدة، يجب أن تغيّر فهمها للواقع السياسي والاجتماعي. هذه المرارة ليست عقابًا، بل درسًا مهمًا في عدالة التاريخ و تداول السلطة.
قد تبدو المقارنة بين احساس طفلة صغيرة في فصل دراسي بالمرارة و الألم وساحات العمل السياسي بعيدة، لكنها في جوهرها واحدة، التجربة تمنحنا تقديرًا لما نملكه، وتعلّمنا أن السيطرة المطلقة أو التفوق الدائم ليس ضمانًا للثبات، وأن التغيير سنة كونية، تذوقه و لو لمرة واحدة، يفتح لنا أبوابًا جديدة للفهم والنضج.
السودان اليوم يكتب فصلاً جديدًا في تاريخه، حيث يجب أن تتعلم جميع القوى السياسية دروسا من الثورة و التغيير و الحرب، تمامًا كما تتعلم الطفلة الصغيرة أن المرتبة الثانية، رغم مرارتها، جزء من رحلة النجاح. و ربما، كما تقول الحكمة البسيطة “مرارة اليوم هي حلاوة الغد”، و فهم درس اليوم هو درع المستقبل.
