هدنة بلا ضمانات؟ قراءة استراتيجية في المبادرة الأمريكية تجاه السودان
نبض قلم
عادل تاج الدين جار النبي يكتب ..
مع اقتراب الحرب في السودان من عامها الثالث، تعود الولايات المتحدة إلى واجهة المشهد بمبادرة جديدة، في محاولة لوقف نزاع طال أمده واستنزف الدولة والمجتمع معًا. المقترح، الذي طُرح بتنسيق أمريكي–سعودي، يقوم على هدنة إنسانية عاجلة، تراها واشنطن مدخلًا ضروريًا لخفض التصعيد واحتواء كارثة إنسانية تتفاقم يومًا بعد يوم.
تدعو المبادرة إلى وقف فوري لإطلاق النار بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، مع ضمان فتح ممرات آمنة لإيصال المساعدات وحماية المدنيين في مناطق النزاع. ووفق الرؤية الأمريكية، لم يعد التركيز على الحسابات العسكرية مقبولًا في ظل انهيار الخدمات، واتساع رقعة النزوح، وتحول المعاناة اليومية إلى واقع دائم لملايين السودانيين. غير أن هذا الطرح الإنساني، على أهميته، يصطدم بسؤال جوهري: هل تكفي الهدنة وحدها لتغيير مسار حرب باتت محكومة بمنطق الاستنزاف؟
المقترح لا يكتفي بالشق الإنساني، بل يعيد طرح معادلة سياسية مألوفة بصيغة أكثر حذرًا: تهدئة عسكرية قصيرة الأجل تفتح الباب لمسار سياسي أطول، يقود في نهايته إلى عودة الحكم المدني. ترى واشنطن أن أي وقف لإطلاق النار، إذا لم يُربط بأفق سياسي واضح، سيظل مجرد استراحة مؤقتة في حرب مفتوحة. غير أن هذه الرؤية تصطدم بواقع ميداني ينظر فيه أطراف الصراع إلى السياسة باعتبارها امتدادًا للقوة، لا بديلًا عنها.
حتى الآن، جاءت ردود الفعل متحفظة. قيادات الجيش تشير إلى أنها تدرس المقترح دون التزام صريح، فيما تبدي قوات الدعم السريع استعدادًا مشروطًا للتعامل مع الترتيبات الإنسانية. لكن تجارب الهدن السابقة، التي انهارت سريعًا تحت ضغط الخروقات المتبادلة، جعلت الشارع السوداني أكثر تشككًا وأقل ثقة في أي مبادرة جديدة. فجوة الثقة، المتراكمة عبر محطات فشل متتالية، باتت عنصرًا حاسمًا في تقييم فرص نجاح أي مسعى دبلوماسي.
إقليميًا، يعكس التحرك الأمريكي قلقًا متزايدًا من تحوّل الحرب السودانية إلى عامل عدم استقرار عابر للحدود. فاستمرار القتال لم يعد شأنًا داخليًا فحسب، بل بات يهدد أمن البحر الأحمر والقرن الإفريقي، عبر موجات نزوح متصاعدة، وانتشار للسلاح، وتشابك مصالح إقليمية ودولية متعارضة. في هذا السياق، تبدو المبادرة محاولة لضبط تداعيات الحرب بقدر ما هي سعي لإنهائها.
في المقابل، يرى منتقدو المقاربة الأمريكية أن واشنطن ما زالت تراهن على أدوات ضغط محدودة، في مواجهة حرب تحكمها شبكات مصالح واقتصاد صراع معقّد. ويخشى هؤلاء أن تتحول الهدنة المقترحة إلى خطوة تكتيكية قصيرة العمر، تُخفف الضغوط الإنسانية دون أن تمس جذور الأزمة السياسية والعسكرية.
ومع ذلك، يبقى للمدنيين حساب مختلف. فبالنسبة لمن يعيشون تحت القصف أو في مخيمات النزوح، حتى هدنة بلا ضمانات قد تعني فرصة لالتقاط الأنفاس أو إنقاذ حياة. وبين هذا الأمل الهش وواقع حرب لا ترحم، يقف السودان مرة أخرى أمام مفترق طرق: إما أن تتحول المبادرة الأمريكية إلى مدخل لمسار أكثر واقعية، أو أن تنضم إلى قائمة الفرص الضائعة في تاريخ بلد أنهكته الصراعات وتعددت عليه الوعود.
