حوكمة “ممرات التنمية حول المدن المنتجة”: من الرؤية الاقتصادية إلى العمارة المؤسسية عبر مستويات الحكم
استعرضنا في المقال السابق جدوى ممرات التنمية الزراعية-الصناعية حول المدن المنتجة كإطار عملي لإعادة بناء الاقتصاد السوداني بعد الحرب، وتحقيق التحول الهيكلي، ومعالجة اختلالات التنمية الجهوية المتراكمة(1). غير أن نجاح هذا النموذج لا يتوقف على وفرة الموارد أوسلامة التصميم الفني وحدها، بل يتطلب – بالدرجة الأولى – بناء منظومة حوكمة فعّالة قادرة على تنسيق مستويات الحكم المختلفة، وتمكين الشراكة بين القطاع الخاص والمنتجين الصغار، وربط الزراعة بالصناعة والخدمات والبحث العلمي والتمويل والتسويق في إطار سلاسل قيمة متكاملة.
أولاً: ممرات التنمية كأداة للشرعية الاقتصادية
في هذا السياق، تكتسب ممرات التنمية بعداً يتجاوز كونها سياسة قطاعية أو حتى استراتيجية تنموية، لتغدو أداة مركزية لبناء ما أسميته في مقال سابق بـ”الشرعية الاقتصادية”(2). فالالتزام الجاد من قبل النُّخَب الحاكمة بتنفيذ مشاريع تنموية واسعة الأثر – تُحسِّن الدخول، وتخلق فرص العمل، وتُخرج الأقاليم من دائرة التهميش – يشكّل مصدراً مباشراً للمقبولية الشعبية، بوصف الشرعية الاقتصادية صِنواً للشرعية الثورية في المراحل الانتقالية، ومُعزِّزةً للشرعية الانتخابية في المراحل اللاحقة.
غير أن هذه الشرعية لا تُكتسب عبر الإعلان عن مشاريع طموحة فحسب، بل عبر القدرة المؤسسية على التنفيذ. فممرات التنمية، بحكم طبيعتها العابرة للقطاعات والمناطق، تفرض نمطاً جديداً من الحكم يقوم على التخطيط الاستراتيجي والتمويل على مستوى الحكومة الاتحادية، بقيادة وزارة المالية والتخطيط الاقتصادي، وعلى التنسيق الأفقي بينها وبين الوزارات القطاعية ذات الصلة، والعمودي بين المستوى الاتحادي والأقاليم والمحليات، إلى جانب شراكات وثيقة مع الفاعلين الاقتصاديين. وعليه، فإن فشل الحوكمة لا يقوّض الأثر الاقتصادي للممرات فحسب، بل يهدد أيضاً رهان الشرعية بحد ذاته.
ثانياً: مستويات الحكم ودور المحليات في المدن المنتجة
تُظهر أطروحتى حول الفيدرالية التنموية(3) أن نموذج الحكم القائم على ولايات ضعيفة مالياً ومجزأة إدارياً يشكل عائقاً بنيوياً أمام أي مشروع تنموي جاد. وفي المقابل، فإن الانتقال إلى ثلاث مستويات واضحة للحكم – اتحادي، إقليمي، ومحلي حول المدن المنتجة – يوفر الأساس المؤسسي الضروري لنجاح ممرات التنمية. في هذا الإطار، لا تكون المحليات مجرد وحدات خدمية هامشية، بل تتحول إلى شريك محوري في حوكمة الممرات. فهي الأقرب للمنتجين، والأقدر على تنسيق استخدامات الأراضي، وتنظيم الأسواق المحلية، وتسهيل النفاذ إلى البنية التحتية، وضمان مواءمة الاستثمارات مع الأولويات التنموية للمجتمعات المحلية. كما أن تمكين المحليات مالياً وإدارياً – في إطار فيدرالية مالية شفافة – يسهم في تقليص فجوة الثقة بين الدولة والمواطنين، ويحول المدن المنتجة إلى مراكز حقيقية للتنمية القاعدية.
في هذا السياق، من المهم التمييز بوضوح بين فكرة المدن المنتجة كما نطرحها هنا، وبين نمط المدن البيروقراطية الريعية التي توسعت تاريخياً في السودان وغيره من البلدان النامية بوصفها نتاجاً مباشراً للتحيز الحضري، وتمركز الوظائف الحكومية والخدمات الإدارية، وانفصال المدينة عن محيطها الريفي. فالمدن البيروقراطية تنمو عبر سحب الموارد البشرية والمالية من الريف دون إعادة إنتاجها، وتكرّس ازدواجية ريف-مدينة مختلة، حيث يتحول الريف إلى خزان فقر وهجرة، بينما تصبح المدينة فضاءً استهلاكياً طفيلياً ضعيف الإنتاجية.
أما المدن المنتجة في إطار ممرات التنمية، فهي على النقيض من ذلك تماماً: تزدهر لا باعتبارها بديلاً عن الريف، بل باعتبارها امتداداً عضوياً له، ومركزاً لتجميع القيمة المضافة المتولدة من نشاطه الزراعي والرعوي. فالمدينة المنتجة تقوم بوظيفة تنسيقية واقتصادية محورية داخل الممر، حيث تحتضن الصناعات التحويلية، والخدمات اللوجستية، وأنشطة التخزين والتبريد، والتعبئة والتسويق، إضافة إلى الخدمات المالية، والبحث والإرشاد الزراعي، والتدريب المهني. وبهذا المعنى، فإن توسع المدينة لا يكون على حساب الريف، بل عبر تعميق التكامل معه ورفع إنتاجيته ودخوله.
وتكتسب هذه المقاربة أهمية خاصة في السياق السوداني بالنظر إلى الطابع الموسمي للنشاط الزراعي. إذ تتيح ممرات التنمية حول المدن المنتجة استيعاب العمالة الزراعية في المصانع والخدمات المرتبطة بسلاسل القيمة خلال الفترات الواقعة بين المواسم، بما يحد من ظاهرة التعطل القسري للمزارعين التي تمتد في كثير من المناطق ستة أو سبعة أشهر بعد الحصاد وحتى بداية الموسم الزراعي التالي. وعليه، لا تعالج المدن المنتجة فقط اختلالات التوظيف والدخل، بل تخلق نمطاً أكثر استقراراً للمعيشة الريفية-الحضرية، يعزز الإنتاجية الكلية للعمل، ويكسر الحلقة التقليدية للفقر والهجرة القسرية، ويحوّل الممرات التنموية إلى فضاءات ديناميكية للتشغيل والنمو المتوازن.
ثالثاً: تشبيك القطاع الخاص وصغار المنتجين عبر سلاسل القيمة
أحد الدروس المركزية من التجارب الدولية هو أن ممرات التنمية لا تنجح عبر الاستثمارات الكبرى وحدها، بل عبر دمج صغار المزارعين والرعاة في سلاسل قيمة منظمة. ويتطلب ذلك نماذج مؤسسية مبتكرة – كالزراعة التعاقدية، والتعاونيات الحديثة، وشركات الخدمات الزراعية – تربط المنتجين بالتصنيع، والتمويل، والتخزين، والنقل، والتسويق.
في هذا السياق، يضطلع القطاع الخاص بدور محوري، ليس كمستثمر فقط، بل كشريك في نقل التكنولوجيا، وضمان الجودة، وفتح الأسواق. غير أن هذا التشبيك لا يحدث تلقائياً؛ بل يحتاج إلى دولة ناظمة تضع الأطر التنظيمية، وتستثمر في البنية التحتية المشتركة، وتدعم الجامعات ومراكز الأبحاث وخدمات الإرشاد الزراعى، وتوفر أدوات تمويل مناسبة، خاصة لصغار المنتجين الذين يشكلون العمود الفقري للاقتصاد الريفي.
رابعاً: الحوكمة المتكاملة شرط التحول الهيكلي
إن جوهر ممرات التنمية يتمثل في قدرتها على كسر العزلة التقليدية بين القطاعات: ربط الزراعة بالصناعة التحويلية، والخدمات اللوجستية، والبحث العلمي، والتقنيات الحديثة، والأسواق المحلية والإقليمية. وهذا التشابك لا يمكن تحقيقه في ظل حوكمة مجزأة أو مركزية مفرطة، بل يتطلب عمارة مؤسسية جديدة تُدار فيها الممرات كفضاءات اقتصادية متكاملة، ذات آليات واضحة لاتخاذ القرار، وتوزيع الأدوار، والمساءلة.
فمثلاً، بالنظر إلى إفرازات الحرب في السودان، تفاقمت ظواهر بنيوية موجودة أصلاً تهدد أسس الإنتاج الزراعي والاستقرار الاجتماعي في الأقاليم، من أبرزها تمدد مساحات الرعي على حساب الأراضي الزراعية في ظل انهيار سلطة الدولة، وتفكك منظومات التخطيط واستخدامات الأراضي، وغياب آليات الضبط المحلي. وقد أدى هذا التمدد غير المنظم إلى تصاعد الاحتكاكات بين المزارعين والرعاة، وتحوّل نزاعات الموارد التقليدية إلى صراعات مفتوحة ذات طابع قبلي مسلح، ما يهدد إمكانات التعافي الاقتصادي، ويقوض فرص نجاح ممرات التنمية حول المدن المنتجة.
في هذا السياق، يكتسب دور الإدارات الأهلية أهمية متجددة، لا بوصفها بديلاً للدولة، بل كشريك مجتمعي أصيل في إعادة بناء الحوكمة المحلية للأرض والموارد. فالإدارات الأهلية، بحكم معرفتها التاريخية بالمسارات، والحواكير، وأعراف التعايش بين الكيانات القبلية، تمتلك أدوات فعّالة لفض النزاعات، وتنظيم الرعي الموسمي، وإعادة إحياء آليات التنسيق بين النشاطين الزراعي والرعوي. غير أن تفعيل هذا الدور يتطلب إدماجه مؤسسياً ضمن إطار واضح للتنسيق مع الحكومات المحلية على مستوى محليات المدن المنتجة، ومع حكومات الأقاليم، بحيث تُستعاد وظيفة التخطيط التشاركي لاستخدامات الأراضي، وتُربط الأعراف المحلية بالقوانين الحديثة وسياسات التنمية.
وعليه، فإن حوكمة ممرات التنمية في مرحلة ما بعد الحرب تستدعي بناء منصات تنسيق ثلاثية تجمع بين المحليات، والإدارات الأهلية، وحكومات الأقاليم، بهدف إدارة موارد الأرض والمياه بصورة تعاونية، وتحويل بؤر الصراع إلى مجالات للتكامل الإنتاجي. ومع تطور ممرات التنمية بمرور الزمن، يُنتظر أن يترافق ذلك مع توسعٍ تدريجي في أنماط تربية الحيوان الحقلية المستقرة وشبه المستقرة المرتبطة بسلاسل القيمة الزراعية-الصناعية، بما يقلل الاعتماد على الرعي التقليدي واسع الحركة، ويحدّ من التنافس المحموم على الأرض والمياه بين المزارعين والرعاة. فنجاح المدن المنتجة لا يتوقف فقط على تشبيك الزراعة بالصناعة والخدمات، بل أيضاً على إعادة تأسيس التعايش السلمي بين المزارعين والرعاة، باعتباره شرطاً ضرورياً للاستقرار الاجتماعي، واستدامة الاستثمار، وبناء الثقة المجتمعية التي تشكل القاعدة الصلبة لأي نهضة تنموية حقيقية في السودان ما بعد الحرب.
خامساً، تجارب دولية في حوكمة الممرات التنموية حول المدن المنتجة وتنسيق مستويات الحكم
تُظهر التجارب الدولية الناجحة أن ممرات التنمية حول المدن المنتجة لا تنشأ تلقائياً بفعل قوى السوق وحدها، بل تُبنى عبر هندسة مؤسسية دقيقة تنسق بين مستويات الحكم المختلفة – المركزي، والإقليمي، والمحلي – وتُعيد تعريف أدوار كل منها في التخطيط والتنفيذ والمساءلة. ويُعد هذا التنسيق شرطاً حاسماً لتحويل الممرات من مشاريع بنية تحتية أو استثمارية معزولة إلى فضاءات اقتصادية متكاملة وعابرة للقطاعات.
أ. فيتنام – الممرات الصناعية-الزراعية ونموذج اللامركزية المنضبطة: في فيتنام، شكّلت الممرات التنموية المرتبطة بالمدن الصناعية والزراعية – خاصة في دلتا النهر الأحمر ودلتا الميكونغ – رافعة أساسية للتحول الهيكلي. وقد نجح هذا النموذج بفضل تقسيم واضح للأدوار: حيث يحتفظ المستوى المركزي بوضع الرؤية الاستراتيجية والسياسات الكلية، بينما تتولى الحكومات الإقليمية (المقاطعات) تخطيط المناطق الاقتصادية والممرات، وتضطلع الحكومات المحلية بدور محوري في تخصيص الأراضي، وتنظيم الأسواق، وربط صغار المنتجين بسلاسل القيمة. ويُلاحظ أن المدينة في هذا السياق لم تكن بديلاً عن الريف، بل مركزاً لتجميع القيمة المضافة الزراعية، ما خفف الهجرة القسرية ورفع إنتاجية العمل الريفي.
ب. الصين – الممرات الحضرية-الريفية وتكامل التخطيط الإقليمي: اعتمدت الصين نهجاً متدرجاً في بناء الممرات التنموية حول المدن، خاصة في أقاليم الساحل الشرقي ثم في الداخل. ويقوم هذا النموذج على تحالف تنموي بين الحكومات المحلية والقطاع الخاص، حيث تتمتع الحكومات المحلية بصلاحيات واسعة في التخطيط، وتعبئة الأراضي، وتوفير البنية التحتية، في إطار توجيه استراتيجي صارم من المركز. وقد سمح هذا النموذج بربط المدن الصناعية بالريف المحيط عبر ممرات لوجستية وزراعية، واستيعاب فائض العمالة الزراعية في الصناعات والخدمات خلال الفترات غير الزراعية، ما أسهم في تقليص البطالة الموسمية وتعزيز الاستقرار الاجتماعي.
ت. إثيوبيا – الممرات الزراعية-الصناعية وحدود المركزية: تمثل تجربة إثيوبيا مثالاً مهماً لدولة أفريقية سعت إلى بناء ممرات تنمية زراعية-صناعية حول مدن متوسطة (مثل أداما، ديري داوا، بحر دار). وقد لعبت الحكومة الفيدرالية دوراً قيادياً في التخطيط والاستثمار، بينما تولت الأقاليم التنفيذ الجزئي. ورغم النجاحات في جذب الاستثمار الصناعي وربط الزراعة بالتصنيع، أظهرت التجربة أن ضعف تمكين المستويات المحلية حدّ من استدامة بعض الممرات، خاصة فيما يتعلق بإدارة الأراضي، واحتواء النزاعات المجتمعية، ودمج صغار المنتجين. وتبرز هنا أهمية التوازن بين القيادة المركزية والحوكمة المحلية التشاركية.
ث. البرازيل – الأقاليم المنتجة والحوكمة التشاركية متعددة المستويات: في البرازيل، ارتبطت الممرات الزراعية-الصناعية (خاصة في وسط البلاد وجنوبها) بنموذج الفيدرالية التعاونية، حيث تتقاسم الحكومة الاتحادية، والولايات، والبلديات أدوار التخطيط والتمويل والتنفيذ. وقد أتاح هذا النموذج للبلديات – بوصفها المستوى الأقرب للمنتجين – دوراً محورياً في ربط الزراعة بالصناعة الغذائية والخدمات اللوجستية، وفي إدارة التوسع الحضري بما يخدم الريف المحيط. وأسهم هذا التكامل في خلق مدن منتجة لا تقوم على التحيز الحضري، بل على تعميق الروابط الاقتصادية والاجتماعية مع محيطها الزراعي.
سادساً، دروس مستفادة للسودان
تتقاطع هذه التجارب في ثلاث خلاصات أساسية ذات صلة مباشرة بالسودان ما بعد الحرب:
لا ممرات تنموية دون حوكمة متعددة المستويات: التخطيط المركزي ضروري للرؤية والتنسيق، لكنه غير كافٍ من دون تمكين فعلي للأقاليم والمحليات.
المحليات حول المدن المنتجة هي قلب الحوكمة التنفيذية: دورها حاسم في إدارة الأراضي، وتنظيم الأسواق، وفض النزاعات، وتشبيك المنتجين بسلاسل القيمة.
المدينة المنتجة تنمو مع ريفها لا على حسابه: استيعاب العمالة الزراعية في الصناعة والخدمات خلال الفترات الموسمية يمثل ركيزة للاستقرار الاجتماعي والنمو الشامل.
وعليه، فإن استلهام هذه التجارب لا يعني نقل نماذج جاهزة، بل توظيف منطقها المؤسسي لبناء حوكمة سودانية لممرات التنمية تستند إلى الفيدرالية التنموية، وتعيد تعريف العلاقة بين الدولة، والمجتمع، والاقتصاد، في إطار مشروع وطني للنهضة ما بعد الحرب.
خاتمة
في المحصلة، يبيّن هذا المقال أن ممرات التنمية حول المدن المنتجة ليست مجرد خيار تخطيطي أو برنامج استثماري قطاعي، بل تمثل إطاراً بنيوياً لإعادة بناء الدولة والاقتصاد والمجتمع معاً في السودان ما بعد الحرب. فجوهر هذه المقاربة لا يكمن فقط في ربط الزراعة بالصناعة والخدمات، وإنما في إعادة صياغة علاقة الدولة بالأقاليم، والمدينة بريفها، والقطاع العام بالقطاع الخاص، على أساس الإنتاج، والتكامل، والعدالة الجهوية.
لقد أوضحنا أن نجاح ممرات التنمية مرهون بوجود حوكمة متعددة المستويات، قوامها قيادة مركزية استراتيجية، وأقاليم قادرة على التخطيط والتنسيق، ومحليات ممكّنة حول المدن المنتجة تؤدي دورها كشريك تنموي لا كوحدة إدارية هامشية. كما بيّنا أن تمييز المدن المنتجة عن المدن البيروقراطية الريعية يمثل شرطاً حاسماً لكسر التحيز الحضري التاريخي، وتحويل التوسع الحضري من عبء على الريف إلى رافعة لرفع إنتاجيته واستقرار مجتمعاته.
وفي ظل إفرازات الحرب، وما أفرزته من فوضى في استخدامات الأراضي وتصاعد نزاعات الموارد بين المزارعين والرعاة، تبرز الحاجة الملحّة إلى حوكمة تشاركية تدمج الإدارات الأهلية في إطار مؤسسي واضح، بالتنسيق مع المحليات وحكومات الأقاليم، لإدارة الأرض والمياه، وفض النزاعات، وإعادة تأسيس التعايش والتكامل الإنتاجي. فبدون استقرار اجتماعي محلي، لا يمكن لأي ممر تنموي أن يستدام أو يجذب استثماراً طويل الأجل.
كما تُظهر التجارب الدولية التي استعرضناها أن الممرات التنموية الناجحة لم تُبنَ بنقل نماذج جاهزة، بل عبر مواءمة ذكية بين السياق المحلي ومنطق الحوكمة الاقتصادية، وهو الدرس الأهم للسودان. فالمطلوب ليس استنساخ تجربة فيتنام أو الصين أو البرازيل، بل بناء نموذج سوداني أصيل يستند إلى الفيدرالية التنموية، ويُحوِّل التنوع الجغرافي والاجتماعي من مصدر صراع إلى رصيد للنمو.
وعليه، فإن ممرات التنمية حول المدن المنتجة تمثل إحدى الركائز العملية لبناء الشرعية الاقتصادية كقاعدة لعقد اجتماعي جديد، يعيد الثقة بين الدولة والمجتمع، ويضع السودان على مسار تحول هيكلي طويل النفس، يخرج به من الحلقة المفرغة للحرب، والهشاشة، والاقتصاد الريعي، إلى آفاق دولة منتجة، عادلة، وقادرة على استدامة السلام والتنمية.
————————-
أنظر مقالى الموسوم ” مشروع نهضة السودان: ممرات النمو الزراعي-الصناعي حول المدن السودانية المنتجة”: https://alghadalsudani.com/22593/
أنظر مقالى الموسوم “الشرعية الاقتصادية: ما هى ولماذا الحاجة إليها من أجل مخاطبة جذور أزمة المشروع الوطنى السودانى ؟”: https://alghadalsudani.com/17498/
أنظر مقالى الموسوم ” نحو فيدرالية تنموية على أساس الأقاليم ومحليات “المدن المنتجة: لماذا الحاجة إلى إلغاء الولايات؟”: https://alghadalsudani.com/18010/
