كيف تشارك أمعاؤنا في اتخاذنا للقرارات اليومية وتكوين شخصياتنا؟
دكتور مصطفى خالد مصطفى يكتب ..
من بين كل مخلوقات الطبيعة ظلّ الإنسان هو الكائن الوحيد القابل للسمنة، لم نر طائرًا مترهّل البطن ولا قطًا دمّرت رشاقتَه الدهونُ المفرطة، ولا حتى المخلوقات الكبيرة التي خُلقت أصلاً على هيئتها تلك كالفيلة وأفراس النهر والحيتان، إذ لم نرها يومًا تتورّم بفعل العادات الغذائية، لأنها تتعامل مع الطعام كغريزة بقاء لا كترف يومي. وحدنا نحن البشر غيّرنا علاقتنا بالغذاء، حولناه من ضرورة إلى عادة، إلى طقس اجتماعي ووسيلة تعويض نفسي.
أقول، لو أخذنا لقطة بانورامية عبر تاريخ الجسد البشري سنلاحظ أن هذا الجسد لم يكن دائمًا بهذا الامتلاء. إنسان العصر الحجري عاش قرونًا طويلة وهو يأكل ما يتوفر في بيئته المباشرة: لحم الصيد، الخضروات البرية، الجذور، والثمار الموسمية. لم تكن هناك معكرونات ولا معجنات ولا سكر، ولا طعام محفوظ ينتظر. الأكل لم يكن متاحًا دائمًا هكذا، ولم يكن قرارًا مزاجيًا بل نتيجة جهد وخروج ومخاطرة. كان الإنسان يخرج للصيد، وقد يعود بغنيمة أو يعود خالي الوفاض وفي الحالتين يتكيف الجسد. تشير الدراسات الأنثروبولوجية إلى أنه لم يكن يأكل ثلاث وجبات يوميًا، بل قد يمر يوم أو يومان، وربما أكثر، دون طعام وفير، ثم يأكل حين يتوفر الصيد. كان الصيام جزءًا طبيعيًا من الحياة، لا نظامًا علاجيًا ولا ممارسة واعية، بل إيقاعًا فطريًا. الجسد كان يعرف الجوع كما يعرف الشبع، ويتنقل بينهما دون فزع، فيحرق قبل أن يخزن، ويتأقلم بدل أن يترهل. لم يكن هناك خوف من الجوع، لأن الطعام لم يكن مفصولًا عن الحركة أو عن الزمن.
هذا الإيقاع البدائي صنع جسدًا صحيحًا ووعيًا مختلفًا. جسدًا يعمل كما صُمم له، ووعيًا لا يبحث عن الطعام بوصفه مكافأة نفسية أو ملجأً عاطفيًا. وحين نقارن ذلك بإنسان اليوم، الذي ينتقل من السرير إلى الكرسي إلى السيارة، ثم إلى سوبرماركت مليء بالطعام الجاهز، نفهم كيف انقلبت المعادلة. الصيد تحوّل إلى رفوف في سوق الهمبرغر وطغيان رأس المال، والانتظار تحوّل إلى عجالة، و إرهاصات الجوع استحالت إشارات خطر يجب إسكاتها فورًا.
مع دخول عصر السرعة والتكنولوجيا وهيمنة رأس المال على الغذاء و”الدواء”، بدأنا ننتفخ ونتورّم. صرنا نأكل لأن الساعة قالت حان الوقت (الفطور، الغداء، العشاء)، لا لأن الجسد طلب ذلك. من أين جاءت فكرة الوجبات الثلاث أصلاً؟ ومتى صار الامتلاء قاعدة في بيوتنا والمناسبات؟ ومتى أصبحت السكريات والنشويات هي أساس اليوم الغذائي بعد أن كانت هامشًا نادرًا؟ لنضع هذا التغير الغذائي جنبًا بجنب مع فهرست الأمراض في عصرنا والعصر الحجري. في تحديث جديد صدر بداية هذا العام لدليل الإرشادات الغذائية ٢٠٢٥ – ٢٠٣٠، عدّل كلٌّ من وزارة الزراعة الأمريكية ووزارة الصحة والخدمات الإنسانية الأمريكية الهرمَ الغذائي التقليدي القديم رأسًا على عقب (والذي وضعوه هم أيضًا)؛ أصبح البروتين (لحوم، دواجن، أسماك، بيض، جبن) والخضار والألبان الكاملة الدسم في القمة، بينما الحبوب الكاملة والدقيق صارت في الأسفل بكميات أقل. ركّز التحديث على تقليل السكر المضاف والأطعمة المعالجة، مع تشجيع تناول الطعام الطبيعي الكامل. باختصار، العودة للأكل الحقيقي كما كان عليه أسلافنا قديماً.
أقول، رغم أنني درست الطب سنوات، لم أفهم جسدي حقًا إلا حين اضطررت إلى الإنصات له، لا كطبيب بل كإنسان عانى من السمنة المفرطة. هناك أدركت كيف لا تؤثر السمنة على الجسد وحده، بل تمتد إلى المزاج والنوم والتركيز، وتخلق حالة عامة من الخمول والوهن يصعب تفسيرها بلغة التحاليل وحدها. ذات مرة، وأنا أقيس ضغط دمي، فاجأتني الأرقام، وكانت رسالة واضحة بأن ما أعانيه من أعراض هو رسائل وإنذارات لاختلال أعمق وليست هي المشكلة الأساسية. (بعد فقدان ١٧ كجم من وزني دهشني عودة الضغط إلى القراءات الطبيعية دون حبة علاج واحدة، وكيف تغيرت مستويات التفكير والطاقة والنشاط عندي).
مع تركيز اهتمام اطلاعي في الفترة الماضية على السمنة والغذاء تبيّن لي أن القضية أعمق من السعرات والحركة، وأن أهم ما يحتاج إلى الانتباه هو ذلك النظام الخفي الذي ينظم كل شيء دون أن نراه. يشرح الطبيب الكندي جيسون فنغ في كتابه شيفرة البدانة أن السمنة ليست فشلًا أخلاقيًا ولا ضعف إرادة، بل خللًا في طريقة تنظيم الجسد للطاقة. فالجسد حين يُجبر على إنقاص الوزن بوسائل سريعة لا يرى في ذلك شفاءً، بل تهديدًا، فيُبطئ استهلاكه للطاقة ويستميت في استعادتها لاحقًا، ولهذا يعود الوزن غالبًا مضاعفًا، لا عنادًا، بل دفاعًا عن توازن مختل. ويلخّص أن الحل المنطقي للغز البدانة هو أن الجسم البدين سلفًا في حالة التهاب مزمن بسبب عادات الجهاز الهضمي الغذائية، هذا الالتهاب يولّد خللاً مباشرًا في كل المنظومة الهرمونية في شبكات أعضائنا الداخلية – خصوصًا الإنسولين هرمون البناء – مما يؤدي إلى تفعيل وضعية “الطوائ” فيقوم الجسم بتخزين الدهون خارجيًا وحَشَويًا ومن ثم يأتي: ارتفاع الضغط (ارتفاع
الكورتيزول) السكري (مقاومة الخلايا للإنسولين) الغدة الدرقية (اختلالات الغدة الصنوبرية) و انخفاض الكفاءة الجنسية (اعتلالات هرمونات الذكورة والأنوثة)، الاكتئاب والخمول (انخفاض هرمونات السعادة)، بهذه التوضيحات الفيزيولوجية والباثولوجية يتضح جليًا أن زر التحكم في اجسادنا هو جهازنا الهضمي لا الدماغ. وعليه إذا أردنا التخلص من السمنة نهائيًا فيجب وضع حد لحالة الطوارئ (الالتهابات المزمنة) هذه.
ولا يتوقف أثر هذا الخلل عند الشكل الخارجي، بل يمتد ليطال وعينا نفسه. لم يعد الجهاز الهضمي مجرد منظومة لهضم الطعام، بل شريكًا خفيًا في صياغة المزاج والانتباه والقرارات اليومية. في أمعائنا يعيش عالم كامل من الكائنات الدقيقة، يتواصل مع الدماغ عبر محور معقد، فيؤثر في الإحساس بالرضا، والاستجابة للضغط، وحتى الميل لاختيار الحلول السريعة بدل المتزنة. وحين تختل هذه البيئة بسبب الإفراط في الأكل، وسوء النوم، والتوتر المزمن، لا يتأثر الجسد وحده، بل يتشوّش القرار نفسه.
حين يختل هذا الحوار الداخلي، يصبح الجوع ملتبسًا، والشبع غامضًا، والرغبة أقوى من الحاجة، وكأن القرار لا يصدر بالكامل من وعينا الواعي، بل من شبكة داخلية تبحث عن توازن مفقود. هنا نفهم لماذا يصاحب اضطراب الأكل قلق غير مبرر، وضباب ذهني، وفقدان دافعية، ولماذا تتغير شخصية البعض مع تحسن نظامهم الغذائي وإيقاع حياتهم.
المعدة بيت الداء والدواء، وقد قال النبي محمد ﷺ: “ما ملأ آدميٌّ وعاءً شرًا من بطنه” ، لم يكن ذلك قولًا وعظيًا مجردًا ، بل قاعدة حياة كاملة. فالعلاقة مع الطعام هي في جوهرها علاقة مع النفس، ومع الانضباط، ومع القدرة على التوقف قبل الامتلاء (نحن قوم لا نأكل حتى نجوع وإذا أكلنا لا نشبع). واليوم، تعود الحكمة القديمة لتجد سندها في العلم، حين يتضح أن كثيرًا من اضطرابات الجسد والعقل قد تبدأ من الداخل.
الفم، ذلك المدخل الصغير، ليس مجرد بوابة للأكل، بل نقطة البداية لمعظم اختلالاتنا الحديثة؛ منه يبدأ الإفراط، ومنه تتشكل العجلة، ومنه يبدأ الصراع الصامت بين ما نريده فورًا وما يحتاجه الجسد فعلًا. وربما كانت أول خطوة حقيقية نحو الصحة ليست حمية جديدة ولا نظامًا صارمًا، بل إعادة تعلّم الإصغاء، والتباطؤ، واستعادة شيء من حكمة إنسان العصر الحجري الذي كان يأكل حين يحتاج، ويتوقف حين يكفي، ويترك لجسده أن يعمل كما خُلق له.
في الأخير، السمنة لا إشكال فيها بالنسبة لي إذا كانت تباينًا في الشكل فقط، لكنها، وهي تمتد لتطال كل جهاز في جسمنا وتؤثر على شخصياتنا ومزاجنا وتهدد صحتنا، فهي بذلك تحتاج إلى وقفة صامة وجردٍ شامل.
