حين يهدأ القلب يبصر

نبض قلب

إسراء الشيخ عبودي ..

فسلامًا على فؤادي المتعب حتى يطمئن،
وعلى بالي القَلِق حتى يهدأ،
وعلى روحي حتى تكتفي بأن الله كاف
وعلى بصيرتي حتى تُضاء بنور الله

في متاهات الأيام وزحامها، نظنّ أن النجاة في السرعة، وأن البركة تُدرك باللحاق، وأن الطمأنينة تُنتزع انتزاعًا من بين أنياب القلق. نمضي مسرعين، نحمل أعمارنا على أكتافنا كحِملٍ ثقيل، وننسى أن الله لم يخلق القلوب لتُرهق، بل لتسكن.

حين يتعب القلب، لا يطلب ضجيجًا جديدًا، بل يبحث عن مساحة صمتٍ تليق به.
الصمت ليس فراغًا، بل امتلاء خفيّ، تُعاد فيه ترتيب العلاقة بين العبد ونفسه، وبين النفس وربّها. ففي لحظات السكون، تتعرى هشاشتنا دون خجل، ونُدرك أننا كنّا أقوى ادّعاءً من الحقيقة.

نكتشف، متأخرين ، أن أكثر ما أنهكنا لم يكن ثقل البلاء، بل سوء فهمه. لم تكن المصائب أقسى مما نحتمل، لكننا بالغنا في مقاومتها بدل أن نُسلّمها لله. اعتقدنا ان بأيدينا الحلول واكتشفنا ان التسليم ليس استسلامًا، بل فِقه عميق بأن التدبير الإلهي أوسع من ضيق رؤيتنا، وأرحم من خوفنا.

كم مرة حسبنا التأخير حرمانًا، وهو في حقيقته نجاة؟
وكم مرة بكينا على بابٍ أُغلق، غير مدركين أن الله أغلقه لأن خلفه ما لا يُشبهنا، ولا يليق بنقائنا، ولا يحتمل ضعفنا. نحن لا نرى إلا خطوة واحدة، بينما يُدبّر الله الطريق كاملًا، بتفاصيله الصغيرة، بخطواتنا، بانكساراته الضرورية، وبجبره المؤجَّل.

في التأمل، نتعلّم أن نُخفف قبضة التعلّق. أن نُحب دون امتلاك، ونرجو دون لهاث، وننتظر دون اعتراض. نُدرك أن بعض الدعوات لا تُستجاب فورًا، لأنها تحتاج قلبًا أنقى ليستقبلها، أو وقتًا أصدق ليحتملها. فالله لا يمنع عنا الخير، لكنه يعلّمنا كيف نكون أهلًا له.

وحينما يهدأ القلب، يسمع النداء الذي ضاع وسط الصخب:
أن ارجع إلى نفسك، لا لتُحاسبها بقسوة، بل لتفهمها برفق.
أن تعترف بتعبك أمام الله دون تزيين، فالله لا يحب الأقنعة، ويقبل الضعف كما هو، ما دام صادقًا.

ليس الإيمان حالة من الطمأنينة الدائمة، بل رحلة متقلّبة بين الخوف والرجاء. نضعف فنقترب، ونخطئ فنعود، ونتعثر فنُدرك أن الطريق إلى الله لا يُقاس بالثبات، بل بصدق العودة. وكل عودة صادقة، وإن طالت المسافة قبلها، تُعيد للروح معناها.

وحين ندرك كل ذلك نكفّ عن استعجال الأجوبة، ونرضى بأن بعض الأسئلة ستبقى مفتوحة، لا نقصًا في الحكمة، بل رحمةً بنا. فليس كل ما نجهله شرًا، وليس كل ما نتمناه خيرًا. الله يعلم، ونحن نُسلّم، وبين العلم والتسليم تنمو الطمأنينة.
في النهاية، لا نحتاج معجزة تُغيّر العالم،
بل قلبًا يُحسن الظن بالله،
وعينًا ترى النعمة في ثوب الابتلاء،
وروحًا تعرف أن السكون بين يدي الله،
أصدق من ألف محاولة للهرب من القدر.

تعليق 1
  1. أحمد سراج الدين أحمد يقول

    من أروع ما قرأت مؤخراً
    وكفى…

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.