
الأقمشة تهتف أيضًا: الأزياء الإفريقية تحول مدرجات كأس إفريقيا للأمم إلى عرض ثقافي حي
الخرطوم، الغد السوداني – تعد مدرجات كأس إفريقيا للأمم بالمغرب مجرد فضاء لترديد الهتافات أو متابعة صراع كروي عابر، بل تحولت ـ كالعادة ـ إلى مسرح بصري كثيف الدلالات، حيث صنعت الأزياء الإفريقية التقليدية الحدث، وأعادت تعريف التشجيع بوصفه ممارسة ثقافية واعية، تتجاوز الانفعال الرياضي إلى التعبير العميق عن الهوية والانتماء.
في مشهد نادر داخل التظاهرات الرياضية الكبرى، خرجت المدرجات الإفريقية عن نمطية الألوان الموحدة والقمصان التجارية، لتفيض بأزياء تقليدية متنوّعة، غنية بالألوان والتصاميم، وكأن القارة بأكملها قررت أن تحضر بذاكرتها، بتاريخها، وبجمالياتها الخاصة. أزياءٌ لا تُرتدى فقط، بل تُحكى، وتُفهم، وتُقرأ كلغة بصرية ضاجة بالحياة.
ارتدت الجماهير “البوغولان” المالي، و”النكاندو” القمري، و”الفاسو دانفاني” البوركينابي، و”البوبو” السنغالي، وغيرها من الأزياء التي لا تختزلها الفلكلوريات السياحية، بل تحمل في نسيجها سرديات الاستقلال، والروح الجماعية، والحكمة المتوارثة، والعلاقة العميقة مع الأرض والذاكرة.
في هذا السياق، بدا التشجيع الإفريقي فعلاً سياسياً ناعماً، يرفض اختزال القارة في صورة نمطية، ويعيد تقديمها كفضاء حضاري مكتمل، له فلسفته في اللباس، ووعيه بذاته، وقدرته على تحويل حدث رياضي إلى منصة ثقافية عابرة للحدود.
الأزياء هنا لم تكن زينة بصرية فحسب، بل شحنات رمزية مكثفة؛ فـ”البوغولان” المالي، بنقوشه الترابية، يستدعي معاني الحماية والحكمة والتجذر في الأرض، بينما يعكس “النكاندو” القمري بساطة أنيقة تنبع من روح الجزر وثقافة الاكتفاء، ويجسد “الفاسو دانفاني” البوركينابي روح الاستقلال والاعتزاز الوطني، في حين يعبّر “البوبو” السنغالي عن الهيبة والانضباط والمكانة الاجتماعية.
ولم يغب الزي المغربي التقليدي عن هذا المشهد القاري، حيث حضر الجلباب المغربي في المدرجات بوصفه امتداداً لهوية مغربية متصالحة مع تاريخها، تجمع بين الوقار والجمال، وبين الحرفية والأناقة الصامتة.
يقول محمد، مشجع مغربي، إن “الجلباب ليس مجرد لباس، بل سردية كاملة عن مغرب يعرف كيف يصون أصالته ويقدّمها بثقة”. ويضيف أن “حضور الجلباب وسط هذا التنوع الإفريقي يخلق حواراً بصرياً بين الثقافات، لا تنافساً بينها”.
من جانبه، يرى موسى، المشجع السنغالي، أن “ارتداء البوبو داخل المدرجات يمنحك شعوراً بأنك لا تشجع منتخبك فقط، بل تمثّل شعباً وتاريخاً”. ويشير إلى أن عدسات الصحفيين الأجانب، التي لاحقت هذه الأزياء، كشفت له حجم الفضول العالمي تجاه إفريقيا الحقيقية، لا تلك المختزلة في صور نمطية استهلاكية.
أما عصمان، القادم من بوركينا فاسو، فيعتبر أن ظهوره بـ”الفاسو دانفاني” حوّل لحظات التشجيع إلى فرصة للتعريف بتاريخ بلاده، مؤكداً أن كثافة الصور وطلب الالتقاط معه كانت دليلاً على تعطش الآخر لمعرفة إفريقيا من داخلها، لا عبر وسائط جاهزة.
ويذهب إبراهيما، المشجع المالي، إلى أبعد من ذلك، حين يقول إن “البوغولان جعلني أشعر بأنني سفير ثقافي أكثر من كوني مشجعاً”، مضيفاً أن الاحترام الذي لمسه في نظرات الآخرين يعكس وعياً متزايداً بقيمة هذه الرموز الثقافية.
لقد ساهم الزخم الإعلامي غير المسبوق المصاحب لكأس إفريقيا للأمم بالمغرب في نقل هذه الأزياء من فضاء المدرجات إلى الواجهة العالمية، حيث انتشرت صورها عبر القنوات الدولية ومنصات التواصل، حاملة رسائل واضحة: إفريقيا ليست هامشاً، ولا تابعاً بصرياً، بل مركز سردي قادر على تقديم نفسه بشروطه الخاصة.
ومع مشاركة أكثر من 3800 صحفي، وبث المباريات في عشرات الدول الإفريقية والأوروبية، لم تعد “الكان” مجرد بطولة كروية، بل حدثاً ثقافياً شاملاً، تُكتب فيه هوية القارة بالأقمشة، وتُطرّز بالألوان، وتُروى من المدرجات قبل الميادين.
