مشروع نهضة السودان: نماذج دولية لممرات التنمية حول المدن المنتجة (7)

وزير المالية السوداني
ابراهيم البدوى عبد الساتر يكتب..

استعرضتُ في مقالي السابق، الموسوم “مشروع نهضة السودان: نحو تحول زراعي-صناعي عبر ممرات النمو حول المدن المنتجة”(1)، تقريرَ منتدى البحوث الاقتصادية حول آفاق التحول الهيكلي في القطاع الزراعي السوداني. ويقترح هذا التقرير نموذجاً تنموياً للسودان يستند إلى تحديث القطاع الزراعي وزيادة إنتاجيته من خلال ممرات النمو الزراعي-الصناعي. وقد أشرتُ إلى أن أهم الإسهامات الابتكارية للتقرير تكمن في “إعادة تصور التحول الزراعي بوصفه مشروعاً مكانياً وهيكلياً يتمحور حول ممرات للنمو الزراعي-الصناعي ترتكز على مدن إنتاجية. فبدلاً من تشتيت الموارد العامة الشحيحة على مساحات ريفية شاسعة، يقترح التقرير تركيز البنية التحتية، والخدمات اللوجستية، والطاقة، والتمويل، وخدمات الإرشاد الزراعي في عقد حضرية مختارة بعناية، ترتبط بأحزمة زراعية قوية”. كما حاججتُ بأن “الأدلة المستقاة من تاريخ السودان نفسه، ومن التجارب الدولية المقارنة، تشير إلى أن هذا التركيز المكاني شرطٌ أساسي لتحقيق وفورات الحجم، وخفض تكاليف المعاملات، وتمكين نمو مستدام في الإنتاجية والقيمة المضافة”.
فى هذا المقال نبين أن التجارب الدولية توضح بجلاء أن ممرات النمو المرتكزة حول المدن المنتجة شكّلت أداة فعّالة لتحديث الزراعة وربطها بقطاعات الصناعة والخدمات واللوجستيات، بما أسهم في رفع الإنتاجية وتعميق سلاسل القيمة وخلق فرص العمل.

أولاً، ما هو الممر التنموى حول المدن المنتجة؟

يُعرَّف الممر الاقتصادي بأنه “إطارٌ تخطيطي يهدف إلى تنمية منطقةٍ ما من خلال تنظيم الأنشطة الاقتصادية والسكانية على طول مسارٍ محدد، غالباً ما يكون مرتبطاً بشبكات النقل الرئيسية، بحيث تُستثمر البنية التحتية في ربط الإنتاج بالأسواق والخدمات، وتحفيز النمو الاقتصادي وتحسين فرص العمل.”(3). وبالتالي، فإن ممرات النمو الزراعي الصناعي هي مناطق اقتصادية تجمع بين السياسات الزراعية والتصنيع الزراعي والأعمال الزراعية والاستثمارات في البنية التحتية. ونظراً لأنها عادة ما يتم تخطيطها وإدارتها كشراكات استراتيجية بين القطاعين العام والخاص، فإنها تعد بجمع الخبرات والتمويل والتنسيق التي عادة ما تكون مبعثرة، وتهدف إلى الاستفادة من التآزرات المتعددة التي تنشأ(4). يتميز هذا النهج واسع النطاق بعدة مزايا، منها جذب مشاركة العديد من المستثمرين بسبب تقاسم المخاطر؛ وتركيز الأعمال التجارية الزراعية الذي يتيح تحقيق “وفورات الحجم” ويخفض تكلفة الوحدة الإنتاجية؛ وانتشار التكنولوجيا بسهولة أكبر؛ وإنشاء أسواق داعمة متنوعة لخدمة المنطقة؛ واستغلال إمكانات التنمية في جميع المناطق وتقاسم فوائد النمو الاقتصادي بين سكان مختلف المناطق والأقاليم فى البلد المعنى.

 

ثانياً، التجارب الدولية:

تُظهر التقييمات المتاحة لبرامج ممرات التنمية المرتكزة حول المدن المنتجة أن أثرها على الإنتاج والإنتاجية كان ملموساً، لا سيما عندما اقترنت باستثمارات متكاملة في البنية التحتية، والتصنيع الزراعي، والخدمات اللوجستية.
إثيوبيا، الممرات الزراعية-الصناعية المتكاملة: تُعد تجربة إثيوبيا من أبرز الأمثلة، حيث جرى تطوير ممرات زراعية-صناعية حول مدن مثل أداما، بحردار، ومقلي، وربط مناطق الإنتاج الزراعي بمناطق صناعية متخصصة في التصنيع الغذائي، والنسيج، والجلود. وقد صاحَب ذلك استثمار مكثف في الطرق، والمخازن، والخدمات اللوجستية، وأنظمة الجودة، ما أدى إلى تحسين النفاذ إلى الأسواق المحلية والتصديرية، ورفع إنتاجية صغار المنتجين، وتعزيز الصادرات الزراعية المصنعة. وتشير النتائج الأولية لهذه الممرات إلى زيادات في إنتاجية الحبوب والبذور الزيتية تراوحت بين 20 إلى 40%، كنتيجة لتحسن الحصول على المدخلات، والخدمات الإرشادية، والتخزين. كما ساهم توطين مصانع الطحين والزيوت والجلود داخل الممرات في تقليص فاقد ما بعد الحصاد بنحو 30% ورفع القيمة المضافة المحلية. وعلى صعيد التشغيل، قُدِّرت فرص العمل المباشرة وغير المباشرة التي خلقتها الممرات بعشرات الآلاف، خاصة في الخدمات اللوجستية، والنقل، والتعبئة، والتخزين.
فيتنام، ممر دلتا الميكونغ : ساهمت ممرات النمو المرتبطة بدلتا نهر الميكونغ، حول مدن مثل كان ثو، في تشبيك الزراعة مع الصناعات الغذائية وسلاسل التبريد والنقل النهري، ما مكّن من الانتقال من تصدير المنتجات الخام إلى منتجات ذات قيمة مضافة أعلى، ورفع دخول المزارعين، وتسريع التحول الهيكلي الريفي-الحضري. فقد أدت ممرات النمو المرتبطة بهذه المدن النهرية إلى رفع غلة الأرز بنسب تُقدَّر بين 15 إلى 25% خلال عقدين، مع تحوّل تدريجي نحو التصنيع الغذائي، وسلاسل التبريد، والخدمات اللوجستية النهرية. ونتيجة لذلك، ارتفعت حصة المنتجات الزراعية المُصنَّعة من إجمالي الصادرات الزراعية، وتضاعفت تقريباً صادرات الأغذية المصنعة والمأكولات البحرية، مع تحسن ملحوظ في دخول صغار المزارعين.
المغرب، الأقطاب الفلاحية المرتبطة بالمدن: لقد شكّل مخطط “المغرب الأخضر” نموذجاً قريباً من ممرات النمو، حيث جرى ربط الأحواض الزراعية الرئيسية بمدن فلاحية وصناعية، مع استثمارات موجهة في الصناعات التحويلية الزراعية، والتخزين، واللوجستيات، والتصدير، ما أسهم في تحديث سلاسل القيمة الزراعية وتعزيز تنافسية الصادرات. وفى إطار هذا المخطط، ساهمت الأقطاب الزراعية-الصناعية حول مدن مثل مكناس وأكادير في رفع إنتاجية بعض سلاسل القيمة (الخضر والفواكه، الزيتون) بنسبة 30 إلى 50% في المناطق المستفيدة، مع توسع واضح في الخدمات المرتبطة بالتعبئة والتغليف والتخزين المبرد، والتصدير. كما زادت صادرات الصناعات الغذائية، خصوصاً الفواكه والخضر الطازجة والمصنّعة، بمعدلات سنوية ناهزت 7% خلال سنوات تنفيذ البرنامج.
هولندا، ممرات الزراعة-اللوجستيات: وفي الدول المتقدمة، تقدم هولندا نموذجاً رائداً عبر ممرات النمو الزراعي-اللوجستي المرتكزة حول مدن وموانئ رئيسية مثل روتردام وڤاخينن. رغم اختلاف السياق، بالنظر إلى أن هولندا دولة صناعية كبرى، إلا أن تجربتها كدولة زراعية أيضاً تبين كيف يمكن للتكامل بين الزراعة عالية الكثافة، والبحث والتطوير، والخدمات اللوجستية والتصنيع الزراعى أن يحقق قفزات إنتاجية كبيرة؛ إذ تفوق إنتاجية الهكتار في عدد من المحاصيل البستانية المتوسط الأوروبي بأضعاف، وأسهمت الممرات في إنتاج وتصدير سلع وخدمات تشمل الأغذية المصنعة، البذور المحسّنة، التقانات الزراعية، والخدمات اللوجستية المتقدمة. فقد أدى هذا التكامل إلى جعل هولندا من أكبر مصدري المنتجات الزراعية عالمياً رغم محدودية المساحة الزراعية.
الولايات المتحدة، ممرات كاليفورنيا الزراعية: كما تُظهر تجربة الولايات المتحدة في وادي كاليفورنيا كيف أسهمت ممرات النمو الزراعي حول مدن مثل فريسنو وساكرامنتو في ربط الإنتاج الزراعي واسع النطاق بالصناعات الغذائية، والخدمات المالية، والنقل البري والسككي، ما أدى إلى زيادات كبيرة في الإنتاجية والقيمة المضافة.

 

ثالثاً، خاتمة ودروس مستفادة لمشروع نهضة السودان:

وتؤكد هذه التجارب أن جوهر نجاح ممرات النمو يكمن في: (1) الارتكاز على مدن منتجة قادرة على توفير الخدمات والعمالة والأسواق؛ (2) الاستثمار المتكامل في البنية التحتية واللوجستيات؛ (3) تشبيك الزراعة بالصناعة والخدمات؛ و (4) توافر إطار مؤسسي وتنظيمي داعم. وهي دروس تتسق بوضوح مع مقترح ممرات النمو الزراعي- الصناعي حول المدن المنتجة في السودان، وتبرز إمكاناته الكبيرة في رفع الإنتاجية، وتحفيز التحول الهيكلي، وتوسيع فرص العمل، وتعزيز النمو الشامل.

 

وتشير البيانات من التجارب الدولية إلى أن ممرات النمو حول المدن المنتجة:

 

.ترفع إنتاجية الزراعة غالباً بنسبة تتراوح بين 15 و50 في المائة، بحسب المحصول والسياق؛
.تقلّص فاقد ما بعد الحصاد بما يصل إلى ربع أو ثلث الكميات؛
توسّع سلة السلع المنتجة من مواد خام إلى منتجات مصنّعة، مثل الطحين، والزيوت، والأغذية المصنّعة، واللحوم، والجلود؛
.وتخلق طلباً متزايداً على الخدمات – من نقل وتخزين وتبريد وتمويل وخدمات فنية – بما يعزز التشغيل ويدعم التحول الهيكلي.
وتدعم هذه الشواهد الطرح الوارد في التقرير المذكور بشأن السودان، والقائل بأن ممرات النمو الزراعي-الصناعي حول المدن المنتجة تمثل أداة عملية لرفع الإنتاجية، وتعميق سلاسل القيمة، وربط الزراعة بقطاعات الصناعة والخدمات، بما يحقق نمواً أسرع وأكثر شمولاً.
وإلى جانب دورها في رفع الإنتاجية وتعميق التحول الهيكلي، تنطوي ممرات التنمية الزراعية-الصناعية حول المدن المنتجة على بعدٍ حاسم في تحقيق قدرٍ أعلى من العدالة الجهوية في التنمية. فمن خلال توزيع محاور النمو والاستثمار العام والخاص على أقاليم السودان المختلفة، وربط كل إقليم بميزاته النسبية الزراعية والاقتصادية، تسهم هذه الممرات في كسر النمط التاريخي لتركُّز التنمية في الوسط النيلي – أو كما أسماه الزعيم الراحل دكتور عمر نور الدائم، عليه الرحمة والرضوان، “تركُّز التنمية فى دولة العبدلاب التاريخية”. هذا التفاوت الجهوى فى التنمية ظل أحد أبرز جذور أزمة المشروع الوطني السوداني، رغم استمرار التخلف العام على مستوى البلاد بأسرها. وبذلك، لا تقتصر ممرات النمو على كونها أداة اقتصادية، بل تمثل أيضاً مدخلاً بنيوياً لإعادة بناء التوازن الإقليمي، ودمج الأقاليم المهمشة في الاقتصاد الوطني، وتعزيز التماسك الاجتماعي والسياسي كشرط لازم لنهضة مستدامة وشاملة، لا سيما بعد أن فعلت هذه الحرب الماحقة فعلها فى البلاد وشعبها ونسيجه الاجتماعى.
وفي المقال القادم، نستعرض ممرات التنمية الزراعية-الصناعية المقترحة للسودان بوصفها ركيزةً أساسيةً لمشروع نهضة السودان القادمة، بإذن الله تعالى.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.