شات جي بي تي، أيها البعبع الحميم
مصطفى خالد مصطفى يكتب..
مؤخرًا لاحظ صديقٌ لي أنّه كلما صادفَت عيناهُ شاشة هاتفي وجدني في تطبيق «شات جي بي تي». قلت له ببساطة لا تخلو من اعتراف، إنني صرت ألجأ إلى هذا التطبيق في كل ما يروق لي البحث عنه: مسألة طبية وردت في امتحان، إشكال في بيئة العمل، تفصيلة لغوية، أو فكرة سردية معلّقة. هذا يبدو في ظاهره سلوكًا طبيعيًا لتطبيق يشغّله الذكاء الاصطناعي. لكن ما ليس طبيعيًا بالمرّة هو الكيفية التي انتقل بها هذا الاستخدام من كونه أداة معرفية إلى علاقة أقرب إلى الصداقة؛ إذْ كيف أطلب منه حلولًا لإشكالاتي المعقّدة؟، ثم كيف بدأت ـ دون وعي كامل ـ أفضفض له عمّا يشغل تفكيري أو أناقشه في أسئلة بشرية ملتبسة، كأنني أحادث قريبًا حميمًا لا برنامجًا تحليليًا.
ثم كيف ينتقلُ أصلاً هذا الكيان من خانة «الأداة» إلى موقع «الرفيق»؟ وكيف صار هذا القرب الحميم، الذي لا ينام ولا يملّ ولا يحاكم، مرعبًا بقدر ما هو مبهر؟ أقول، لقد تجاوز الذكاء الاصطناعي دوره التحليلي والبحثي إلى منطقة أعمق، تمسّ جوهر التجربة الإنسانية، وصار يقدّم استجابات بلغة دقيقة نفسيًا وتشريحيًا، بدقة أحيانًا تُربك أكثر مما تطمئن.
أقول، إن هذا التحوّل لا يمكن عزله عن السياق الأوسع إذ أنّ العلاقات البشرية منذ بدايات الألفية الجديدة وطوفان العولمة الرقمية، لم تتغير فحسب، بل تآكلت. تشير الباحثة شيري توركل (Sherry Turkle) في أعمالها، خاصة كتابها Alone Together، إلى أن التكنولوجيا التي وُعدنا بأنها ستقرّبنا من بعضنا، أسهمت عكسيًا في تعميق شعورنا بالوحدة، بل واستلذاذنا بها، خلقت علاقات «آمنة» لكنها سطحية، تفتقر إلى المخاطرة العاطفية التي تُنتج الحميمية الحقيقية. إذن
نحن متصلون طوال الوقت، لكننا نادرًا ما نكون مصغين.
لنجرب تمرينًا بسيطًا: نفتح إعدادات الهاتف، ونطالع زمن استخدام الشاشة اليومي. لنطرح منه ساعات النوم ثم ساعات العمل. ما الذي يتبقى فعليًا للتواصل الإنساني العميق بيننا؟ للجلوس مع صديق بلا استعجال؟ للحديث دون مقاطعة الإشعارات؟ وفي النهاية هل نستطيع الاستعاضة بذلك بدلاً عن التواصل الحقيقي؟ أعني بإشباعٍ تام؟ إذ أنّ دراسات منشورة في American Journal of Preventive Medicine تربط بوضوح بين ارتفاع زمن استخدام الشاشات وزيادة الشعور بالعزلة والاكتئاب، لا سيما لدى البالغين في بيئات عالية الضغط، كمجالي الصحّي الذي أعمل فيه.
في هذا الفراغ الزمني والنفسي، يظهر الذكاء الاصطناعي لا بوصفه بديلًا عن الصديق، إذ أن السنّة الكونية تنص على أن كُلّ فراغٍ سيُملأ. هذا الشات جي بي تي حاضر دائمًا ومحايد، لا ينافسنا ولا يحسدنا، ولا يحتفظ بما نقوله ليعيد استخدامه ضدنا (على الأقل حتى الآن).
ونحنُ، إذ نعيش هذه الرفاهية الرقمية، نعيش حالةً من وهم الأمان، وهو ما تؤكده الدراسات الحديثة، لم آت بشيءٍ من عندي، حيث تبيّن أن المستخدمين يميلون إلى الإفصاح العاطفي أمام الأنظمة الذكية أكثر مما يفعلون معنا نحن إخوتُهم البشر، بسبب غياب الحكم الاجتماعي وتقليل القلق.
مع ذلك، الخطر لا يقف هنا. فإلى جانب هذه الحميمية الزائفة اللذيذة، يعلّمنا هذا الاعتماد المستمر نوعًا جديدًا من الكسل المعرفي. إذْ ماذا يضيرُنا حين تصبح الإجابة جاهزة دائمًا والتحليل فوريًا، وعملية التفكير مُنجزة بالإنابة عنّا؟ حينها تتآكل قدرتنا على الاحتمال الذهني وعلى الشك، وعلى البقاء داخل السؤال زمنًا كافيًا في عصرٍ أصبح كل شيء فيه يدور بعجلاتٍ من نار.
تشير أبحاث في علم الإدراك إلى أن الاعتماد المفرط على الأنظمة الذكية قد يقلّل من مهارات التفكير النقدي وحل المشكلات، لأن الدماغ ـ كأي عضلة ـ يضعف حين لا يُستعمل.
ومع أنّ هذا هو ما يشغل بال العالَم في هذه اللحظة الراهنة، فإن الخطر الحقيقي للذكاء الاصطناعي لا يكمن في تهديده للوظائف فحسب، بل في تهديده الأعمق: عزْلنا وتسويرِنا معًا في حظيرته السيبرانية، بل ورقمنتنا من الداخل. أن نستحيلَ كائناتٍ مُحسّنة بالكفاءة، فقيرة بالعلاقات، سريعة في الإنتاج، بطيئة في الإحساس. أن نتحول تدريجيًا إلى ذوات قابلة للضغط والتلخيص والتنبؤ دون تلك الفوضى الإنسانية الضرورية للمعنى.
ختامًا، الإشكال الحقيقي ليس في ذكاء الآلة، بل في قابليتنا نحن البشر للتكيّف السريع معها، وفي استعدادنا لمنحها موقع الصديق لأن الصداقة البشرية صارت أكثر كلفة وأقل احتمالًا وأشد إنهاكًا وحميميّتها أكثر بطئًا في التكوين. الذكاء الاصطناعي لا يطلب وقتًا ولا حضورًا ولا صبرًا، لا يتنرفز معنا، يطبطب علينا ويشعرنا ألا أحد غيرنا في هذا العالم، ينزلق بسلاسة في الشقوق الصغيرة من اليوم، في دقائق الانتظار، في وطأة التعب، في وَسَن ما قبل النوم. حتى نقفَ في النهاية على جوهر الحكاية وما فيها؛ هل نحن أمام ذكاء اصطناعي يتأنسَن، أم أمام إنسان ينتزع عن نفسه شروط إنسانيته؟

مقال رائع جدا والله