
سرديات.. الزاكي عبد الحميد أحمد
أفلاطون وشكسبير هما سيدا التراث الفكري للإنسانية؛ أما ثالثهما فهو رجل عربي أقام الدنيا ولم يقعدها إلى يومنا هذا!
هكذا قال بروفيسور أمريكي؛ اسمه جيرالد المور، بعد أن قضى سنوات عديدة في دراسة فكر هذا العربي الذي تباينت آراء المسلمين حول منتوجه الفكري..
My heart beats for love’s sweet sake,
Wherever it leads, I’ll gladly partake.
For love is my faith, my guiding light,
My religion, shining through day and night..
*أدين بدين الحب أنّى توجّهتْ ركائبُه، فالحبُّ ديني وايماني*..
الابيات أعلاه تنسب للعالِم العربي الذي أشار إليه الاكاديمي الأمريكي..
كان يقف في الميدان الفاصل بين السوق الشعبي في الخرطوم وميدان سباق الخيل..على يمينه مسجد ذو طلاء جميل..
اوروبي بجلباب سوداني أخضر اللون..كان لافتا المشهد..فقصدته..
الماني فارع الطول؛ يتحدث الانجليزية بلُكنة واضحة..ناولني كتيبا قال عنوانه:
The Fabulous Gryphon, by Gerald Elmore.
أي العنقاء من تأليف جيرالد المور..
تصفحتُ الكتيّب في عجالة؛ ولم افهم شيئاً من فحواه..بدا لي كامرٍ ميتافيزيقي لا يسبر غوره، إلا من حباهم الله بالقدرة على فك طلاسم اسرار الكون، لذلك لم احاول العودة إليه، فضممته لمجموعة كتبي، على امل ان اهديه يوماً لمن رغب..
*الطيب صالح* رحمه الله؛ تحدث في مقال من المقالات التي كان ينشرها بشكل راتب في مجلة المجلة السعودية؛ عن *الأكبريين؛* وهم حواريو الشيخ الأكبر *محي الدين بن عربي* من الاوروبيين..
أشار الراحل المقيم في مقاله الماتع رحلة قام بها إلى *جامعة اكسفورد* تلبية لدعوة وجهت له للقاء هؤلاء الاكبريين:
The Akbariya School of Thought.
التقى الراحل هناك بعشرات الاكاديميين الكبار من مختلف انحاء اوروبا: الدنمارك، النمسا، المانيا، بريطانيا، فرنسا، اسبانيا وايطاليا كلهم اتباع *الشيخ محي الدين بن عربي..*
وعن ذلك قال *الطيب صالح*:
*لعل من بعض ما يجذب هؤلاء العلماء إلى (الشيخ) انه كان غزير العلم، غزارة تدعو إلى الدهشة، وهو انتاج ربما ليس له نظير من حيث الكم في تاريخ الانسانية. ويقدّر بعضهم أنه ألّف زهاء خمسمائة كتاب. وقد أخذ منه كتاب (الفتوحات المكية) وحده، قرابة أربعين عاما قبل ان يفرغ منه نهائيا.*
وفي المقال نفسه؛ يشير الطيب صالح إلى الدكتور *جرالد إلمور* Gerald Elmore كاحد حواريي ابن عربي!..
تساءلتُ في نفسي إن كان ما يقصده *الطيب صالح* هو مؤلف الكتيب الذي كان ذلك الرجل الاوروبي ذو الجلباب الأخضر يوزعه على المارة بجوار السوق الشعبي..(عرفت لاحقا ان الرجل الاوروبي جاء لحضور مناسبة دينية في جامع البرهانية القريب من المكان..)..
بعد بحث مضن وجدت ذلك الكتيب:
*The Fabulous Gryphon*
ووجدت أن *جرالد المور* هو الامريكي المؤلف نفسه؛ ويقول في كتيبه:
*في كل التراث الفكري للإنسانية لا يوجد من يضاهي ابن عربي من حيث عمق الفكر وجمال اللغة، إلّا قلة منهم افلاطون وشكسبير..*
تعرّف معاجم اللغة الانجليزية كلمة Gryphon
بأنه:
A fabulous beast with the head of an eagle and the body of a lion..
وهو عنقاء مُغرب:
*ذلك الطائر الوهمي الذي يضرب به المثل في طلب المحال الذي لا يُنال..*
و *عنقاء مُغْرب* هو عنوان كتاب للمفكر الكبير *ابن عربي* والذي لم يزل يؤجج الجدل منذ القرن الثاني عشر ويجذب اليه أشد العداوة وأشد الحب..
العالم الامريكي *جرالد المور* محاضر في جامعة ييل Yale ونال درجة الدكتوراه عن بحثه حول كتاب الشيخ محي الدين بن عربي: *عنقاء مغرب*..وقد قضى ثمان سنوات في القاهرة من ١٩٧٩ وحتى ١٩٨٧ وهناك بدات علاقته بابن عربي تتوطد..
في كتابه تناول العالم الأمريكي الاسباب التي جعلت المسلمين ينظرون لكلام ابن عربي بالشك..
وهذا الشك يقول المؤلف الأمريكي يعود إلى صراعات فكرية شهدها العالم الإسلامي قبل مولد ابن عربي بقرون.
وطرح العالم الامريكي في مؤلفه سؤالاً حول ما قصده ابن عربي بقوله:
*أدين بدين الحب أنّى توجهتْ*
*ركائبُه؛ فالحبُّ ديني وإيماني*
في ظني بروفيسور جيرالد المور كان يقصد بعبارة الصراعات الفكرية التي شهدها الاسلام قبل مجيء ابن عربي؛ ذلك الخلاف الذي اشتد بين المعتزلة والأشاعرة حول تفسير القرآن وتأويله..
التفسير (الأخذ بالمعنى الظاهر) والتأويل (البحث عن المعنى الباطن)..
التأويل لا يعلمه إلاّ الله والراسخون في العلم..
روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال (أنا من الراسخين في العلم الذين يعلمون *تأويله*)..وكذلك استدلوا بدعاء النبي عليه السلام إلى ابن عباس بقوله:
“اللهم فقِّهُ في الدين وعلّمُه *التأويل*”..
والتأويل المقصود هو بيان باطن اللفظ بتجاوز ظاهر النص..
ولكن في التأويل من فات الحد!
قال الامام الغزالي في إحياء علوم الدين ما معناه أن *الحلاج* لم يكفُر ولكنه أساء الأدب..
والمقصود باساءة الأدب هو الغلو في التأويل..*ابن عربي* ايضا لام *الحلاج* لأنه (عربد) وأساء الأدب..الحلاج نفسه حين أدرك غلوَّه في التأويل؛ صار ينادي أمام المساجد : *يا معشر المسلمين اقتلوني تثابوا*!
الطيب صالح رحمه الله قال في مقال من مقالاته تلك ما يلي:
“ابن عربي حرص على لزوم الشرع..أما تجلياته التي لا يقل بعضها؛ استفزازا لأهل السنة؛ عن شطحات الحلاج؛ فلم يذعها على الملأ؛ بل دونها في كتبه او باح بها لتلاميذه ومريديه..وكون تلك الأفكار خرجت عن محابسها وذاعت بين الناس وانتشرت وأحدثت البلبلة والسُّخط والرضى؛ وأحيانا أضيف اليها وحرِّفت؛ فلعل ذلك كان حتما أن يحدث؛ ولم يكن ل (الشيخ) فيه حيلة..” انتهى كلام الطيب صالح..
كان الشيخ ابن عربي يقول إن أقواله كلها لم تخرج عن نطاق القرآن والسنة النبوية الشريفة؛ ولكنه اختلف مع من أسماهم (علماء الرسوم-ويقصدأهل التفسير من الأشاعرة) في أسلوب التأويل الذي يقول إنه تأتّى له بواسطة الفيوض الإلهية والذوق والكشف..
أقام الشيخ ابن عربي مذهبه على (الحب والرحمة)..
و *دين الحب* عند ابن عربي؛ كما في الابيات ادناه؛ هو الاسلام..
ويقول البروفيسور الإمريكي في كتيبه إن ما لفت انتباهه وانتباه العديدين من الغربيين إلى فلسفة ابن عربي حتى صاروا من حوارييه؛ هو ما حوته هذه الابيات من المعاني السّامية التي يؤمن بها ابن العربي والتي يقول فيها:
*لقد صارَ قلبي قابِلا كُلَّ صورةٍ..* *فمرعًى لغزلانٍ وَديْرٌ لرُهبانِ*
*وبيتٌ لِأَوثانٍ وكعبةُ طائٍف*
*وألواحُ توراةٍ ومصحفُ قُرآنِ*
*أَدينُ بدينِ الحُبِّ أَنّى َتَوجَّهَتْ* *ركائِبُهُ فالحُبُّ ديني وَإِيماني*…
My heart can take on any form: a meadow for gazelles, a cloister for monks, for the idols, sacred ground, Ka’ba for the circling pilgrim, the tables of the Torah, the scrolls of the Qur’ān. I profess the religion of love..
ويقصد ابن العربي بقوله: “قابلًا كلّ صورةٍ” ان في قلبه متّسع لجميع الناس على اختلافهم؛ دينا وعرقا ولونا…. و “مرعى لغزلان” كناية عن تحويل قلبه الى واحةٍ؛ يتمتّع الناس بها في الدنيا و “ديرٌ لرهبان” اشارة الى النصارى الذين يؤمّون الدير للعبادة.. فقلبه مكانٌ يتّسع لهم جميعاً ويجدون فيه انفسهم ..و “بيت لأوثان” كناية عن غير الموحّدين؛ الذين لا يؤمنون بالله كما هو الحال عند المسلمين واليهود والنصارى؛ لكنهم من اتباع الهندوس والبوذيين؛ الذين ليسوا بعيدين في ايمانهم عن *لبّ* ما تنادي به الاديان السماوية؛ من تحديد ما هو الخير وما هو الشر؟ وما هو الظلام وما هو النور؟
و “كعبة طائفٍ” اشارة الى الكعبة التي يطوف حولها المسلمون ايام الحج و “الواح توراةٍ” اشارة الى اليهود اتباع النبي موسى الذي اتى لهم بالواح التوراة والوصايا العشر من فوق جبل سينا (طور سينا) و “مصحف قرآن” اشارة الى القرآن الكريم الذي نزل على النبيّ محمد.
يقول البروفيسور الامريكي هكذا كان ابن العربي ينظر الى الغير المختلف ويقبله، وذلك رغمَ الاختلاف بين الاديان…فهو محبٌّ للغير ويقبلهم على اختلافه معهم في المبدأ؛ دون تمييز بين مسلم ونصراني ويهودي وبوذي وهندوسي. ان الدين الذي يدين به ابن العربي هو دين *الحب* بدون حدود؛ وفي كل الحالات التي تتمثل في العلاقات بين الانسان والاخر؛ على اختلاف اجناسهم ولونهم ودينهم ولغتهم وعرقهم وقومّيتهم وآرائهم التي يمكن ان تخالف رأيه. في الابيات اعلاه يمثل ابن العربي الانسان الذي يتقبل الاخر المختلف..
ويقول البروفيسور الأمريكي هذا المبدأ تحوّل هذه الايام الى شعارٍ ينادي بالانسانية كسلوك يجب التحلي به؛ خاصة ونحن نعيش اليوم في عالمٍ صغيرٍ- كبير اطلق عليه البعض “قرية الكرة الارضية” وذلك بسبب سهولة التواصل مع أي بلدٍ ومع اي مجموعاتٍ سكانية تعيش على وجه الكرة الارضية انّى كان مكانها وعلى اختلافها في الامور الذي ذكرت اعلاه..
لقد اصبح هذا الشيء من ضروريات العيش في هذا العالم؛ وذلك من اجل ان يعرف سكان الكرة الارضية بعضهم بعضاً مهما تباعدوا؛ ومن اجل تعايشٍ حقيقي بين ابناء البشر- تعايشٍ مبنيٍّ على السلام والمحبة والاحترام المتبادل؛ والاقرار بان الناس مختلفون.. يقول حواريو الشيخ ابن عربي من العرب والمسلمين إن هذا الامر اكدته الآية الكريمة التي وردت في القرآن:” *يا أيّها النّاس إنّا خلقناكم من ذكرٍ وانثى وجعلناكم شعوبًا وقبائلَ لتعارفوا إنّ اكرمكم عند الله أتقاكم*” لكنهم متشابهون ويجتمعون على صفة مشتركة هي “الانسان” و”الانسانية” التي تكمن داخل كل واحد منهم.. فهذا ابن العربي يقول ان في قلبه متّسعٌ لجميع الناس على اختلاف مذاهبهم ويتقبل كل صورةٍ آدميّة على اختلافها. لقد تحوّل قلبه الى مرعىً لغزلانٍ تسرح وتمرح, ويتسع لجميع الناس اتباع الديانات المختلفة. ما اجمل ان تتمثل بما قاله ابن العربي وما اجمل ان نؤمن بأن الدين لله والوطن للجميع وان نعزز المحبة التي نادت بها كل الاديان وان نجعل من “الحب”- حب الغير، نهجا ومذهبا وليكن شعارنا الذي يجب ان نغرسه في نفوسنا هو: “*الحب ديني وايماني*”…
دين الحب عند ابن عربي هو الاسلام..ليس الحب بمعناه الجسدي المادي..في مذهبه أن الاسم القدسي الذي يغلب على أسماء الله سبحانه وتعالى جميعها هو (الرحمن). لذلك قال ابن عربي قولته المشهورة (الكونُ مآلُه إلى الرحمة) وهو يستند في هذا -على رأي الطيب صالح، رحمه الله- إلى الآيات العديدة عن الرحمة كقوله جل جلاله (إذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلامٌ عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة)..
وفي رأي الطيب صالح هذه السماحة التي يتحلى بها الشيخ ابن عربي هي من بعض أسباب جاذبيته لأمثال العلماء المجتمعين في أكسفورد ومنهم الاكاديمي الامريكي جيرالد المور Herald Elmore..لقد هون عليهم الأمر ووسع عليهم الدين؛ إذ يضيّقه بعض الفقهاء؛ ولم يترك بابا إلا فتحه لهم للدخول في حمى الملة الحنيفة. الاسلام عنده يتسع للبسطامي والجنيد؛ كما اتسع للإمام مالك والإمام ابن حنبل..
