مطار دولي و10 مدن صناعية: وعود ما بعد الحرب أم هندسة جديدة لاقتصاد الانهيار في الجزيرة؟

الخرطوم، الغد السوداني – في بلدٍ تحكمه البنادق أكثر مما تحكمه الخطط، ويُدار اقتصاده بمنطق السيطرة لا الإنتاج، خرجت ولاية الجزيرة بخارطة طريق تقول إنها تقود إلى الاستثمار، بينما لا تزال الحرب قائمة، والدولة نفسها بلا مركز قرار واضح.

يأتي إعلان مدير عام وزارة التخطيط العمراني والإسكان بولاية الجزيرة، أبو بكر عبد الله، عن إعداد خارطة طريق استراتيجية لعام 2026 تستهدف – بحسب وصفه – “إحداث تحول نوعي في التنمية العمرانية والاقتصادية بالمناطق الآمنة والمحررة”، كجزء من هذا الخطاب الذي يحاول استعادة لغة الدولة في لحظة غيابها.

الخطة، التي تشمل مطارًا دوليًا في ود مدني، عشر مدن صناعية، منطقة حرة للصادرات، توسعًا في السكن الرأسي، وثلاث محطات طاقة شمسية بقدرة 100 ميغاواط، تبدو على الورق متسقة مع وصفات التعافي الاقتصادي، لكنها تصطدم مباشرة بسؤال السياق: أي دولة ستنفذ هذه الخطة، وفي أي ميزان قوى؟

مطار دولي، 10 مدن صناعية، منطقة حرة، وطاقة شمسية… عناوين ضخمة تُلقى في فضاء عام مُنهك، دون إجابة عن السؤال الأبسط:

من يملك القرار؟ ومن يضمن التنفيذ؟ ومن سيحمي هذه الاستثمارات من منطق الغلبة المسلحة؟

هذا التحقيق لا يتعامل مع الخطة بوصفها “إنجازًا”، بل كخطاب سياسي-اقتصادي يحتاج إلى تفكيك، في ولاية تحولت من قلب الإنتاج السوداني إلى إحدى ساحات اقتصاد الحرب.

الجزيرة: حين جف قلب الدولة

لم تكن الجزيرة مجرد ولاية زراعية. كانت مختبر الدولة السودانية: مشروع الجزيرة مول الخزينة، ثبّت العملة، وخلق طبقة وسطى ريفية.

لكن ما جرى لاحقًا لم يكن “فشلًا إداريًا” فقط، بل تفكيكًا سياسيًا مقصودًا: «خصخصة بلا حماية، إضعاف متعمّد للمؤسسات ونقل الموارد من الإنتاج إلى الريع، ثم تسليم الأرض للحرب»، قبل أبريل 2023، كان السودان اقتصادًا يحتضر. بعد الحرب، صار اقتصادًا يُدار بالسلاح.

اقتصاد الحرب: السياق الذي تتجاهله الخطة

وفق تقديرات دولية، دخل السودان الحرب وهو يعاني: تضخم انفجاري تجاوز 300%، انهيار شبه كامل للناتج المحلي، شلل القطاع المصرفي، هيمنة الذهب والتهريب.. الحرب لم تخلق هذا الواقع، لكنها نقلته من الهامش إلى المركز.

اليوم، تُدار الموارد عبر «السيطرة المسلحة، الجبايات غير القانونية، الأسواق الموازية، شبكات عابرة للحدود».

في هذا السياق، يصبح السؤال مشروعًا: كيف يُبنى مطار دولي في اقتصاد بلا دولة؟

مطار دولي: استثمار أم إعلان سيادي بلا سيادة؟

في الدول المستقرة، المطار بوابة اقتصاد.

في السودان، قد يتحول إلى: «منشأة معطلة، أو أصل متنازع عليه، أو واجهة رمزية بلا حركة»

لا خطوط جوية، لا نظام مصرفي، لا ضمانات قانونية، ولا سلطة مدنية مستقرة.

فهل يُبنى المطار لاستقبال المستثمرين؟.. أم ليُدرج في خطاب “ما بعد الحرب” قبل انتهائها؟

10 مدن صناعية: إنتاج أم إعادة تدوير للوهم؟

المدن الصناعية ليست مباني، بل: «كهرباء، نقل، تمويل، قوانين، وأمن مستدام» كل ما يفتقده السودان اليوم. التجربة تقول إن المشاريع الكبرى في ظل الحرب تتحول إلى: أراضٍ مخصصة، عقود غامضة، مصالح ضيقة، ثم صمت رسمي. السؤال ليس: كم مدينة صناعية؟

بل: من يسيطر على الأرض؟ ومن يستفيد؟

المنطقة الحرة: اقتصاد موازٍ داخل دولة موازية

المنطقة الحرة تبدو كحل ذكي على الورق، لكنها في واقع السودان قد تعمق الاقتصاد الموازي، تفتح مساحات للتهرب وتخلق جزيرة استثمار داخل بحر انهيار، من دون دولة قانون، تتحول “المرونة الاقتصادية” إلى فوضى منظمة.

السكن الرأسي: إعمار أم إدارة نزوح

الخطاب العمراني يخفي واقعًا سياسيًا يشهده السودان اليوم «ملايين النازحين، مدن مكتظة، وأراضٍ تغيرت ملكيتها تحت الحرب». وبيقى السكن الرأسي هنا ليس خيار تخطيط، بل إدارة أزمة بلا حل سياسي. لتخلق جدلاً قديماً متجدداً «من يملك حق السكن؟، ومن يُدفع إلى الهامش باسم “التنظيم”؟»

الطاقة الشمسية: حين تصبح الكهرباء سياسة

100 ميغاواط من الطاقة الشمسية ليست مشروع رفاه. هي اعتراف صريح بأن: الشبكة القومية دُمّرت، والدولة فقدت السيطرة، والطاقة صارت سلاحًا لكن حتى الشمس تحتاج إلى دولة لتنظيمها.

بحسب خبراء الإدارة والإقتصاد ما تطرحه الجزيرة ليس بلا قيمة، لكنه خارج سياقه السياسي. فلا يمكن فصل الاستثمار عن «إنهاء الحرب، وتفكيك اقتصاد السلاح، واستعادة الدولة المدنية»، وإلا، ستبقى هذه المشاريع: خرائط جميلة معلقة فوق واقع أعنف منها.

في السودان، لا يُعاد بناء الاقتصاد بالمطارات وحدها، بل بكسر منطق الحرب أولًا.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.