
2026: عام اللايقين… كيف ترى «فاينانشال تايمز» مستقبل الاقتصاد والسياسة في عالم ترامب والذكاء الاصطناعي؟
الخرطوم، الغد السوداني- ليست «فاينانشال تايمز» صحيفة نبوءات، لكنها اعتادت في مطلع كل عام أن تفتح دفتر التوقعات، وتغامر علناً بوضع رهانات فكرية على ما ينتظر العالم اقتصادياً وسياسياً. في 2025، لم يكن سجلها مشرفاً: سبعة توقعات خاطئة من أصل عشرين، وهو أسوأ أداء تحليلي تعترف به الصحيفة منذ سنوات.
ومع ذلك، لا يبدو أن هذا الإخفاق قد دفع محرريها ومحلليها إلى التراجع. على العكس، يدخلون 2026 بثقة مشوبة بالحذر، في عالم تصفه الصحيفة بأنه أكثر غموضاً، وأكثر هشاشة، وأقل قابلية للتنبؤ، خاصة مع عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض.
من واشنطن إلى بكين، ومن الذكاء الاصطناعي إلى الذهب، ترسم «فاينانشال تايمز» خريطة عالم مضطرب، لا تحكمه اليقينيات بل الاحتمالات الثقيلة.
ترامب… أقل اندفاعاً مما هدد، وأكثر فوضوية مما وُعد
تتوقع الصحيفة أن لا تكون التعريفات الجمركية الأمريكية في 2026 أعلى من 2025، رغم الخطاب الناري الذي عاد به ترامب إلى السلطة. فالأسواق، وتهديدات الصين بالانتقام، وارتفاع أسعار المستهلكين، جميعها عوامل أضعفت شهية البيت الأبيض لحرب تجارية شاملة.
الأهم أن ترامب، بحسب التحليل، اكتشف أن الاقتصاد العالمي أكثر تعقيداً من شعارات الحملات الانتخابية، وأن أي تصعيد غير محسوب قد ينقلب سريعاً إلى أزمة داخلية، خصوصاً مع تراجع الأسهم وتآكل الثقة.
أوكرانيا: سلام بلا استسلام
في الملف الأوكراني، تميل «فاينانشال تايمز» إلى استبعاد سيناريو تنازل كييف عن إقليم دونباس. فالرئيس فولوديمير زيلينسكي، حتى تحت ضغط الحلفاء، لا يملك ترف التنازل دستورياً أو سياسياً أو عسكرياً.
الصحيفة ترى أن أي سلام يُفرض على أوكرانيا بثمن جغرافي باهظ سيكون هشاً وقابلاً للانفجار، وأن موسكو وكييف معاً تدركان أن “نهاية الحرب” لا تعني بالضرورة نهاية الصراع.
الكونغرس الأمريكي… شلل متبادل
سياسياً، تتوقع «فاينانشال تايمز» أن يخسر الجمهوريون مجلس النواب في انتخابات التجديد النصفي، بينما يحتفظون بفارق ضئيل في مجلس الشيوخ.
هذه التركيبة تعني شيئاً واحداً: إدارة ترامب الثانية ستُدار في مناخ من الاشتباك المؤسسي، والتحقيقات، وربما الحديث مجدداً عن عزل رئاسي ثالث — حتى لو كان محكوماً بالفشل.
الذكاء الاصطناعي: نهاية الضجيج وبداية الخسائر
بعد ثلاث سنوات من انفجار «شات جي بي تي»، تقول الصحيفة إن فقاعة الذكاء الاصطناعي ستنفجر في 2026.
ليس لأن التكنولوجيا فشلت، بل لأن التقييمات كانت مبالغاً فيها، والربح السريع انتهى، والمستثمرون بدأوا يطالبون بعوائد حقيقية لا عروض تقديمية براقة.
الخسائر، وفق التقديرات، ستتركز في رأس المال الاستثماري والشركات الصغيرة، بينما ستنجو عمالقة التكنولوجيا، لكن بسحر أقل وبريق أخفت.
البنوك المركزية: خفض الفائدة مستمر… رغم التضخم
باستثناء اليابان، ترى «فاينانشال تايمز» أن خفض أسعار الفائدة سيستمر عالمياً في 2026.
الاحتياطي الفيدرالي، بقيادة جديدة، سيغض الطرف عن “بقايا التضخم”، مراهناً على طفرة إنتاجية تقودها التكنولوجيا، فيما يبقى البنك المركزي الأوروبي مستعداً لضخ تحفيز إضافي إذا تباطأ النمو.
الصين واليوان: لا مفاجآت نقدية
رغم الفائض التجاري الصيني الهائل، لا تتوقع الصحيفة ارتفاعاً كبيراً في سعر صرف اليوان. فبكين تفضل امتصاص الصدمات التجارية والرسوم الجمركية بدلاً من السماح للعملة بالارتفاع، في اقتصاد يعاني أصلاً من ضغوط انكماشية.
أوروبا: استقرار هش وصعود اليمين
في فرنسا، لا انتخابات مبكرة، وفي ألمانيا لن ينهار “الحاجز الواقي” أمام اليمين المتطرف، رغم الضغوط المتزايدة.
أما بريطانيا، فتتوقع الصحيفة أن يواجه كير ستارمر تحدياً على زعامة حزب العمال، مع تصاعد السخط الداخلي وتقدم اليمين الشعبوي بقيادة نايجل فاراج.
أفريقيا: نمو أعلى من آسيا… ولكن بلا وزن عالمي
من أكثر التوقعات لفتاً للانتباه أن يتجاوز متوسط النمو في أفريقيا نظيره في آسيا، ولو بفارق ضئيل.
ضعف الدولار، وارتفاع الذهب، وإصلاحات اقتصادية قاسية في دول مثل مصر ونيجيريا، كلها عوامل داعمة.
لكن «فاينانشال تايمز» تذكّر بحقيقة قاسية: حتى مجتمعة، لا تزال اقتصادات أفريقيا صغيرة التأثير في النظام العالمي.
الذهب، الروبوتات، والكمبيوتر الكمي
الذهب مرشح لتجاوز 5000 دولار للأونصة، كملاذ أخير في عالم يتآكل فيه اليقين.
الروبوتات المنزلية ستدخل بيوت الأثرياء أولاً، لا كحلم مستقبلي بل كسلعة استثمارية.
أما الحاسوب الكمي، فلن يصبح تجارياً بعد… لكن العد التنازلي بدأ، ومعه القلق من انهيار أنظمة التشفير الحالية.
2026: ليس عام التحولات الكبرى… بل ترسيخ الاضطراب
خلاصة توقعات «فاينانشال تايمز» ليست وعداً بعالم جديد، بل تأكيد على أن اللايقين أصبح هو القاعدة.
لا انهيار شامل، ولا ازدهار كاسح، بل سلسلة من الاهتزازات المتزامنة: اقتصاد يتباطأ دون أن ينهار، سياسة تتشدد دون أن تستقر، وتكنولوجيا تتقدم أسرع من قدرتنا على فهم آثارها.
في 2026، يبدو أن العالم لا يسير نحو نقطة فاصلة، بل نحو طريق طويل من التوازنات الهشة.
