
«سوف ننجو»… سينما سودانية تحكي الحرب من داخل البيت لا من خارجه
في الحروب، لا يسقط البيت دفعة واحدة. يبدأ الأمر بتشقّق صغير في الإحساس بالأمان، ثم يتسع الشرخ حتى تصبح الحياة اليومية نفسها فعل نجاة. من هذه المساحة الرمادية بين الخوف والاعتياد، يولد الفيلم الوثائقي السوداني الجديد «سوف ننجو – We Will Survive»، للمخرج والمصور مهند بلال، بوصفه شهادة شخصية على الحرب، لا كما تُروى في البيانات العسكرية، بل كما تُعاش داخل البيوت، ومع الأطفال، وبين الذاكرة والركام.
الفيلم ليس محاولة لتفسير الحرب، ولا لإعادة تمثيلها، بل لتسجيل أثرها البطيء على الإنسان، حين تتحول الحياة إلى سلسلة قرارات صغيرة هدفها الوحيد: البقاء.
الحرب كحياة يومية
ينطلق «سوف ننجو» من تجربة ذاتية شديدة الخصوصية: مصور سوداني يصحب أطفاله عبر مسارات النزوح القسري، من معسكرات اللاجئين الإثيوبيين في شرق السودان، وصولًا إلى الخرطوم في أيامها الأولى تحت القصف. هنا، لا تُقدم الحرب بوصفها لحظة انفجار، بل كحالة دائمة، كبيت جديد فُرض على ساكنيه دون استئذان.
يختار مهند بلال أن يضع الكاميرا في مستوى العين، قريبًا من التفاصيل الصغيرة: نظرة طفل، صمت أب، حقيبة جاهزة دائمًا للمغادرة. بهذا الاقتراب الحميمي، يصبح المشاهد شريكًا لا متفرجًا، ويُسحب إلى داخل التجربة بدل الاكتفاء بمراقبتها من الخارج.
الذاكرة كخط دفاع أخير
يتقاطع المسار الشخصي للمخرج مع شهادات ناجين آخرين، لا يملكون سوى الذاكرة كوسيلة مقاومة. في الفيلم، لا تظهر الذاكرة كحنين رومانسي، بل كأداة للبقاء، وكوسيلة لإعادة ترتيب الذات في عالم فقد معناه.
يحاول الناجون، عبر السرد واستعادة التفاصيل، حماية ما تبقى من إنسانيتهم في مواجهة العنف والاقتلاع. هكذا تتحوّل الذكريات إلى جدار هش لكنه ضروري، يمنع الانهيار الكامل أمام الفقد المتراكم.
سينما ضد الاختزال
يبتعد «سوف ننجو» عن الصورة النمطية للأفلام الوثائقية عن الحروب في السودان، تلك التي غالبًا ما تختزل المأساة في أرقام الضحايا أو مشاهد الدمار. هنا، لا تبحث الكاميرا عن الصدمة، بل عن المعنى، ولا تُراهن على الفاجعة، بل على الأسئلة: كيف نعيش داخل الخوف؟ كيف نربي أطفالنا في عالم مؤقت؟ ومتى تتحول النجاة نفسها إلى عبء؟
بهذا المعنى، ينتمي الفيلم إلى سينما الذاكرة الشخصية، حيث يصبح الخاص مدخلًا لفهم العام، وتغدو القصة الفردية مرآة لتجربة جماعية يعيشها ملايين السودانيين اليوم.
«سوف ننجو»… وعد هش لكنه ضروري
لا يقدم الفيلم إجابات حاسمة، ولا نهاية مريحة. عبارة «سوف ننجو» نفسها تأتي كجملة مفتوحة، أقرب إلى التمني منها إلى اليقين. لكنها، في سياق الفيلم، تصبح فعل مقاومة رمزي: الإصرار على الاستمرار، حتى حين يبدو المستقبل معطّلًا.
في بلد أنهكته الحرب، يبدو هذا الفيلم محاولة صادقة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه: الذاكرة، واللغة، والصورة، والإنسان.
