«الحرب لعينة وتحصد فينا»: أبو عركي يغني الأمل للسودان من مسرح صامت

الخرطوم، الغد السوداني- لم يكن المسرح القومي في الخرطوم مساء الأول من يناير 2026 كما اعتاد أن يكون. لا جمهور يملأ المقاعد، لا تصفيق يسبق الأغنيات، ولا وجوه تتزاحم عند البوابات. ومع ذلك، حين اعتلى الفنان السوداني الكبير أبو عركي البخيت خشبة المسرح في عيد الاستقلال، بدا المكان مكتظًا بما لا يُرى: بالذاكرة، وبالحنين، وبوطن كامل كان يستمع.
كما في كل عام، أوفى أبو عركي بوعده لجمهوره، لكنه هذه المرة غنى في مواجهة الفراغ، كأنما يختبر المعنى الأقصى للفن: أن يكون حاضرًا حتى في غياب الجميع. المسرح كان خاليًا إلا من كراسي الفرقة، والمساطب الصامتة، لكن الصوت وحده كان كافيًا ليملأ الفضاء برسالة حب وعناده القديم.
حين قدم أغنيته الشهيرة «واحشني»، توقف قليلًا ليعيد تعريفها. لم تعد أغنية حنين إلى حبيبة سافرت، بل صارت نداءً إلى شعب بأكمله. قالها بوضوح موجع: «كنت بغنيها لحبيبتي… الليلة بغنيها لشعبي، عشان يرجع السودان زي ما كان». في تلك اللحظة، تحولت الأغنية إلى مرثية مفتوحة، وإلى وعد غير مكتمل بالعودة.
ولم يكتفِ أبو عركي بالحنين، بل أعلن موقفه الأخلاقي بلا مواربة، مرددًا جملته التي تناقلها المتابعون بكثافة: «الحرب لعينة… والحرب لعبنا بتحصد فينا». جملة قصيرة، لكنها حملت خلاصة الألم السوداني، ورفضًا صريحًا لتحويل البلاد إلى ساحة استنزاف بلا نهاية.
واصل بعدها الغناء للوطن كما عرفه في أغنية «جدودنا زمان وصونا على الوطن، على التراب الغالي الما ليهو تمن»، مستدعيًا الوصايا القديمة، وكأنها تُقال للمرة الأولى. هنا، بدا أبو عركي ليس فنانًا فقط، بل شاهدًا أخلاقيًا على فكرة السودان، كما حلم بها جيل كامل.
وفي استراحة بين الأغنيات، استعاد تفاصيل صغيرة بدت أكبر من المشهد ذاته: كيف كان يصل إلى المسرح القومي قبل الحرب، وكيف ترحم على سائقه الذي كان يرافقه، وتذكر المخرج الراحل شكر الله خلف الله، الذي كان يهيئ له الغرفة قبل الصعود إلى الخشبة. تفاصيل إنسانية عابرة، لكنها أعادت للمكان روحه الغائبة، وكأن المسرح نفسه كان يستمع.
المقطع المصور من الحفل، الذي انتشر على منصات التواصل الاجتماعي، فجر موجة تعاطف واسعة. دعوات بالصحة والعافية لأبي عركي، وابتهالات بأن يجمع الله شمل السودانيين، وأن يعود الوطن آمنًا، عامرًا بالمحبة والسلام.
في مسرحٍ خالٍ، أثبت أبو عركي البخيت أن الفن الصادق لا يحتاج جمهورًا ليكون مؤثرًا، وأن الأغنية حين تُغنى من أجل الوطن، تتحول إلى مساحة أمل، وإلى فعل مقاومة ناعم، يُبقي الروح حية حتى في أقسى الأزمنة.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.