هل تفتح المتغيرات الإقليمية والدولية الباب لوحدة وطنية في السودان على أسس صحيحة وإرادة قوية؟
محمدسعد بكتب ..
يمرّ العالم بمرحلة بالغة الخطورة، تهدد نظام القطب الواحد الذي تَشكّل عقب سقوط جدار برلين. ويؤرخ بعض الباحثين لبدايات هذا التحول منذ اندلاع الصراع الروسي–الأوكراني، مرورًا بتنامي الصدامات المسلحة في بؤر التوتر المختلفة حول العالم. بعض هذه الصراعات اتخذ طابع المواجهات بين الدول، بينما اندلع بعضها الآخر في شكل حروب أهلية داخلية. ويرى كثيرون أن هذه التطورات تمثل تمهيدًا لحرب عالمية ثالثة، لكن عبر تصاعد زمني متدرّج، لا على شاكلة الحربين الأولى والثانية اللتين اندلعتا بصورة فجائية.
ومع اتساع رقعة الصدامات في الشرق الأوسط، وتصاعد التوتر في أفريقيا، وامتداد الاهتمام الجيوسياسي إلى مناطق مثل غرينلاند، واحتمال انتقال الصراع إلى القطب الشمالي بوصفه مستودعًا هائلًا للموارد، فضلًا عن احتمالات اتساع المواجهة بين أوروبا وروسيا، وصولًا إلى صدام القمة المرتقب بين الولايات المتحدة والصين حول تايوان، يبدو العالم مقبلًا على إعادة تشكّل شاملة.
هذا الصراع العالمي لا يدور حول القيم بقدر ما يستهدف إعادة رسم خريطة النفوذ على أساس الموارد، وإعادة تحديد الحدود السياسية للدول، وصياغة نظام دولي جديد قائم على موازين القوى الحقيقية. وتكمن الخطورة الكبرى في التطور الهائل للأسلحة وازدياد قدرتها التدميرية، بما يهدد مصير ملايين البشر، وربما الإنسانية جمعاء.
في هذا السياق، يقف السودان في ذيل المؤشرات العالمية في مجالات متعددة؛ من الفساد والمجاعة والانتهاكات، إلى الفقر والتضخم وغيرها. وفي ظل هذه الأوضاع، يصبح لزامًا على كل مواطن أن يستنفر عقله وجهده من أجل البقاء. فوسط هذا الصراع العالمي العنيف، قد يتحول شعبنا إلى عبء زائد في حسابات القوى الكبرى، يُنظر إليه باعتباره قابلًا للإزاحة. أما الأرض والتاريخ والموقع، فستغدو — وفق منطق القوة — من نصيب من يملكون الشوكة والعلم والقدرة.
إنه صراع وجودي حقيقي، يتطلب وعيًا عميقًا وإدراكًا بأن ما يجري اليوم يحوّل الملايين — كما يحدث بالفعل — إلى مجرد أرقام في قوائم الهالكين، وربما حتى دون شرف الإحصاء أو التسمية. فـ«نبؤة المليار الذهبي» لا تشمل السودانيين، ونظريات مالتوس قد ترى في وجودنا عبئًا على موارد محدودة.
في ظل هذا الاستقطاب الحاد، الذي يتخذ أبعادًا اقتصادية ودينية وسياسية، يصبح من الضروري إشهار السلاح الوحيد القادر على ضمان الحد الأدنى من البقاء: توحيد الجبهة الداخلية. فهذه الوحدة وحدها القادرة — ولو نسبيًا — على المناورة في عالم تحكمه الكتل الكبرى. غير أن واقع الحال يشير إلى أن وحدة الجبهة الداخلية لا تزال بعيدة المنال بالنسبة للسودانيين.
فدائمًا ما يوجد مبرر للإقصاء: تارة باسم تحطيم «دولة 56» لبناء مستقبل متخيَّل، وتارة عبر طرد تشكيلات جهوية بحجة أنها وافدة من خارج السودان، أو إقصاء فصيل سياسي بتهمة الخيانة أو بسبب تاريخه، أو حتى تحميل حفنة من الجنرالات مسؤولية إسقاط البلاد في أهوائهم الخاصة. وفي كل مرة يُطرح سبب جديد لإقصاء مجموعات سودانية، على أمل أن يغدو المستقبل أكثر اخضرارًا، كما يُزعم.
المعضلة الأعمق تكمن في غياب مرجعية مؤسسية محل إجماع. فالشخصيات التاريخية التي كانت تحظى باحترام واسع رحلت، والجهاز القضائي خاضع للسلطة التنفيذية، يعاني ضعف الكفاءة وتلاحقه اتهامات الفساد. لا مجلس تشريعي منتخب، ولا قيادة تنفيذية ملهمة قادرة على جمع الناس حول مشروع وطني جامع.
فما المخرج إذن؟ وكيف السبيل إلى تشكيل جبهة قادرة على صون حقوق السودانيين في الحاضر والمستقبل؟
ربما يكمن الحل في تفكير جديد، قادر على التعبير عن المواطن مباشرة، بعيدًا عن الأجسام الفوقية التي أصابها العجز. عندها فقط يمكن أن يلتقي اليمين واليسار والوسط على كلمة سواء، لأن مصالحهم تتقاطع في تعريف جديد لأولويات وطنية جامعة، مثل: وحدة السودان، وإيجاد صيغ عادلة لإدارة التنوع، وكبح التدخلات الأجنبية الهدامة، وغيرها من القضايا التي يمكن أن تحظى بإجماع واسع.
لا يهم إن كنت منطلقًا من إرث المهدي، أو مفتونًا بالأزهري، أو متأثرًا بكتابات سيد قطب، أو مسكونًا بأشعار مارسيل خليفة ومصطفى سيد أحمد. الأهم هو كيفية التعبير عن هذا التباين الإنساني لصالح السلام والتنمية، وبناء معادلات عادلة لتداول السلطة وتوزيع الثروة بما يخدم جميع السودانيين. الأهم أن تكون مرجعيتك هي القاعدة الاجتماعية التي تمثلها وتفوضك، لا أسماء مثل بول وولوس أو توني بلير.
إن التقاء السودانيين، على اختلاف مشاربهم، في مواجهة المشروع الصهيوني لتفكيك البلاد — وكل المشاريع التي تستهدف ابتلاع السودان — هو واجب اللحظة. وقد يشكّل هذا الالتقاء مدخلًا لمسار يفضي إلى وضع أفضل للشعب. إن اجتماع أبناء النوبة، والعرب، والأفارقة، والزغاوة، والتعايشة، والرزيقات، وغيرهم، حول أجندة تعبّر عن مصالح المواطن، كفيل بإثبات أن أي تجمع إنساني قادر على التعايش والتطور متى ما توفّر الاتفاق.
فالنقاء العرقي المتخيَّل لا يشكّل حلًا للأزمات ولا ضمانة للاستقرار، إذ إن جوهر أزمة الإنسان يكمن في الفساد والظلم والجهل، سواء كان النظام مُدارًا بأبناء العمومة، أو بأشخاص لا نعرفهم إلا عبر شاشات التلفاز.
