بين التدخل الأممي متعدد الأبعاد والتدخلات الأحادية: أيِّ منهما مفضىٍ إلى السلام وإعادة بناء الدولة في السودان؟
وزير المالية السوداني السابق
إبراهيم أحمد البدوى عبد الساتر يكتب ..
“ندعو المنظمة الأممية إلى الشروع فورًا في إنشاء عملية شاملة للأمم المتحدة لدعم السلام المستدام لفرض السلام والأمن في جميع أنحاء السودان وأن يبقي المجلس المسألة قيد النظر الفعلي لضمان امتثال أطراف الحرب لطلبات المجلس بشأن التدابير المتعلقة باستدامة السلام وضمان الانتقال المدني الديمقراطي.”(الدكتور ابراهيم جعفر الثورى، في رسالة إلى الأمين العام للأمم المتحدة بتاريخ 18 أكتوبر 2023، نيابة عن مجموعة سودانية تضم 16 حزباً سياسياً ونقابياً وقوى مدنية)
“دعونا إذاً ، أفراداً و مؤسسات سياسية و مجتمعية ، نتزايد تحلقاً حول الدعوة إلى “وصاية دولية آنية تقود إلى فيدرالية تكاملية مستقبلية” ليبقى السودان، وطناً و أهلاً ، حياً و ميراثاً لإنسانية و حضارة بدأت هنا في ربوعه، و لا تزال بصماتها تتكشف لنا و للعالم من حولنا. و الله و الوطن من وراء القصد.” (بروفيسور مهدي أمين التوم، 5 فبراير 2024 م – صحيفة الراكوبة الأليكترونية)
“وبالنظر إلى رأس المال الاجتماعي الذي دمرته الحرب وتراجع القدرات المحلية، فإن بناء السلام المستدام يتطلب عملية حفظ سلام متعددة الأبعاد من الأمم المتحدة والإقليمية للسودان، تحت سقف مشروع وطني سوداني جامع.” (ابراهيم أحمد البدوى فى مذكرة نُوقِشت مع السيدة أمينة محمد، نائبة الأمين العام للأمم المتحدة، ديسمبر 2024)
لم يعد الجدل حول التدخل الخارجي في الحروب الأهلية ترفاً فكرياً أو نقاشاً نظرياً معزولاً عن الواقع. ففي السودان، كما في غيره من البلدان المنكوبة بالصراعات، بات هذا السؤال جزءاً من صميم المعركة على المستقبل: هل يُسهم التدخل الخارجي في إنهاء الحروب أم في إدامتها؟ وإذا كان التدخل أمراً لا مفر منه في ظل انهيار الدولة وتآكل رأس المال الاجتماعي، فأيُّ تدخلٍ نريد؟
كما بيَّنتُ فى مقالاتٍ سابقة، تُظهر الأدبيات المقارنة الحديثة، المدعومة بنماذج تحليلية وبيانات عابرة للبلدان، مفارقة حاسمة غالباً ما يجري تجاهلها في الخطاب السياسي: التدخلات الأحادية المنحازة من فرادى البلدان تميل إلى إطالة أمد الحروب الأهلية، بينما تملك التدخلات الأممية متعددة الأبعاد – إذا أُحسن تصميمها وربطها بمشروع وطني – قدرةً أعلى على دعم سلامٍ مستدام يؤسس لتحولات ديمقراطية نهضوية تخاطب جذور الأزمة فى البلاد المنكوبة بالنزاعات والحروب الأهلية.
قد يجادل البعض بأن الدعوة إلى إطلاق عملية أممية متعددة الأبعاد في السودان ليست سوى مضيعة للوقت، في ظل تراجع رغبة المجتمع الدولي، وانقسام مجلس الأمن، وتزاحم الأزمات العالمية. غير أن مثل هذا المنطق – وإن بدا واقعياً للوهلة الأولى – ينطوي على قدرٍ خطير من الاستسلام للأمر الواقع. فغياب الاستعداد الدولي لا يُسقط حق الشعوب في المطالبة بالحماية والسلام، ولا يعفي القوى المدنية الديمقراطية والمجتمع السوداني بأسره، بما في ذلك جالياته الواسعة في المهجر، من واجب الضغط المنظم والمستدام من أجل انتزاع دعم أممي يرقى إلى حجم المأساة. إن الدعم الأممي للسودان ليس منّة ولا استثناءً، بل استحقاق تاريخي وأخلاقي لشعبٍ أسهم، قبل الاستقلال وبعده، في دعم عمليات الأمم المتحدة وصناعة نظامها متعدد الأطراف، وسيظل شريكاً فيه لا مجرد متلقٍ للعون.
أولاً: لماذا تُطيل التدخلات الأحادية أمد الحروب؟
تنطلق النماذج التحليلية من فكرة بسيطة وعميقة الدلالة: تستمر الحروب الأهلية عندما يعجز أيٌّ من طرفيها عن تحقيق نصرٍ حاسم، وحين يظل كل طرف – صواباً أو وهماً – يعتقد أن الزمن قد يعمل لصالحه. هنا يتدخل العامل الخارجي ليعيد تشكيل “ميزان القدرة على الاحتمال”. فحين يقدّم فاعلٌ خارجي دعماً عسكرياً أو مالياً أو سياسياً لطرفٍ بعينه، لا يُسرّع ذلك بالضرورة الحسم، بل يؤجل لحظة التسوية. والأخطر من ذلك أن التدخل الأحادي المنحاز يستدعي – بحكم منطق توازن المصالح – تدخلاً مضاداً من أطراف خارجية أخرى، فتتحول الحرب من صراع داخلي قابل للاحتواء إلى ساحة تنافس إقليمي ودولي. هكذا تنخفض كلفة الاستمرار في القتال، ويتراجع الإستعداد لتقديم التنازلات المتبادلة، ويغدو النزاع “صراع ضعفاء” متطاولاً، وسباقاً نحو القاع، كما نشهده اليوم في السودان.
البيانات المقارنة تؤكد هذه الخلاصة: فالحروب التي شهدت تدخلاً خارجياً أحادياً استمرت، في المتوسط، أضعاف مدة الحروب التي لم تشهده. وحتى عندما ينتهي القتال، كثيراً ما تخلّف هذه التدخلات دولاً أضعف، ونُظماً أقل استجابة، ومسارات تنمية أكثر هشاشة (أنظر مقالى الموسوم “التدخلات الخارجية واستدامة الحروب الأهلية: قراءة تفسيرية في الأطروحة والنموذج والدلالات بالنسبة للسودان)(1).
ثانياً: ما الذي يميز التدخل الأممي متعدد الأبعاد؟
في المقابل، لا يقوم التدخل الأممي متعدد الأبعاد على منطق ترجيح كفة طرفٍ على آخر، بل على إدارة الانتقال من الحرب إلى السلام وفق معايير دولية متوافق عليها. وهو تدخلٌ محكومٌ بشرعية جماعية، وتفويض واضح، وآليات مساءلة، وحدود صارمة تمنع تحوله إلى أداة نفوذ لبلدٍ بعينه (أنظر مقالى الموسوم “نحو عملية أممية لإسناد “الميثاق الوطنى” فى سياق المبادرة الرباعية؟”)(2). بالطبع نحن لا نطرح خيار التدخل الأممي كوصفة سحرية أو ضمانة تلقائية للنجاح؛ لكنه – على عكس التدخلات الأحادية – لا يعيد إنتاج منطق الحرب ذاته، بل يخلق شروطاً أفضل للانتقال إلى تسوية سياسية شاملة. فى هذا السياق تكمن أهمية العمليات الأممية في ثلاثة أبعاد مترابطة:
الحياد والمعيارية: إذ يوفّر مرجعيات دولية في قضايا الإصلاح الأمني، ونزع السلاح، والعدالة الانتقالية، بما يحول دون اختزال السلام في ترتيبات شكلية أو صفقات نخبوية.
استكمال “مثلث السلام”: حيث تشير الأدبيات إلى أن نجاح السلام يتطلب توازناً بين مؤسسات الدولة، والنسيج الاجتماعي، والدعم الدولي. وفي السودان، يعاني الضلعان الوطنيان من وهنٍ شديد بفعل الحرب، ما يجعل الإسناد الأممي ضرورةً وطنية لا محيص منها.
منع تسييس العون الإنساني وبناء السلام: إذ يتيح التدخل الأممي فضاءً أوسع لمشاركة القوى المدنية في حماية المدنيين وتقديم الإغاثة، ويحدّ من توظيف المساعدات في تعديل موازين القوة لصالح معسكر الحرب من النُخب العسكرية-المليشياوية وتوابعهم.
ثالثاً: السودان بين خيارين
تكشف التجربة السودانية، عبر تاريخها الحديث من الحرب الأهلية الأولى إلى الراهنة، أن التدخل الخارجي كان عاملاً بنيوياً في إطالة الصراعات حين اتخذ طابعاً أحادياً ومنحازاً. وفي المقابل، فإن كل فرص السلام الجاد – مهما تعثرت – ارتبطت بمحاولات إدخال عنصر الشرعية الدولية والمعايير متعددة الأطراف. من هنا، فإن الرهان على تدخلات أحادية جديدة، تحت ذرائع “الواقعية السياسية”، لا يعني سوى إعادة تدوير الحرب. أما الرهان على مسار أممي متعدد الأبعاد، فيظل – برغم كلفته وتعقيداته – الخيار الأكثر اتساقاً مع هدف إنهاء الحرب لا إدارتها.
رابعاً: مبادرة الرباعية والحاجة إلى الإسناد الأممي
في هذا السياق، تبرز مبادرة الرباعية بوصفها منصةً إقليمية مهمة، لكنها – بحد ذاتها – لا تكفي لبناء سلام مستدام. فالتجارب المقارنة تُظهر أن المبادرات الدولية أو الإقليمية، حين تُترك بلا مظلة أممية، تكون أكثر عرضة للاختطاف من قِبل المصالح المتنافسة، أو للتحول إلى مسارات تفاوضية مغلقة تعيد إنتاج اختلالات القوة.
وعليه، فإن إسناد مبادرة الرباعية بعملية أممية متعددة الأبعاد ليس انتقاصاً من السيادة، بل هو شرطٌ لحمايتها من المقايضات قصيرة النظر. عمليةٌ أممية تُصمَّم بالتكامل مع الاتحاد الأفريقي والجامعة العربية والمنظمات الإقليمية الأخرى، وتعمل تحت سقف مشروع وطني سوداني جامع، قوامه وقف الحرب، والإصلاح الأمني، والعدالة الانتقالية، وبناء عقد اجتماعي جديد.
خاتمة: أي تدخل نريد؟
الخلاصة التي تفرضها الأدلة والتحليل واضحة: ليست كل التدخلات الخارجية سواءً. فالتدخل الأحادي المنحاز يطيل الحروب حتى حين يزعم السعي لإنهائها، بينما يملك التدخل الأممي متعدد الأبعاد – إذا ارتبط بإرادة وطنية مدنية – قدرةً أعلى على فتح الطريق نحو سلام تحوّلي.
من هنا، فإن الدعوة اليوم ليست إلى مزيد من التدخل، بل إلى تغيير طبيعته: من تدخلات أحادية تُدار بمنطق النفوذ، إلى عملية أممية متعددة الأبعاد تُدار بمنطق السلام. وفي السودان، حيث انهارت المؤسسات وتصدّع النسيج الاجتماعي، لا يبدو هذا الخيار مثالياً أو طوباوياً، بل الحد الأدنى من الواقعية السياسية.
إن مبادرة الرباعية لن تنجح في تحقيق السلام والتحول المدني الديمقراطي ما لم تُرفد بدور أممي متكامل، يوازي ضُعف الداخل، ويحصّن المسار من التلاعب، ويعيد توجيه البوصلة من إدارة الحرب إلى إنهائها. وحده هذا التلاقي بين مشروع وطني مدني وإسناد أممي رشيد يمكن أن يفتح للسودان أفق الخروج من الجحيم، لا التعايش معه.
إن القبول بعدم الفعل، أو الركون إلى خطاب “الاستحالة الدولية”، لا يعني الحياد ولا الواقعية، بل يفتح البلاد، عملياً، على مصراعيها أمام التدخلات الأحادية بكل ما تحمله من كلفة باهظة: إطالة أمد الحرب، وتعميق الاستقطاب، وإعادة إنتاج أنظمة شمولية مرتهنة للأجندات الخارجية. وعلى النقيض من ذلك، فإن الإصرار على مسار أممي متعدد الأبعاد – مهما بدا شاقاً وطويلاً – هو الرهان الوحيد القادر على كسر حلقة إدارة الصراع والانتقال إلى إنهائه. إن مسؤولية هذا الرهان تقع على عاتق القوى المدنية الديمقراطية، مدعومةً بالمجتمع السوداني في الداخل والدياسبورا في الخارج، لتحويل الحق في الدعم الأممي من مطلبٍ أخلاقي إلى قضية سياسية دولية مفروضة على الأجندة العالمية. فالسودان لن يُنقَذ بالاستسلام لميزان القوى الراهن، بل بإعادة تشكيله عبر الضغط الشعبي، والشرعية الأخلاقية، والعمل الأممي المنظم.
————————————–
أنظر مقال ” التدخلات الخارجية واستدامة الحروب الأهلية: قراءة تفسيرية في الأطروحة والنموذج والدلالات بالنسبة للسودان”: https://shorturl.at/dYiJ7
أنظر مقال “نحو عملية أممية لإسناد “الميثاق الوطنى” فى سياق المبادرة الرباعية؟”: https://shorturl.at/uPnQY
