حين تنزلق الحرب إلى الهوية: قراءة في خطاب مناوي وما يكشفه عن دارفور

تقرير، عبد الرحمن آدم ـ أعاد خطاب مسجّل بثه حاكم إقليم دارفور، مني أركو مناوي، في 23 ديسمبر/كانون الأول، فتح أسئلة شائكة حول حدود الخطاب السياسي في زمن الحرب، والفاصل الدقيق بين المسؤولية الدستورية والانتماء الاجتماعي. لم يكن الجدل هذه المرة حول مضمون التحشيد العسكري فحسب، بل حول اللغة والفضاء العام الذي قُدّم فيه الخطاب، ما أثار مخاوف من انزلاق الحرب السودانية أكثر نحو خطاب هويّاتي يهدد النسيج الاجتماعي الهش في دارفور، ويقوض ما تبقى من فكرة الإقليم بوصفه كيانًا جامعًا لمكوّناته المتعددة.

حين تتكلم السلطة بلغة القبيلة

فجر الخطاب الذي نشره مني أركو مناوي على صفحته الرسمية بموقع فيسبوك، جدلًا واسعًا بين مراقبين ونشطاء، ليس فقط بسبب توقيته المتزامن مع تطورات ميدانية حساسة، بل لأن الخطاب جاء بلغة الزغاوة، مخاطبًا أبناء القبيلة حصريًا، عبر الصفحة الرسمية لحاكم إقليم دارفور، لا عبر قنوات اجتماعية مغلقة.

هذا الاختيار، في الشكل والمضمون، اعتبره كثيرون تجاوزًا للحدود الرمزية للمنصب الدستوري، الذي يفترض مخاطبة جميع مواطني الإقليم دون تمييز لغوي أو إثني، خصوصًا في سياق حرب تُتَّهم أصلًا بتغذية الانقسامات الاجتماعية.

مضمون تحشيدي… وذاكرة مثقلة

بحسب الترجمة النصية للخطاب الذي استغرق دقيقتين و11 ثانية، دعا مناوي أبناء قبيلته إلى الاستعداد الفوري للقتال، محذرًا مما وصفه بتهديدات وشيكة من قوات الدعم السريع، ومؤكدًا أن الصراع يستهدف “الأرض والهوية والمال”، في لغة تعب Mobilization تُلامس المخاوف الوجودية.

لكن هذه ليست المرة الأولى التي يستخدم فيها مناوي لغته الأم في سياق الحرب. فقد سبق أن خاطب جنوده ومؤيديه بخطابات وُصفت بالعدائية، وتضمنت توصيفات مثيرة للجدل مثل “عرب الشتات” و”الأجانب”، وهي عبارات ما تزال حاضرة في ذاكرة الفضاء الرقمي، وتُستدعى اليوم كجزء من سياق أوسع يعكس انزلاق الخطاب السياسي نحو لغة الإقصاء.

المنصب العام أم رابطة الدم؟

يرى ناشطون أن الإشكال لا يكمن في حق المجتمعات المحلية في الدفاع عن نفسها، بقدر ما يكمن في الخلط بين موقع الحاكم كسلطة عامة، ودوره كزعيم اجتماعي أو قائد حركة مسلحة.

يقول الناشط الحقوقي الخطيب صالح إن نشر الخطاب بلغة القبيلة عبر الصفحة الرسمية للحاكم “أغفل الحساسية الاجتماعية لمكونات دارفور، وتجاهل الطبيعة الجامعة للمنصب”، مشيرًا إلى أن مخاطبة كيان اجتماعي بعينه كان يمكن أن تتم عبر قنوات أهلية أو مجموعات مغلقة، بعيدًا عن المنصة العامة التي تمثل جميع سكان الإقليم.

ويضيف أن غياب الدولة وعجزها عن حماية المدنيين لا يبرر الانزلاق نحو خطاب قد يُفهم باعتباره دعوة لتعبئة قبلية، في إقليم عانى طويلًا من نتائج هذا النوع من التحشيد.

الحرب… حين تكشف وجهها الاجتماعي

من جانبه، يرى الإعلامي والقيادي السابق بحركة تحرير السودان، الفاضل إبراهيم، أن خطاب مناوي الأخير أعاد تأكيد البعد الاجتماعي للحرب، والذي حاول كثيرون إنكاره. ويشير إلى أن قادة “القوة المشتركة” لجأوا، بعد تعثرهم عسكريًا، إلى استدعاء سرديات الغبن الاجتماعي لحشد المقاتلين، خصوصًا بعد خسائر ميدانية كبيرة.

ويضيف أن السيطرة على الفاشر شكلت نقطة تحول، إذ تقلصت فرص تحقيق انتصارات واسعة، ما دفع نحو التركيز على مناطق بعينها، عبر تحفيز مكونات اجتماعية محددة باعتبارها “أهل الوجعة”، في مشهد يعمق الاصطفاف بدل تفكيكه.

تحولات خطابية… أم مناورة مؤقتة؟

ترصد الناشطة وكاتبة المحتوى إيمان عبد الله تغيرًا ملحوظًا في خطاب بعض المؤثرين الداعمين للحرب داخل مجموعات مغلقة، حيث تراجعت لغة الشيطنة المطلقة، لتحل محلها تساؤلات حول جدوى الحرب وعلاقة القبيلة بها.

لكن إيمان تحذر من قراءة هذا التحول بوصفه مراجعة حقيقية، معتبرة أنه “تغيير تكتيكي بلا رؤية”، قد يتبدد سريعًا مع أي مكسب عسكري جديد، ليعود الخطاب التعبوي بأشد مما كان.

ما بعد الخطاب: سؤال الدولة والعيش المشترك

في إقليم مثل دارفور، حيث تداخلت السياسة بالسلاح، والهوية بالجغرافيا، يصبح الخطاب العام مسؤولية أخلاقية قبل أن يكون أداة تعبئة. فحين تتكلم السلطة بلغة جزء من المجتمع، فإنها – عن قصد أو بدونه – تعمق شعور الإقصاء لدى الآخرين.

يبقى السؤال مفتوحًا: هل تعي القيادات السياسية والعسكرية في السودان أن أخطر ما في هذه الحرب ليس فقط عدد الضحايا، بل ما تتركه من شروخ عميقة في الوعي الجمعي، قد تجعل فكرة العيش المشترك أكثر هشاشة من أي وقت مضى؟

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.