سرديات.. الزاكي عبد الحميد أحمد

*الناسُ كالأشجارِ هذي يُجْتَنى منها*
*الثمار؛ وذي وقودُ النار*

قائل البيتِ شاعرٌ مغمورٌ، فلا غَرْوَ إن لم يسمع به كثيرون، وأنا منهم، رغم ذيوع سيرته كقائد عسكري محنّك، ومستشار سياسي ذي بصيرة نافذة، أفادت صلاح الدين الأيوبي في توجهاته العسكرية، أيام الحروب الصليبية..

وربما ظل هذا الشاعر المقل بعيدا عن الأضواء لولا أن جاءت شابة سودانية وجعلت منه عملاً أدبيا احتفى به سوق الأدب البريطاني..

مسرحية كتبتها وأخرجتها كاتبة بريطانية من أصول سودانية، فاحتفى بها النقاد البريطانيون وتساءل بعضهم ما اذا كانت المسرحية، حملت في ثناياها، رداً من الكاتبة على ابيها؟

الكاتبة المسرحية الشابة *سارة الطيب صالح* درست الادب الانجليزي في أكسفورد، وألّفت- قبل وفاة والدها، الروائي المعروف الطيب صالح، رحمه الله، عام ٢٠٠٩- مسرحيةً، بعنوان *أسامة بن منقذ،* قال عنها بعض النقاد، إنها لا تخلو من إشاراتٍ، يفهم منها أنها رد، على فكرةٍ، عالجها والدُها في روايته الذائعة الصيت: موسم الهجرة إلى الشمال؛ فأظهر تباينا في الرؤى بين المبدعة الشابة ووالدها..

*لا وكسٌ فيما أقولُ ولا شططٌ*..

هكذا أنهى *دوقلاس* رئيس وحدة الترجمة والتحرير، التي كنت أعمل فيها في الخليج، مع مترجمين من مصر والأردن، حديثَه معي، ذات صباح، وهو يهديني نسخةً من كتاب، ألّفه رئيسُ قسم الدراسات الشرقية في أكسفورد، بعنوان *لقاءات جنسية في الشرق الاوسط: بريطانيون وفرنسيون وعرب*:
Sexual Encounters in the Middle East: the British, the French and the Arabs by Derek Hopwood.

عبارة *لا وَكْسٌ ولا شَططٌ،* مقتطعة من حديث نبوي، لسيد الخلق، يوضح فيه حقوقَ المرأة، التي مات عنها زوجُها؛ وتشير من جهة أخرى، إلى عمق معرفة دوقلاس باستشهاده بها ، بآداب أهل الشرق وفنونهم منذ زمن بعيد..

وتعني العبارة في سياقها الفقهي أن لا نقصان ولا زيادة، فيما يُنطق به من حكم أو فتوى فقهية، وتُستخدم للحكم بالعدل والإنصاف؛ والوكس هو النقصان ، والشَّطَط هو الجور أو الزيادة أو الظلم، وتُشير إلى أن القضاءَ أو الحكمَ، يجب أن يكونَ متوسطًا ومتوازنًا، لا يظلم طرفًا بنقص ولا يتجاوز على طرف بزيادة…

أما في سياقها الاصطلاحي، فالعبارة تعني، لا نقصان ولا زيادة فيما يسوقه المتحدث من حجج لترجيح كفته في الجدال مثلاً؛ بمعنى أن ما يقوله هو عين الحقيقة التي لا تقبل جدالا حولها..

والجدال بيني وبين هذا المستشرق واسع العطاء في فن الترجمة والأدب العربي بوجه عام، كان لا يتوقف؛ إذ كثيرا ما كان يستفزني ويثيرني بقوله إن المبدع العربي توقف عطاؤه ولا جديد لديه يقدمه للبشرية، سوى اجترار ما جاء به أسلافه (ما قاله حقيقة ولكن مرارتها كاوية!!).. في ذلك اليوم قصد دوقلاس باستخدامه للعبارة في سياقها الاصطلاحي؛ ان ينهيَ ما دار من جدل بيني وبينه حول ترجمة دنيس جونسون ديفيز لرائعة الطيب صالح موسم الهجرة الى الشمال (كان يرى ان المترجم البريطاني هو الذي جعل للرواية صيتَها؛ وأنه لولا المترجم الحاذق، لما عرف الأدب السوداني/الطيب صالح طريقه إلى سوق الأدب العالمي) ، إلى جانب تأييده، وبشدة لما ورد في كتاب رئيس الدراسات الشرقية في جامعة أكسفورد البروفيسور ديريك هوبوود..Derek Hopwood..

يقول البروفيسور هوبوود في كتابه، الذي حاول دوقلاس أن يقارعَ به حجتي، في جدالي معه “إن الطلاب العرب يأتون إلى الجامعات البريطانية، ليس من أجل الدراسة والتحصيل العلمي، وإنما لمضاجعة الفتيات البريطانيات الشقراوات؛ للانتقام من المستعمر البريطاني الذي احتل بلادَهم”..

مصطفى سعيد بطل رواية موسم الهجرة إلى الشمال اتخذه دوقلاس في نقاشه معي نموذجاً.!!

غير أن الطيب صالح -رحمه الله-كما نعلم كان يوجّه عدة اشارات للقاريء في سياق حملته الانتقامية ضد الغرب بآلة الجنس لا بآلة الحرب (الحروب الصليبية/الاستعمار) على لسان بطل الرواية *مصطفى سعيد* منها قوله:
*إني أسمع قعقعةَ خيولِ اللنبي وهي تطأ ارض القدس*… واللنبي هو:
Edmund Henry Allenby
القائد العسكري البريطاني، الذي أرسلته بريطانيا أيام الحرب العالمية الأولى للاستيلاء على فلسطين وسوريا وكان هو قائد التجريدة المصرية أيام الحرب.

نعم! الطيب صالح قال على لسان بطل الرواية:
*نعم يا سادتي إني جئتكم غازيا في عقر داركم ..قطرة من السم الذي حقنتم به شرايين التاريخ*..

وسمعنا ايضا مصطفى سعيد وهو يردد (انا لست *عطيلا*.عطيل أكذوبة.)
و *عطيل* هو الشخصية التي ابتدعها شكسبير في مسرحيته التي تحمل نفس الاسم.. وهو قائد عربي من شمال افريقيا: مغربي او امازيغي او موريتاني.. استخدمه شكسبير كقائد في حكومة جنوة، لوقف المد العثماني في قبرص، فانبهر بحضارة الغرب، حتى وجد نفسَه في أحضان الأميرة الغربية ديسديمونة!..وهذا الانبهار (والتماهي مع الحضارة الغربية) هو ما لم يرق للطيب صالح في نظرته للغرب المستعمر، لأنه جاء غازيا لا متماهيا مع هذا (الآخر) ..

هذه استدعاءات يسترجع بها الطيب صالح ذكريات تاريخية، مع ما يصاحبها من ظروف المكان والزمان، وبها تنتقل عمليةُ التذكر من عالم المدركات الخارجية الى عالم التصورات الذهنية..

وهذا ما أكده البروفيسور عبد القادر شريف بموسى أستاذ التعليم العالي، بقسم اللغة العربية وآدابها في جامعة تلمسان الجزائرية، حين أشار إلى هذه الاستدعاءات التاريخية والانتقام عن طريق الجنس كما تبناه الروائي..

الجنس في الرواية؛ كما يقول البروفيسور الجزائري، هو مشروع انتقام، *الجنس* هنا عامل هدم للوجود والفناء بدلاً من ان يكون عامل بناء وبقاء بل يرى أن الجنس في سياق الرواية هو معادل للموت (موت عشيقات مصطفى سعيد) ؛ إنه أقصى درجات القسوة قي هذا الصراع الأزلي بين الشرق والغرب في الرواية العربية الحضارية..

وهذا الانتقام المفضي لفناء (الآخر)، هو ما عالجته الأستاذة سارة الطيب صالح، في المسرحية التي ألفتها، وأخرجتها، واحتفت بها مسارح بريطانيا..هذه المبدعة الشابة أسمت مسرحيتها *أسامة بن منقذ*، وأسندت دور البطولة فيها لممثل أردني مشهور في مواجهة متخيلة مع مصطفى سعيد..

و *اسامة بن منقذ* المعني، هو أمير وفارس وشاعر من إمارة شيزر في الشام..قاتل الصليبيين وصادق بعضهم واشاد بشجاعة مقاتليهم وانتقد جوانب حياتهم..وشارك في معارك المسلمين ضد الصليبيين في بيت المقدس (وأشار الطيب صالح، رحمه الله، الى تلك الحملات بقوله *إني أسمع قعقعة خيول اللنبي وهي تطأ أرض القدس*)..

وكانت علاقة أسامة بن منقذ بالصليبيين معقدة ومتعددة الأوجه، حيث جمعت بين العداوة في المعارك والصداقة في مواقف شخصية، فكان يقاتلهم في حروب ويسافر بينهم كسفير، ويصفهم في كتابه “الاعتبار”
The Book of Contemplation: Islam and the Crusades
بالجرأة والشجاعة والاهتمام بالمظهر، مع انتقاد لغتهم وعاداتهم أحياناً..

والفكرة التي تعالجها المسرحية ترفض التعميم في اطلاق الأحكام وبناء المواقف المتشددة، كما أبانه أسامة بن منقذ من خلاله نظرته الثنائية للغرب/المستعمر (القتال والصداقة اي الفناء والبقاء) ..

وربما كانت ثيمة المسرحية تستند في بعض محاورها على انثيالات مما قال أسامة بن منقذ شعراً:

*الناسُ كالأشجارِ هذي يُجتَنَى منها*
*الثمارُ؛ وذي وقودُالنار*..

People are like trees, we see,

Some bear sweet fruits, for you and me.

Others stand tall, but yield no gain,

Just timber for fire, with no fruit to claim…

وهذا المقطع اتخذه بعض النقاد في بريطانيا، ليقيموا به الدليل على ان المسرحية جاءت ردا من المؤلفة سارة الطيب صالح على غلو مصطفى سعيد في صراعه مع الغرب..اي ان في الغرب اناسا جيدون، وليسوا كلَّهم اشراراً، يستحقون الفناء بالطريقة التي تبناها مصطفى سعيد-للقضاء على اعدائه..!

بول موليه Paul Mollet صحافي بريطاني، عملنا معا في مؤسسة اعلامية في الخليج، طلبت منه عند عودته لبريطانيا، بعد انقضاء فترة عمله في الخليج، ان يزودَني بنسخة من مسرحية *أسامة ين منقذ* التي كتبتها سارة الطيب صالح..ارسل لي بعض المقالات التي استعرضت المسرحية، ولكنه لم يعثر على المسرحية، ووعدني بالبحث عنها وارسالها متى تسنى له..

المقالات التي استعرضت المسرحية بالانجليزية، كانت هي مصدري للحديث عن المقاربة بين المسرحية ورواية موسم الهجرة الى الشمال من حيث الانتقام بتمييز والانتقام بدون تمييز..

وأرجو من صديقي الحبيب محمد المهدي عبد الوهاب؛ ان يبحثٌ بدوره عن المسرحية، من مقر اقامته في لندن، وان يثري بها النقاشَ، في قروب *قهوة النشاط*، الذي يضم عددا كبيرا من خيار أبناء بلدي، من خريجي جامعة الخرطوم، في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي..

تحياتي؛
-الزاكي عبد الحميد أحمد-

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.