
كيف تحولت «لوليتا» من رواية تفضح الجريمة إلى لغة تبررها في قضية إبستين؟
(خاص) الغد السوداني – من رواية أدبية صادمة كتبت لفضح الجريمة، إلى لغة جمالية استُخدمت لتمويهها، عادت «لوليتا» لفلاديمير نابوكوف إلى واجهة الجدل العالمي بعد تقاطعها مع واحدة من أبشع قضايا الاستغلال الجنسي في العصر الحديث: قضية جيفري إبستين. فكيف جرى اقتلاع الرواية من سياقها النقدي، وتحويلها إلى أداة تبرير رمزي للعنف؟ ولماذا تصبح اللغة، حين تُساء قراءتها، شريكاً صامتاً في الجريمة؟
كيف سُرقت «لوليتا» من الأدب وأُقحمت في فضيحة إبستين؟
لم تُكتب «لوليتا» لتكون قصة عشق محرّمة، بل فخاً أخلاقياً نصبه فلاديمير نابوكوف للقارئ. رواية تضعه داخل عقل الجاني، لا ليتعاطف معه، بل ليدرك كيف يمكن للغة الجميلة أن تخدع الضمير، وكيف يتخفّى العنف خلف البلاغة.
لكن ما حدث لاحقاً كان عكس ما أراده الكاتب تماماً.
من النص إلى الجسد
بجملة افتتاحية تُعد من أشهر افتتاحيات الأدب الحديث — «لوليتا، يا ضوء حياتي، يا نار سوأتي…» — يدخل القارئ إلى عالم همبرت همبرت، الراوي المنحرف الذي يروي هوسه بطفلة مستخدماً لغة ساحرة، مراوغة، وملغومة أخلاقياً.
هذا الأسلوب، الذي قصد به نابوكوف كشف آليات تزييف الجريمة لغوياً، جرى لاحقاً اقتطاعه من سياقه النقدي، ليُعاد توظيفه في الثقافة الشعبية بوصفه «رمزاً للإغواء»، لا «تشريحاً للجريمة».
وهنا، تبدأ السرقة.
حين تُستخدم الرواية كقناع
مع تصاعد التحقيقات في قضية رجل الأعمال الأميركي جيفري إبستين، ظهرت شواهد مقلقة على إساءة توظيف «لوليتا» ورمزيتها، سواء عبر اقتباسات متداولة، أو عبر بيئة ثقافية كاملة أعادت إنتاج خطاب يلطّف العنف ويحوّل الضحية إلى كيان ملتبس.
تحقيقات صحافية أميركية ربطت بين خطاب إبستين وسلوكياته وبين ما يُعرف في علم الجريمة بـ«اللغة المموِّهة»، وهي آلية تستخدم الجماليات اللفظية والفنية لتجريد الفعل الإجرامي من ثقله الأخلاقي.
الناقد الأميركي ليونيل تريلينغ كتب مبكراً أن «لوليتا» ليست رواية عن تبرير الشر، بل عن سحره الخادع، وعن خطورته حين يُروى بلسان بليغ.
«أوكار إبستين»… مسارح جرائم مصمّمة
لم تكن منازل إبستين مجرد مساكن فاخرة، بل مسارح جرائم مكتملة الأركان.
من نيويورك إلى فلوريدا، وصولاً إلى جزيرته المعزولة في الكاريبي، كشفت الوثائق الرسمية والصور المنشورة عن فضاءات صُممت بعناية لتهيئة الاعتداء.
لوحات إيروتيكية، تماثيل لأجساد نسائية مبتورة، صور عري منتشرة في الممرات وغرف النوم، وغرف تدليك مجهّزة بإضاءة خافتة وكاميرات خفية.
في علم النفس الجنائي، تُعرف هذه البيئات بـ«البيئات الممكنة للانتهاك»، حيث يصبح المكان شريكاً في الجريمة، لا مجرد مسرح لها.
الفن الإيروتيكي بوصفه أداة ضبط
كان إبستين شغوفاً بالفن الإيروتيكي، وعضواً في مجلس إدارة أكاديمية نيويورك للفنون. اقتنى أعمالاً تصوّر الجسد الأنثوي في أوضاع ملتبسة، بعضها يستلهم لوحات تاريخية عن الاغتصاب والعنف الجنسي.
الفنانة ماريا فارمر، التي عملت مستشارة فنية لديه، وصفت ذائقته الفنية لاحقاً بأنها «تصادمية ومقلقة»، قبل أن تتهمه وشريكته غيسلين ماكسويل بالاعتداء عليها وعلى شقيقتها القاصر.
هنا، لا يعود الفن مجرد ذوق، بل يصبح جزءاً من منظومة السيطرة: تطبيع العري، تفريغه من صدمته، وتحويله إلى خلفية يومية للانتهاك.
غرف التدليك… بوابة الاعتداء المنهجي
تكررت غرف التدليك في كل ممتلكات إبستين، مجهّزة مسبقاً بالزيوت، الأدوات، والكاميرات.
شهادات الضحايا، من بينها فيرجينيا جوفري، أكدت أن الاستدراج كان يبدأ دائماً تحت مسمى «التدليك»، قبل أن يتحول إلى اعتداء.
وثائق التحقيق أشارت إلى تصميم معماري يمنع الرؤية من الخارج، وأبواب لا تُفتح إلا من الداخل، ما يجعل الغرفة أداة حبس ناعمة، لا زنزانة.
العقلية الإجرامية… حين تلتقي اللغة بالمكان
دراسة تحليلية نفسية–جنائية نُشرت عام 2025 ربطت شخصية إبستين بما يُعرف بـ«الثالوث المظلم»:
النرجسية المرضية، الاعتلال المعادي للمجتمع، والميول الميكافيلية.
هذه السمات لا تعمل منفصلة، بل تُنتج شخصية قادرة على:
- تبرير العنف لغوياً
- تشييء الضحايا
- هندسة بيئات مغلقة لإعادة إنتاج الجريمة
وهو ما يجعل إساءة توظيف «لوليتا» جزءاً من منظومة أوسع: لغة تُخدّر، وفن يطبع الانتهاك، ومكان يُدار كآلة.
«لوليتا» كما أرادها نابوكوف
نابوكوف لم يكتب رواية عن الحب، بل عن الخداع.
عن كيف يمكن للجاني أن يبدو مثقفاً، حساساً، ومقنعاً.
وعن مسؤولية القارئ في مقاومة سحر اللغة، لا الانسياق خلفه.
سرقة «لوليتا» من سياقها ليست خطأً أدبياً فقط، بل جريمة ثقافية، لأن إساءة القراءة قد تتحول — كما في حالة إبستين — إلى تواطؤ غير مباشر مع العنف.
