البحر يختار لاعبيه: أرض الصومال بين الاعتراف الإسرائيلي وتراجع الدور السوداني

الخرطوم، الغد السوداني – عاد ملف «أرض الصومال» الانفصالي إلى صدارة المشهد الإقليمي، بعد إعلان إسرائيلي مفاجئ عن «اعتراف متبادل» مع سلطات الإقليم، في خطوة أعادت طرح أسئلة قديمة حول مستقبل القرن الإفريقي، وتحولات البحر الأحمر، ومن يملك مفاتيح الموانئ والممرات البحرية. وبينما تتسارع الترتيبات الجيوسياسية على ضفتي خليج عدن وباب المندب، يظهر السودان – رغم موقعه الحيوي – خارج الحسابات، في مشهد يعكس تراجع الدولة مقابل صعود الجغرافيا.

ماذا نعرف عن أرض الصومال؟

تقع أرض الصومال في شمال غربي جمهورية الصومال الفيدرالية، وتطل على خليج عدن بساحل يمتد لنحو 800 كيلومتر، وتشترك في حدودها مع جيبوتي غرباً وإثيوبيا جنوباً، وتبلغ مساحتها أكثر من 176 ألف كيلومتر مربع، ويُقدَّر عدد سكانها بنحو أربعة ملايين نسمة.

نال الإقليم استقلاله عن بريطانيا في يونيو/حزيران 1960، قبل أن يدخل في اتحاد مع الصومال الخاضع آنذاك للاستعمار الإيطالي. غير أن الخلافات السياسية والتهميش الذي طال المناطق الشمالية قادا إلى توترات متصاعدة، بلغت ذروتها في أواخر ثمانينيات القرن الماضي، حين تعرّضت مدينة هرجيسا لقصف واسع خلال حكم الرئيس الصومالي الراحل محمد سياد بري.

ومع انهيار الدولة الصومالية عام 1991، أعلنت «الحركة الوطنية الصومالية» انفصال الإقليم من طرف واحد تحت اسم «جمهورية أرض الصومال». ورغم غياب الاعتراف الدولي، استطاع الإقليم بناء نموذج نسبي من الاستقرار السياسي والأمني، وتشكيل مؤسسات حكم محلية تشمل رئاسة وبرلماناً ودستوراً خاصاً، إضافة إلى جيش وعملة وعلم مستقل.

الميناء قبل الدولة

يرى محللون أن عودة ملف أرض الصومال لا يمكن فصلها عن موقع الإقليم الاستراتيجي على أحد أهم الممرات البحرية في العالم. ففي الحسابات الجيوسياسية الراهنة، لم يعد الاعتراف السياسي هدفاً بحد ذاته، بل أداة لتأمين الموانئ، وحماية طرق التجارة، وترتيب الوجود الأمني في البحر الأحمر وخليج عدن.

وتُطرح أرض الصومال، في هذا السياق، بوصفها منطقة «مستقرة وقابلة للإدارة»، مقارنة بالصومال الفيدرالي الذي لا يزال يواجه تحديات أمنية معقدة. ويُعتقد أن أي اعتراف محتمل لا يستهدف إنشاء دولة جديدة بقدر ما يوفّر غطاءً سياسياً لترتيبات طويلة الأمد تتعلق بالموانئ والقواعد البحرية وخطوط الملاحة.

إثيوبيا… البحث عن البحر

تتقاطع هذه التطورات مع طموحات إثيوبيا، الدولة الأكبر سكاناً في شرق إفريقيا، والتي فقدت منفذها البحري عقب استقلال إريتريا. ففي يناير/كانون الثاني 2024، وقّعت أديس أبابا مذكرة تفاهم مع سلطات أرض الصومال تمنحها منفذاً على البحر مقابل ترتيبات سياسية تتعلق بوضع الإقليم، وهي خطوة رفضتها الحكومة الصومالية واعتبرتها انتهاكاً لسيادتها.

ويرى مراقبون أن هذا المسار منح أرض الصومال ثقلاً إضافياً في المعادلات الإقليمية، وقلّص في المقابل فرص دول أخرى – بينها السودان – في تقديم نفسها بوصفها ممراً بحرياً بديلاً لإثيوبيا.

السودان… الموقع الغائب

في خضم هذه الترتيبات، يبرز السودان بوصفه الغائب الأكبر عن معادلة البحر الأحمر. فعلى الرغم من امتلاكه واحداً من أطول السواحل على البحر، لم يكن السودان طرفاً في أي من التفاهمات الجارية، ولم تُطرح موانئه كأصول استراتيجية ضمن رؤية إقليمية متكاملة.

ويُرجع محللون هذا التراجع إلى سياسات قصيرة الأمد حوّلت الموانئ من أوراق قوة استراتيجية إلى أدوات مقايضة سياسية وعسكرية، ما أدى إلى تآكل دور بورتسودان تدريجياً، في مقابل صعود موانئ بديلة في المنطقة.

على ضفاف “الهامش”

يعكس الإعلان الإسرائيلي بشأن أرض الصومال تحوّلاً أوسع في مقاربة البحر الأحمر، حيث يُعاد رسم النفوذ انطلاقاً من الجغرافيا لا من الشرعية. وفي هذا المشهد، لا تُقصى الدول دفعة واحدة، بل يجري تجاوزها بهدوء.

وبينما تُقدَّم أرض الصومال اليوم بوصفها موقعاً قابلاً للتوظيف في خرائط النفوذ الجديدة، يجد السودان نفسه خارج الحسابات الإقليمية، نتيجة تراكمات سياسية واقتصادية سبقته بخطوات إلى الهامش، قبل أن تتجاوزه التحولات الجارية على ضفاف البحر الأحمر.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.