من يراقب الشخصيات ؟مأزق الروائي بين شرطة الأخلاق وحرية التخييل .

مصطفى خالد مصطفى ..يكتب

مرّةً خضتُ سجالًا حادًّا مع صديقٍ لي، وهو من ذلك الطراز من الأصدقاء الذين يُفتون فيما يعلمون وما لا يعلمون، ويتفلسفون بثقةٍ مفرطة، ويُغالطون، ثمّ يأخذون النقاش مأخذ الشرف والمرجلة. قال لي، بلهجةٍ قاطعة، إنّ على المؤلِّف أن يراقب شخصيّاته، وألا يتركها تخرج عن «الذوق العام»، وأنّه مسؤول عمّا تعتقده هذه الشخصيّات وما «يتقوّلُه» هو على ألسنتها، وأنّ هذه الشخصيّات — وبالضرورة، وهي كلمة يُكثر من استعمالها — تمثّل المؤلِّف داخل النص.

قلتُ له يا أخي إنني أحترم رأيَك، وأحب النقاش معك، رغم أنّنا نادرًا ما نتّفق، لكنّ هذا الموضوع بالذات يحتاج إلى وقفةٍ جادّة، لا إلى أحكام جاهزة. فقد حدث لي، في تجربةٍ روائيّة سابقة، أنّني حاولتُ تهذيب شخصيةٍ سَرْسَجيّة، ضائعة، خارجة عن السائد، فانتهى بي الأمر إلى تشويهها ومسخها وإلغائها نهائيًا من العمل. أنا لا أُجيد التوسّط حين يتعلّق الأمر بالصدق الفني. فهل يكون الحلّ إذن أن أترك الكتابة؟ إنّ في كلامك يا عزيزي خطوطًا حمراء يصعب تجاوزها.

أوّلًا: أنتَ تفصل بين الكاتب وشخصيّاته فصلًا صارمًا، وكأنّ الكاتب كائن أخلاقي مراقِب، والشخصيّات كائنات مُدانة سلفًا. أمّا أنا فأرى الكاتب أقرب إلى المشخَّصاتي أو الممثّل؛ عليه أن ينتحل شخصيّاته التي يخلقها، أيًّا كانت: لصًّا، رجلَ دين، عاهرة، طفلًا، شجرة، موظّف دولة، شوارعيًّا… إلخ. هذا التقمّص ليس ترفًا، بل شرطًا أساسيًا لخلق شخصيّات حيّة.
صحيح أنّ ترك الشخصيّات تتحرّك بلا أي تنظيم قد يفضي إلى فوضى، لكنّ التدخّل المطلوب هنا ليس تدخّلًا أخلاقيًا ولا رقابيًا، بل تدخّل جمالي، يضبط الإيقاع والبناء دون أن يصادر حرية الاعتقاد والتعبير. أنا لست شُرطيّ آداب ولا فردًا من فِرَق النظام العام.

ثانيًا: الشخصيّات تعبّر عن آرائها هي، لا عن آراء المؤلِّف، لكنّ هذا لا يعني أنّ الكاتب بريء تمامًا ممّا يُقال في نصّه. فالشخصيّة الملحدة، مثلًا، لا تعني أنّ الكاتب يروّج للإلحاد، غير أنّ الكاتب مسؤول عن السياق الذي توضع فيه هذه الشخصية، وعن الطريقة التي تُدار بها أفكارها داخل المعمار السردي. المسؤولية هنا ليست أخلاقية، بل جمالية وفكرية. وكذلك الأمر في اللغة. هذا لا يعني نقل اللغة الواقعية نقلًا حرفيًا خامًا، بل إعادة صياغتها فنيًا، بحيث تؤدّي وظيفتها التعبيرية دون ابتذال أو “كسل تعبيري”.

ثالثًا: منذ متى أصبحت مهمّة القارئ البحث عن المؤلِّف داخل شخوصه بوصفه فعل إدانة؟ هذا يحدث كثيرًا، لكنه ليس جوهر القراءة. بحث كثيرون عن نجيب محفوظ في كمال عبد الجواد، وعن الطيّب صالح في مصطفى سعيد، وأحيانًا كان هذا البحث مشروعًا من زاوية تأويلية، لا أخلاقية. المشكلة ليست في التأويل، بل في اختزاله وتحويله إلى محاكمة. بعد اكتمال العمل فقط يمكن للقارئ أن يلمس التوجّه العام للنص، لا عبر جملة أو شخصية، بل عبر البنية الكلّية.

الكتابة، في جوهرها، عمليّة محاكاة للعالم. وقد تكون هذه المحاكاة على مستوى الأحداث، أو البيئة، أو الشخصيّات، أو الأفكار، أو التصوّر العام. والكاتب، في المقام الأوّل، مهندس معنى، لا واعظًا ولا مبرِّئًا ولا مُدانًا. يترك شخوصه، بطُهرها ودنسها، بتقواها ونزقها، بعقلها وجنونها، تتحرّك داخل عالمه بحرّيّة محسوبة، ليقول النصّ، في نهايته، كلمته الأعمق عن الإنسان والعالم.

ونحن إذْ نُغلق الرواية فنحن لا نخرج من محكمةٍ للأخلاق كاتبُها هو قاضيها وواعظها. الرواية تمثيل فنّي للعالم حولنا بكل ما فيه من شخوص وأحداث، مع ذلك فإنّ الحرية المطلقة، حين تُنزَع من سياقها الفني، لا تصنع أدبًا بل ضجيجًا. مأزق الروائي، في جوهره، ليس في ما تقوله شخصيّاته، بل في كيف ولماذا يُتيح لها أن تقول. هناك، في هذه المسافة الدقيقة بين المسؤولية الأخلاقية والمصداقية الفنية، يتشكّل الأدب الحقيقي.

 

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.