
«مدن القصائد لا قصائد المدن».. كيف صنعت قصيدة د. مجتبى بنغازي جديدة خارج الخرائط
إبراهيم سالكا.. يكتب
لستُ ناقدًا أدبيًا، ولا كاتبًا محترفًا، ولا أكتب بدافع الكتابة لذاتها، بل أكتب بحاسّة المتلقي، وبما يتحرّك في النفس من دوافع تلقائية حين يلامس الحدث عمقي الإنساني ويترك أثره الصافي في الوجدان. ومن هذا المنطلق وحده جاءت هذه الشهادة، لا بوصفها قراءة منهجية أو نقدية باردة، بل انطباع إنسان عادي، وأثرًا حيًا تركته القصيدة في السمع والوجدان قبل أن تستقر في الذاكرة والسطور.
أول ما استوقفني ولفت انتباهي كان عنوان المسابقة: «مدن القصائد لا قصائد المدن»، وهو عنوان لم يكن عابرًا في دلالته، بل مفتاحًا عميقًا للرؤية التي تحكم التجربة كلها. فهنا لا تُستدعى القصيدة لتتفيأ ظل المدينة، ولا لتستمد جمالها من بهاء الجغرافيا، بل تُستدعى المدينة ذاتها لتولد من رحم القصيدة، وتبعث حيّة من خلال روحها، فتصبح القصيدة هي الأصل، والمدينة هي التجلي. وفي تقديري، هذه قمة العبقرية في اختيار العنوان؛ لأن الشعر هنا لا يصف المكان، بل يخلقه، ويمنحه نبضًا جديدًا، وقدرة على الحياة خارج الخرائط والزمن وغابات الإسمنت.
وحين تتقدّم القصيدة على المكان، لا تعود الجغرافيا شرطًا للانتماء، ويغدو الإبداع وطنًا مفتوحًا للجميع، لا تحدّه الخرائط؛ وطنًا تسكنه الروح قبل الجسد، وتقيم فيه الذاكرة دون تأشيرة دخول أو جواز سفر. هناك، حيث يصير الشعر بيتًا، والكلمة ملاذًا، والجمال هوية لا تُصادر. حينها لا نكتب عن المدن، بل نسكنها من جديد عبر القصيدة، ويصبح الإبداع هو الوطن الأكثر رسوخًا؛ لأن ما يُبنى بالروح لا تهدمه الحروب.
ولبنغازي عشقٌ قديم عندي. كانت في حكاوي المغتربين، ويصلنا ريح صبابتها عبر شرائط الكاسيت التي كان يبعثها أهلنا المغتربون، يبثّون من خلالها أشعارهم وأشواقهم، ومن خطابات مخضبة بدمع العيون. ما زلت أحتفظ بكراسة كتبها الأخ عمر من استقبال فندق الشيراتون.
كانت بنغازي في ذاكرتي تلك المدينة التي هاجر إليها الدرويش، وخالنا الصادق، وعمّ كامل، وعمر، وعبد اللطيف، ومحجوب، ومحمد عبدو، ومحمد مهدي، ثلّة من الكرام، وآخرين لم أستذكرهم الآن. كنا نستقي من حكاياتهم جمال المكان وخضرته، وصورهم التي نراها في ألبومات العائدين: مدينة الخضرة والوجه الحسن، وحسناوات الليبيين وصباياهم، وكنا نظنها جنة الله على الأرض.
ثم جاءت الحرب الأهلية بين شرق ليبيا وغربها، ولم أعد أتصور بنغازي إلا برائحة البارود، وشبح الدمار، وقوات حفتر، وسقوط القذافي، وثوار مصراتة، حتى إنني تخيّلتها مدينة أشباح.
إلى أن أعاد د. مجتبى، بقصيدته، ذكرى بنغازي إلى دائرة الضوء، وذكّرني بالماضي التليد ونحن صبيان، لتدغدغ مشاعرنا نحوها من جديد.
حين قرأت قصيدته، التي بعثها لي مشكورًا، وقرأتها مرارًا، لم أجد مدينة مكتوبة كما تُكتب المدن في دفاتر الجغرافيا، ولا كما تُعرض في كتيبات الزيارة العابرة، بل وجدت أسطورة تولد حين تقرر الأرض أن تنطق، وحين تختار الذاكرة لسانها الأوضح. لم تكن بنغازي في نصه موضعًا ساكنًا، بل كائنًا حيًا نابضًا، مدينة لها قلب يخفق، وذاكرة تمشي على قدمين، وتاريخ يعرف كيف يطل من بين الشقوق.
في القصيدة تنهض المدينة من حجرها، وتخلع صمت المباني، فتصير الجدران صدورًا تحفظ النفس، والشوارع شرايين تجري فيها الحكايات، والميادين مرايا تعكس وجوه الذين مرّوا وتركوا أثرهم. بنغازي عنده لا تُرى فقط، بل تُحسّ؛ لا تُزار، بل تُعاش. مدينة تخرج من النص كما يخرج البطل من الملحمة، مثقلة بالندوب، ومتوجة بالفخر.
وحين استدعى شخوصها، لم يستحضرهم بوصفهم صورًا معلقة على جدار التاريخ، بل حضورًا حيًا يسكن المكان. كان الرمز البطولي عمر المختار حاضرًا، لا كاسم محفوظ في الذاكرة الجمعية، بل كروح تسري في الأزقة، وكقيمة أخلاقية تتوزع على حجارة المدينة وناسها. فبنغازي في القصيدة ليست مدينة احتضنت بطلًا، بل مدينة صارت امتدادًا لروحه، ولسيرته، ولسؤاله المفتوح عن الكرامة والمقاومة.
بهذا الاشتغال العميق تحولت القصيدة إلى مدينة مكتملة، وتحولت المدينة إلى نص مفتوح على البطولة والذاكرة والجمال. ولم يكن الوصف زينة لغوية ولا استعراضًا بيانيًا، بل فعلًا خلاقًا أعاد تشكيل المكان ومنحه حياة أخرى أكثر رسوخًا من الإسمنت والحجر. ولهذا استحقت القصيدة موقعها المتقدم، ونالت المركز الثالث في مسابقة «مدن القصائد»، اعترافًا بأن الشعر ما يزال قادرًا على صناعة المدن ومنحها خلودًا لا تهبه الخرائط.
وتكتمل هذه الشهادة بصدق مصدرها؛ فهي لم تولد من قراءة هادئة بين يدي الورق، بل من لحظة سماع حيّ على خشبة المسرح، حين ألقاها صاحبها. وحين أسمع الشعر لا أسمعه بأذني، بل بالروح.
خرجت الكلمات مشبعة بالصوت والإيقاع والحضور، وكان السمع دليلي الوحيد، والذاكرة أداة الالتقاط. ومن هذا السماع وحده استوحيت ما كتبت هنا، لا بوصفه تحليلًا نقديًا، ولا رأيًا فنيًا. وليعذرني المحتفى به إن تطاولت، لكنه — للأمانة — أثر إنساني خالص تركته القصيدة وهي تُلقى لأول مرة، فاستقرت في الوجدان قبل السطور.
وحين وصلتني القصيدة مكتوبة، اكتملت متعة التلقي والتأمل. فبعض النصوص تولد أصلًا من الصوت، ود. مجتبى مدرسة في العناية بالنص حتى يبلغ المتلقي روحًا لا لفظًا. منح النص روحه كاملة على خشبة المسرح، ثم وجدناه على الورق كما التقطته الأذن، وكما شهدته العين. وحينها أدركت أن هذه القصيدة أعادت لبنغازي شيئًا من روحها المتعبة بفعل الحرب والدمار.
ولا تكتمل هذه الشهادة دون وقفة امتنان صادقة لنادي النسور، الذي لم يكن في تلك الليلة مجرد منظم أو منصة، بل كان بيتًا للقصيدة، وفضاءً للروح، وموعدًا للجمال في زمن شحيح بالفرح، مثقل بالحرب والشتات. كانت ليلة رأينا فيها وجوه أهلنا الكبار تتهجّى نفسها من جديد في حضرة الشعر والغناء، ورأينا القرية كلها تصعد إلى خشبة المسرح لتتشارك الفرح المؤجل. وكما قال النجيفي، حفيد «الكان يهوج في بهجة الأسياد».
وجاءت أغاني عبد الله محمد خير لتكمل المشهد، فامتزج الشعر بالغناء، وامتزج الحنين بالأمل، وصار المسرح نافذة نطل منها على الحياة من جديد.
لم تكن تلك الليلة فعالية ثقافية عابرة، بل فعلًا مقاومًا للحزن، وللحرب، ولليل الأسي الطويل. وكانت القصيدة فيها سلاحًا ناعمًا يعيد ترتيب الداخل، ويمنحنا سببًا إضافيًا لنؤمن بأن هذا الوطن ما يزال قادرًا على الشعر، والغناء، والحياة.
وحين تتقدّم القصيدة على المكان، لا تعود الجغرافيا شرطًا للانتماء، ويغدو الإبداع وطنًا مفتوحًا لا تحدّه الخرائط، وطنًا تسكنه الروح قبل الجسد، وتقيم فيه الذاكرة دون تأشيرة. هناك، حيث يصير الشعر بيتًا، والكلمة ملاذًا، والجمال هوية لا تُصادر. حينها لا نكتب عن المدن، بل نسكنها من جديد عبر القصيدة، ويصبح الإبداع هو الوطن الأكثر رسوخًا؛ لأن ما يُبنى بالروح لا تهدمه الحروب.
ونقول: حينما تعطي الكِكَر قبسًا من نورها، فإنه يتحول إلى قمر يضيء العالم.
