الزاكي عبد الحميد يكتب.. “سرديات”

حين قدمها زوجُها؛ أول مرة؛ لمجموعتنا التي تُعنى فقط بترجمة الشعر؛ كهاوية للترجمة؛  ولا تتعاطاها حرفةً؛ عاز ترحيبُنا بها دفئاً..

زينب..

سيدة؛  ابوها مصري وأمها اسكتلندية وزوجها عماني..

مجموعة واتساب تضمني مع هذه السيدة وآخرين يزيد عددهم الآن على ثلاثة وستين عضوة وعضوا..

تواضع الاعضاء على أن تكون ادارة نشاط  المجموعة (القروب) بالمناوبة أي أن يقوم عضو بمهام الادارة لمدة شهر ثم يكلف عضوة/عضو ليحل محله عند انقضاء اجل التكليف..

حين تسند ادارة المجموعة لزينب يشتعل النقاش حماسا معرفيا مفيدا..

زينب التي قابلنا انضمامها اول الأمر بفتور؛  لأننا محترفون (كبار!)  وهي هاوية -او هكذا تنامت اوهامنا-اضحت هي بؤرة لقاءاتنا الافتراضية اي مركز الاشعاع الذي يثري معارفنا..

زينب خبيرة في مجال الاحصاء وتحديدا يعرف مجالها التخصصي بعلوم الاكتواريا Actuarial Science وهو علم كما عرفنا ذو صلة بالتأمين وتقييم المخاطر المالية..بمعنى أنه علم لغته الأرقام..أما أن تحدثك خبيرة احصاء؛  عن الشعر وشوارده؛ فهو  أمر يدعو للدهشة  ويلجم لسان “الأنا” في حلوق الكثيرين..

*دانية قطوفها…*

اقتطعت زينب هذه العبارة من آي من محكم التنزيل؛  لتحدثنا عن شاعر جاهلي مغمور..

*أوس بن حجر..*

لم يسمع به جُلُّنا نحن المحترفين؛ وجاءت هي الهاوية لتخلع عنا عباءة جهلنا به..فانزوينا استخذاء!

لهذا الشاعر بيتان في وصف الطبيعة يتخذهما عشاق الأدب مثالا للوصف حين يصدق..

شاعر جاهلي مغمور رأى أن يروض قلقه بالتجول في الصحراء..

جلس على نتوء صخري وأخذ ينصت لما تقول الطبيعة..

والإنصات-كما قالت زينب- يبدأ بالصمت، ليس فقط صمت الشفاه، بل صمت القلوب… أن نتخلص من كل أحكامنا المسبقة، ونفسح المجال لسماع القصة كما هي، وليس كما نريدها أن تكون. هذا الصمت يورثك مساحة للتعاطف، حيث نرى الأمور من منظور الآخر، ونشعر بما يشعر به.
الإنصات يعني أن نعطي الآخر انتباهنا الكامل، أن نكون حاضرين بكل جوارحنا. ليس فقط لنسمع الكلمات، بل لنستشعر المشاعر خلفها، لنفهم الرسائل التي لا تقال بصوت مرتفع. في  الإنصات نزرع بذور الثقة، نسمح للعلاقات بالنمو والتطور، ونبني جسورًا من التواصل العميق.

زينب قالت الشاعر الجاهلي أعطى الآخر (وهو الطبيعة ساعة التأمل والتجلي) كامل انتباهه..

قالت رفع رأسه إلى السماء وأخذ يخاطب غيمة داكنة تتجه نحوه..غيمة حبلى بغدق دفاق؛ فانشرح صدر الجاهلي!

فقال:

دانٍ مَسفٍّ فويق الأرض هيدبه
يكاد أن يدفعه من قام بالراح..

شرحت زينب ما يقوله العربي:
قالت الكلمة المفتاحية هنا هي كلمة (فويق) لم يقل الشاعر (فوق الأرض) بل قصد التصغير (فويق) ليحشد المعنى المراد لقرب الغيمة من الارض..تلاشت المسافة الفاصلة بين الغيمة وسطح الأرض؛ حتى ليَظنَّ الشخصُ أنه إن وقف للامست كفه ذيول الغيمة الداكنة..

ثم يصيخ الجاهلي السمع لهدير الرعد حين يفجر هذه الكتلة السوداء فتتراءى له أشكال تبعثرت من أحشاء الغيمة لم يجد لها العربي شبها سوى:

*كأن فيه اذا ما الرعد فجره*
*دهما مطافيل قد همت بارشاح..*

الشاعر ابن بيئته!

هذه الاشكال التي فجرها الرعد في باطن الغيمة لم يجد لها العربي شبها سوى انها تشبه قطيعا من الابل تسير ببطء حتى لا تبتعد عن اطفالها بطيئي الحركة!

A cloud so low, with waters deep,

Touches the ground, in silent sleep.

So close you’d think, you could reach up high,

And lift its edges, touching the sky..

Darkness falls, till thunder’s might,.

Flashes shapes, in wondrous light.

Like camels slow, with calves by side,

Moving gentle, with a tender pride…

دان مسف فويق الأرض هيدبه
يكاد يدفعه من قام بالراح

كأن فيه اذا ما الرعد فجره
دهما مطافيل قد همت بارشاح..

الربط الذكي بين كلمة *دان* في صدر البيت الأول وما اقتطعته من محكم التنزيل حين استشهدت بعبارة:
قطوفها دانية ..اقول هذا الربط الذكي بين الكلمة واشتقاقها زاد احترامي لهذه السيدة التي تجيد لغة الأرقام إجادتها لظلال المعاني ومغازيها؛ حين تتدفق شعرا على لسان عربي جاهلي!

..وقبل عقود ثلاثة هتف صاحبي:
وعلى السجوف حمامة!

وبذلك كان يشير إلى ما بدا له شكل حمامة انطلقت من أحشاء غيمة ما صمدت حين هزها الرعد هزا..

كانت غيمة سوداء  داكنة؛  تتخذ اشكالا عدة؛ قبل ان تفجرها البروق ويرعبها حتى ترتجف أوصالها؛ هديرُ الرعد…

كنا معا ( الخبير القانوني الضليع صلاح دهب فضل  والقانوني والناقد الألمعي  الشيخ قريب الله وشخصي)  نؤدي شعائر الحج قبل نحو ثلاثة عقود وتحديدا عام ١٩٩٣..كنا جزءا من قافلة الحجيج السودانيين المتجهة من مسقط إلى  الاراضي المقدسة..

ها هي الغيمة تتحرك ببطء في سماء المدينة المنورة؛ وصديقي يشنف أذني بما قرأته عيناه من حديث صامت أهدته الغيمة  لشاعرنا الكبير محمد المكي ابراهيم فأجاد البوح:

*مدينتك القباب ودمعة التقوى ووجه النور،*
*وتسبيح الملائك في ذؤابات النخيل*،
*وفي الحصى المنثور..*

قال لي؛  وعيناه لا تزالان تتابعان الغيمة بانشداهٍ:

هذه الأبيات تقول ما لا تقوله النصوص الطويلة.. انها تؤكد حقيقة أننا يا صديقي نعيش زمن التكثيف والتركيز..

زمن اختزال الكلام ليس في الشعر وحسب؛  وانما في سائر الفنون القولية؛  بما في ذلك الرواية؛  تلك التي تثقلها الثرثرة؛  وبدأت تتجه نحو التركيز واختزال السرد والحوار..والشعر اولى بهذا الاختزال؛  لأنه فن الاكتفاء بالاشارة؛  والتلويح بنصف المعنى؛  والمغازي المتكئة على كتف الظلال..بعض التفاصيل تفسد النص الشعري؛  اما كل التفاصيل؛  فإنها تجعله يخرج من دائرة الشعر؛  ويفارقها فِراق غير وامق..

الغيمة ترتحل ببطء والطل يدغدغ ذرات الثرى العطشى فينبجس الرواء اخضرارا ووعدا…
وصديقي يردد:

*على السجوف حمامةٌ*
*وعلى الرُّبى عصفورة..*

ثم باغتني بالسؤال:
لمن يكتب محمد المكي ابراهيم في السودان هذا الشعر المتمرد الخارج عن المألوف والسائد؟

يتلاشى السؤال ويتماهى مع شطر من  القصيدة يردده:

*مدينتك الحديقة يا رسول الله..*
*كل حدائق الدنيا اقل وسامة وحضور،*
*موصولا بأنفاس السماء وكأسها الكافور…*

..*Surround yourself with people who are better than you, and empower them to do their best work…*