
“سرديات”.. الزاكي عبد الحميد يكتب.. “القول ما قالت صوفيا لورين”!
حسناء السينما الايطالية في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي؛ صوفيا لورين؛ كانت ذات حضور طاغ حين تطل عبر الشاشة الكبيرة؛ فتسحر المشاهدين بجمالها الفتاك؛ وحلو حديثها؛ حين ينطلق لسانُها بتلك اللُكنة المستعذبة.
في مايو من العام الماضي؛ تعرضت النجمة السينمائية الشهيرة ذات التسعين ربيعا؛ لكسر في ساقها اليمنى؛ أقعدها عن الحركة لأشهر؛ خضعت خلالها لعمليات جراحية معقدة لجبر الكسر المركب…كانت صوفيا تقضي فترة النقاهة في منتجعها السويسري حين اتصلت بها صديقتها ريتا الصحافية المرموقة من جزيرة سردينيا الايطالية؛ لتطمئن على صحتها بعد العملية..ردت صوفيا على المحادثة ولكنها اعتذرت عن مواصلة الحديث مع صديقتها؛ بحجة أنها في محادثة أخرى مع ساسيا..
امتعضت ريتا من المحادثة المقتضبة؛ وتساءلت عن مَن تكون ساسيا هذه؛ التي فضلتها صوفيا عليها هي صديقتها منذ الطفولة!..
كتبت ريتا مقالا صحفيا وتساءلت فيه عن من تكون ساسيا الصديقة التي فضلتها صوفيا عليها..
لم تهتم صوفيا بالمقال بل تابعت حياتها في صمت مع كلابها التي سخرت حياتها لرعايتها في منتجعها السويسري الفخم..
طفل دون العاشرة وجدته يخطب في الناس في مقطع فيديو..يجيد اللغتين العربية والانجليزية؛ إذ وجدته يشرح للناطقين بغيرها؛ بانجليزية متقنة، ما يقول بالعربية..
تمدد جهلي طولا وعرضا وعمقا حين أخذ يشرح الآية الكريمة ” *والذين هم عن اللغو معرضون*”:
Those who turn away from ill-speech..
فسر باللغتين ما المقصود باللغو واسهب..
*اللغو* يعني الكلام الذي لا طائل منه؛ هذا كان حد فهمي لمعنى اللغو..لكن الطفل الخطيب؛ أخذ يشرح أبعاد الكلمة وظلال معانيها في الفقه..فهمت منه أن اللغو يعني *الباطل* كلَّه؛ بما في ذلك الشرك والمعصية..
وشرح بالانجليزية مضمون مفردة
ill-speech
فقهيا لتعني polytheism أي الشرك بالله!
من أين استقى هذا الطفل كل هذا العلم الدفاق؟ وبأية مدرسة التحق؟ تساءلت والحيرة تتملكني!
طلاقة حديثه باللغتين، أكدت لي أنه عربي اللسان، لا تعتور لغتَه شوائبٌ كما أكدت لي من جانب آخر؛ أنه إنجليزي اللسان، لا تشوب لغتَه عجمة..
تحسرتُ كثيراً على السنوات التي قضيناها أيام الطلب؛ مع آفو في الصين وجون في استراليا وقرنتش في سويسرا وويليام في هولندا ورسك في الهند! ماذا استفدنا بالله عليك؛ من آفو وربعه؟ ليس كثير شيء في ظني!
ثم كان صلاح!
*أتتْني خطاباتُكم* *كالعصافيرِ تنفضُ عنها الندى في السَّحَر،*
*كما تتعرّى البراعمُ عن وردِها والزهر،*
*كَلَغْوِ الحَصى في مسيلِ النهر،*
*كرقصِ الرذاذِ على المنحدَر،*
*كلمعةِ نيلِكُم في القمر،*
*تمدُّ إليَّ الأيادي*
*وتمنحُني صدرَها في وداد،*
*وتجلِسُ قُربي*
*على الأرض تُخبرُني عنكم بحب..*
هذا الراحلُ المقيمُ *صلاح أحمد ابراهيم* يراسلُ أحدَ اصدقائِه!
*لغو الحصى*؟
استوقفتْني عبارةُ *كلغوِ الحصىَ في المنحدَر،* ظننتُ واهماً ان خطأً طِباعيّاً أفسدَ عليّ؛ متعةَ تذوقِ شدوِ الاحرفِ في ابهى صورِه..
*اللغو* لم يتعدّ فهمي للمفردة أنه *”ما لا يُعتدُّ به من كلام… وبس”* علاوة على ما علمني إياه الطفل الخطيب بابعاده الفقهية!..
هكذا حكم عليَّ خيالي، لضيق مداه؛ فظننتُ ان خطأً المَّ بالعبارة الشاعرية؛ فأفسدها..
ف *لغو الحصى* بمعناه المختزل في ذاكرتي، لا يتّسق معنىً، مع هذا البوحِ الشفيفِ، الذي يبثُّه صلاح لصديقه…
ولكن لابن منظور ولسانه العربي الفصيح؛ كان رأيٌّ آخر..
فللغوِ *معنىً* آخر؛ لا يدركه إلا من كان شاعراً خصب الخيال كصلاح..
من معاني اللغو كما قال ابن منظور *صوت الطير إذا نغمتْه*..وهو ما قصده صلاح رحمه الله حين قال *كلغو الحصى في المنحدَر* …اي كهمسٍ رقيقٍ تاتيني خطاباتكم تعبيراً عن الحميمية الآسرة..
ولكن كيف لنا أن نسمع هذا الهمس والعالم حولنا يضج بغث القول..؟
الإنصات يعني أن تعطي الآخر (حتى لو لم يكن بشرا مثلك!) انتباهَك الكامل، أن تكون حاضرا بكل جوارحك.. ليس فقط لتسمع الكلمات، بل لتستشعر المشاعر خلفها، لتفهم الرسائل التي لا تقال بصوت عال أو أنها قد تكتفي بظلال القول: إيماءة تقول الكثير!
هكذا قال مخرج الأفلام الايطالي الشهير فريدريك فيليني:
If we were a little more quiet, if we all kept quiet…maybe we could understand something..
” *اعتقد أننا إذا استطِعْنا أن نصمتَ قليلاً وكمم الهدوء الأفواه، فيمكننا أن نفهم شيئاً*”
هكذا لخّص فائدةَ ان يصمتَ الانسانُ قليلاً، تاركاً المجالَ لخيالِه، قبل ان يصدرَ احكامَه في امرٍ ما..
جاء حديث المخرج الايطالي في اشهر أفلامه السينمائية ظهر في الستينيات بعنوان *الحياة الجميلة* بطولة نجمة ذلك العصر *صوفيا لورين* والتي كانت تردد، من وقت لآخر ، وهي تؤدي دورها؛ عبارة *”الحياة تصير أجمل إذا استمعنا لبعضنا البعض بانتباه..*”..
وهذا القول المأثور للنجمة السينمائية طفا على السطح من جديد بعد طول غياب؛ ليكون سببا في تعرض النجمة السينمائية لانتقاد لاذع من زملاء ريتا الذين تعاطفوا مع زميلتهم؛ فيما وصفوه بالاهانة التي تعرضت لها من صوفيا..
في مذكرات بدأت تكتبها صوفيا في منتجعها وتسربت لأهل الصحافة منها فقرات؛ ابانت صوفيا حيثيات ما وصفه الصحافيون بالاهانة لزميلتهم وبالاستعلاء على أهل السلطة الرابعة..
في الفقرات المسربة من مذكرتها قالت صوفيا إنها كانت تتكلم مع ساسيا حين اتصلت بها صديقتها ريتا..
ساسيا من تكون؟
تساءل القوم ووجدوا أنها كلبة صوفيا المدللة..
وعنها قالت النجمة السينمائية سنوات طويلة قضيتها في الجعجعة والآن حان وقت الانصات..
ساسيا تكلمني بعينيها فأضحك تارة وأشاركها بايماءات فتضحك هي..الحيوانات تتكلم إذا ألجم البشر ألسنتهم قليلا وأنصتوا…
حديثها استدعى من قاع الذاكرة بيتا من الشعر ينسب لشاعر سوري معاصر:
*أجمل الناس مقلالٌ من الكلم*
*وأفصح القول ايحاءٌ بغير فم!*
هل الانصات فن لا نجيده بسبب الجعجعة التي لا تورثنا طحنا؟
جائز!
أسرِجوا يا صحابي، مطيّ خيالِكم وتأمّلوا ما تحمله كلمات صلاح من حميمية:
*تمدُّ إليَّ الأيادي، وتمنحُني صدرَها في وداد!*
الاحرفُ تجسدتْ المرسلَ اليه، وهو يحتضنُ شاعرَنا حميميةً ودِفئاً ..
في زمن مضى كانت الرسائل تستعيض عن عبارة صلاح الشاعرية هذه؛ بعبارة:
ولا ينقصنا إلّا عدم مشاهدتِكم الغالية!
عبارة مستهلكة، جافة، باهتة لا تحمل دفئاً ولا حرارةً في ثناياها…
الابداع ليس تخيلا او وهما؛ بل هو تفكير تحكمه قواعد المنطق؛ وصولاً الى الجديد الذي يغدو مصدرا لتحولات هادفة.. الابداع ما هو إلا نفيٌّ لاطار *تقييدي* وتمرد على نهج *تقليدي* يفضي الى نهجٍ جديدٍ في تناول ظواهر الواقع الذي تأزّم؛ وجمُدت حركتُه وفقد خصوبتَه؛ فلم يعد جديدا؛ من خلال انسان خضع للتقليد..
صلاح تمرد على التقليد بلغته الشاعرية فأدهشنا!
أقرأ أشعارَه فتفاجئني لغتُه من حين لآخر بجديد أو غريب، وتطبع نفسَي، في هدأة الاسترخاء، بارتساماتٍ، ما مرت قط بخاطري، وتنداح كل كلمة في شتّى مجالاتها، وتتداعى حولها إشراقات ثقافية وفيوض من الكشف اللا محدود؛ كما كان حالي ؛ وأنا استشرف آفاق اللغو، حين تمرد على المألوف معنىً!.
نعم الابداع ليس وهما والإنصات هو الآخر ليس حصرا ولا عِيّاً.
