وزير المالية الأسبق ابراهيم البدوي يكتب..العقد الاجتماعى من منظور “التأصيل التقدمى” للإمام الصادق المهدي
نحو مشروع وطني من أجل السلام المدني الديمقراطي النهضوى
المقال الثانى – العقد الاجتماعى من منظور “التأصيل التقدمى” للإمام الصادق المهدي
بقلم: بروفيسور إبراهيم أحمد البدوي، وزير المالية والتخطيط الاقتصادى الأسبق ،والمدير التنفيذي، منتدى دراسات وابحاث التنمية
لقد كان الإمام الصادق المهدي بحق أبرز المفكرين الذين حاولوا التوفيق بين التراث الإسلامي والفكر الديمقراطي الحديث. وفى سياق مشروعه الموسوعى الموسوم “التأصيل التقدمى”، أفرد الإمام حيزاً كبيراً لمفهوم العقد الاجتماعي، حيث طرح ما أسماه “العقد الاجتماعى الجديد” كأساسٍ لأي نظام حكم عادل ومستدام ومدخل لبناء دولة ديمقراطية عادلة تستند إلى قيم الإسلام وفي نفس الوقت تحترم التعددية وحقوق الإنسان، لقفل الباب أمام الفكر “الإسلاموى” المستبد أو العلمانى المتطرف، المنبت عن الواقع والموروث السودانى – اللذان بالضرورة مفضيان إلى الاستبداد والانقلابات العسكرية وعدم الاستقرار السياسى.
أولاً، الرؤية الإسلامية لمفهوم العقد الاجتماعي:
في الفكر السياسي الإسلامي الكلاسيكي، العقد الاجتماعي يُفهم من خلال عدة مفاهيم أساسية:
البيعة: هي بمثابة عقد رضائي بين الأمة والحاكم، يقوم على الطاعة مقابل الالتزام بتحقيق العدل وحماية الحقوق.
الشورى: مبدأ المشاركة في اتخاذ القرار، بما يضمن أن الحكم لا يكون استبدادياً.
العدل والمصلحة العامة: الحاكم ملزم شرعاً بتحقيق العدالة ورعاية مصالح الأمة (المصالح المرسلة).
الحقوق والواجبات: المواطنون يؤدون الزكاة والضرائب ويدافعون عن الدولة، بينما الدولة مسؤولة عن تأمين الأمن والعدالة والخدمات الأساسية.
إذنْ، فان العقد الاجتماعي في الرؤية الإسلامية هو عقد تبادلي بين الحاكم والأمة، يقوم على الشرعية المستمدة من الرضا الشعبي ومن المبادئ الإلهية في آن واحد. أشار الإمام إلى أن هذه المبادئ قد كانت نبراساً للحكم فى صدر الاسلام: ” قام حكم الإسلام أول عهده على الشورى والمشاركة التي جسدها قول أبي بكر الصديق، رضي الله عنه (وُلِّيت عليكم ولست بخيركم فإن رأيتموني على حق فأعينوني وإن رأيتموني على باطل فقوموني)، وعلى الحرية التي جسدها قول الإمام مالك لأبي جعفر المنصور الذي أراد أن يحمل الناس على الموطأ (لا تفعل يا أمير المؤمنين فقد سبق إلى الناس أقاويل وسمعوا أحاديث وأخذ كل قوم بما سبق إليهم فدع الناس وما اختار كل أهل بلد لأنفسهم)، وعلى العدالة الاجتماعية التي يجسدها قول عمر بن الخطاب، رضى الله عنه : (أنا ملك أم خليفة؟ فرد عليه سلمان الفارسي: إذا أنت صرفت درهما في غير وجهه فأنت ملك وإلا فأنت خليفة) ” (1).
ولكن، كما هو معلوم، سرعان ما ارتد الحكم الاسلامى الى ملكيةٍ عضودٍ بعد عهد الخلافة الراشدة، فمنذ عهد معاوية بن أبي سفيان صارت العصبية لا الشورى أساساً للحكم وصارت الرئاسة تعقد بناءً على التغلب والقوة لا العدالة والأهلية. لقد أوضح الإمام إنه بسبب تراكمات الاستبداد السياسي والظلم الاجتماعي والجمود الفكري صارت الأمة الإسلامية لقمة سائغة للاستعمار الأجنبي الذي أخضعها عسكرياً وفكرياً وحضارياً. برأى الإمام فقد أدى هذا التحدى الى استقطاب حادٍ فى المجتمعات الإسلامية. فمعظم الحركات الاسلامية الداعية لمواجهة النفوذ الأجنبي والبعث الإسلامى الكامل والاهتداء بتعاليمه فى كل مناحي الحياة بما فيها الحياة السياسية يرون ” أن الإسلام دين ودولة ونظام اقتصادي وعلاقات دولية مستنبطة من مرحلة تاريخية معينة”، الأمر الذى وصفه الإمام بأنه “موقف يقود لتعليب المجتمع الإسلامي المعاصر في نمطٍ تاريخيٍ معين”. بالمقابل، فقد اعتبر موقف “الأصولية العلمانية” المعارض للتيار الدينى “الماضوى” بأنه أيضاً يريد “تعليب المجتمع في نمطٍ وافدٍ معين”.
تأسيساً على رؤيته النقدية هذه، يرى الإمام أن التحرر من النفوذ الأجنبي والبعث الكامل للإسلام يتطلب التخلص من حالة الاستقطاب الثنائى المدمر الذى أقعد بالأمة برفض كلاً من مشروعىِ “دعاة التعامل الانكفائى فى الماضى” والتعامل “الاستلابى مع الوافد”(2)، وأن تواجه حركة البعث الإسلامي “تحديات العصر في كل المستويات وأن تبين موقفاً إسلامياً مقنعاً مضارعاً للفكر السياسي الحديث والمؤسسات السياسية الحديثة وتحدد كيف يمكن أن يقام مجتمع إسلامي نصير للعلم والتكنولوجيا والعدالة والحرية والتسامح وحقوق الإنسان”|(1).
ثانياً، مرتكزات “التأصيل التقدمى” للإمام الصادق المهدي:
مستخدماً آلياتٍ ومفاهيمَ متعددة بقصد الخروج من محدودية المنطق الصورى للاجتهاد، أنتج الإمام مشروعاً فكرياً مجدِّداً، عبر كتب وأوراق ومحاضرات زادت عن مائة مساهمة فى كافة قضايا الفكر المعاصر، مشدداً على أن “عافية حاضرنا ومستقبلنا رهين بتلك المراجعات التى تؤدى للصحوة الثقافية” (2). فى رحاب هذا البحر الزاخر من مشروع “التأصيل التقدمى”، سنركز فى هذا المبحث على المسائل ذات العلاقة بموضوع العقد الاجتماعى فى سياق المرجعيات التأسيسية الخمس التالية.
أولاً، لا نموذج مُلزِم للدولة في الإسلام: يرى الإمام أن الإسلام لا يفرض “شكل دولة” بعينه عبر العصور، بل يقدّم مبادئ سياسية عامة (الشورى، العدل، الوفاء بالعهد، الأمانة…)، ويمكن تبنّي النظم الدستورية الحديثة ما دامت تلتزم بهذه المبادئ وتكفل الحقوق(3).
ثانياً، المواطنة المتساوية ومرجعية الحقوق: يدعو إلى أن تكون المواطنة أساس الحقوق والحريات والواجبات بلا تمييز ديني أو عِرقي، مع نصٍّ صريح على الحقوق وفق المواثيق الدولية كجزءٍ مُكمِّل للدستور (4).
ثالثاً، الحريّة أصلٌ تأسيسي: يُقرِّر أن الحرية هي ما يثبت “خِيَريّة الإنسان” ويفتح باب عطائه، وأن جذور حقوق الإنسان (الحرية، الكرامة، العدالة، المساواة، السلام) منصوص عليها في الوحي، لكن التجربة التاريخية أعطت شرعيةً لحُكم المتغلِّب وأضعفت الحرية، ما يستلزم اجتهاداً تجديدياً يستأنف تلك الجذور(5).
رابعاً، الدولة المدنية (لا ثيوقراطية ولا عَلمانية دوغمائية): يصِف الإمام الدولة المنشودة بأنها “مدنية” تساوي بين المواطنين، لا تُنسب لدين، كى لا تصبح ثيوقراطية ولا تُنسب للعلمانية كفلسفة تُنكر الغيب؛ بل تُوصَف بصفات مقبولة للجميع كالعقلانية، والديمقراطية، والمساواة، مع مشروعية الدعوة لتطبيق الشريعة عبر اجتهاد جديد واحترام حقوق المواطنة والآلية الديمقراطية(6).
خامساً، الدين والدولة: ضبط العلاقة بالعقل الدستوري. ينبّه إلى خطورة الطرح المرتجل للعلاقة بين الدين والدولة قبل توافقٍ وطني، ويشدد على أن المساواة الدستورية وحرية المعتقد هما صمَام الأمان لعقدٍ اجتماعي جامع(7).
ثالثاً، “العقد الاجتماعي الجديد” من منظور التأصيل التقدمى:
فى سياق مشروعه الفكرى الاسلامى للتأصيل التقدمى وكمساهمة مرجعية على المستوى التأسيسى لمعالجة أزمة المشروع الوطنى السودانى السودانية، دعا الإمام الصادق المهدي مبكراً إلى “عقد اجتماعي جديد”، حيث أعطى هذا المفهوم بعداً معاصراً، محاولاً صياغة عقد اجتماعي إسلامي – ديمقراطي يتناسب مع قضايا السودان والعالم الإسلامي ويوفِّق بين الأصل الإسلامي والحداثة الدستورية، طارحاً مبادراتٍ لتعاهد وطني تؤسِّس للمواطنة والحقوق والحريات بلا تمييز أو اقصاء، مخاطباً أهم القضايا الوطنية الكبرى فى اطار هذا العقد الاجتماعى المنشود:
أ) العقد الاجتماعي والديمقراطية: يرى الإمام أن السيادة للأمة وليست للحاكم، وأن الشرعية السياسية تقوم على الاختيار الحر لا على “الحق الإلهي” أو الوراثة، حيث شبّه البيعة في الإسلام بمبدأ “العقد الاجتماعي” في الفلسفة الغربية، لكنها في الإسلام مقيدة بمبادئ الشريعة والعدل.
ب) العقد المتجدد: شدّد على أن العقد الاجتماعي ليس أبدياً، بل قابل للنقض والتجديد إذا أخلّ الحاكم بالعدل أو انتهك الحقوق. وهو بهذا المفهوم يقترب من فكرة جون لوك بأن الحاكم يفقد شرعيته إذا خان العقد.
ج) حقوق الإنسان في العقد الإسلامي: أكّد أن الإسلام يكفل الحقوق الأساسية: الحياة، الحرية، الكرامة، المشاركة السياسية، مشدداً على أن العقد الاجتماعي الإسلامي يضمن هذه الحقوق مقابل التزامات المواطنين تجاه الدولة (كالضرائب، الخدمة العامة، الولاء للوطن).
د) رفض الاستبداد ونقده: عارض بشدة فكرة “الحاكم المتغلب” التي شرّعها بعض الفقهاء التقليديين، واصفاً الاستبداد بأنه خيانة للعقد الإسلامي، لأن الإسلام لا يقر حكم بلا شورى أو بلا عدالة.
رابعاً، مقارنة موجزة مع رؤى ومدارس مخالِفة:
يقول المتنبي:
ويذيمهم وبهم عرفنا فضله *** وبضدها تتبين الأشياء
كلمة “يذيمهم” تعنى “يعيبهم” والشطر الثانى من البيت “بضدها تتبين الأشياء” هو مثل عربي شهير يدل على أن الأمور والصفات تتضح وتظهر قيمتها عندما تُقرن بأضدادها، أي أن ظهور الخير في مواجهة الشر، والحسن في مواجهة القبح، يزيد من وضوح كل صفة وفهمها بشكل أعمق. برأى تتضح عظمة المشروع الفكرى للإمام الصادق المهدى بصورة عامة، وخاصة فى سياق القضايا التأسيسية الكبرى مثل العقد الاجتماعى للأمة، تتضح عظمة مشروعه هذا عندما نقارنه بالمدارس والرؤى المخالفة. فمثلاً، حزب التحرير الاسلامى يُعرِّف البيعة باعتبارها “عقد المواطنة” مع الخليفة، وينتقد طرح الحريات والدولة المدنية بوصفه “تدليساً”. الإمام يرفض الثيوقراطية ويُصرّ على المواطنة والاقتراع والحقوق كأُسس العقد الاجتماعى للأمة. أيضاً، يرى بعض دعاة التيار السلفى أن “الدولة المدنية” تعبيرٌ غربيٌّ مضادٌّ لـ “الدولة الدينية”. الإمام يعيد تعريفها سودانياً: مدنية بحقوقٍ متساوية ومرجعية قيمية إسلامية من دون كهنوت أو إقصاء.
إلا أن مقارنة مشروع “التأصيل التقدمى” بمشروع ونموذج “لدولة الاسلامية الحركية” للدكتور حسن الترابى، رحمه الله، يظل الأكثر أهمية فى السياق الوطنى السودانى. فمشروع حسن الترابى كان يهدف الى “أدلجة” الإسلام في صيغة “مشروعٍ حضاريٍ”، على حد قوله، يقوم على فرض الشريعة كمنظومة سلطوية شاملة، معتمداً على “التغلب السلطوي” (القوة والانقلاب العسكرى) لفرض المشروع الإسلامي. كما هو معلوم فقد أفرز هذا الفكر المتسلط دولة مغلقة، ترى نفسها وصية على المجتمع، وتستمد شرعيتها من أيديولوجيا “الحركة الإسلاموية” دون أدنى اعتبار لأهمية بناء عقد اجتماعي وطني جامع للحفاط على الدولة القومية فى مجتمع يتسم بانقسامٍ عمودىٍ بين مكونيه الشمالى والجنوبى و بصورةٍ عامةٍ تنوعٍ هوياتيٍ متعدد الأبعاد. لقد أدى هذا الفكر ودولته المتسلطة الفاسدة الى تقسيم البلاد وتفاقم أزمة الحروب الأهلية وحتى بعد نجاح ثورة ديسمبر العظيمة ظل تياراً واسعاً من الحركة الاسلاموية سادراً فى “غيهم القديم” – لكن هذا لا يقدح فى التقدير المستحق لتيار “المؤتمر الشعبى” الاسلامى والذى أجرى مراجعاتٍ عميقةٍ، بل قدم الشهداء قرباناً للثورة من أمثال الأستاذ الشهيد أحمد خير، عليهم الرحمة والرضوان. أما تجار الدين وقادة الدجل والضلال، فهؤلاء لم يكتفوا بمحاولات “شيطنة” واعاقة مشروع الثورة فحسب، بل أشعلوا هذه الفتنة الماحقة فى الخامس عشر من ابريل 2023 لمحاولة اعادة انتاج مشروعهم الكارثى.
أخيراً، هناك مشروع “علمانية الدولة”. طرح البروفيسور أحمد عبد الله النعيم مفهوم “العلمانية الحقوقية” فى كتابه الموسوم “الإسلام والدولة العلمانية” (8)، حيث قطع بأن الخيار الواقعي هو “لدولة العلمانية الجيدة” وليس “الدولة الإسلامية”، وأن حماية التدين وحقوق الإنسان تقتضي فصل الشريعة عن قانون الدولة. الإمام يوافق أستاذ النعيم في نتيجة الحقوق والمواطنة ويختلف في وصف الدولة؛ فهو يفضّل “مدنية لا ثيوقراطية ولا علمانية دوغمائية” مع اجتهادٍ يُزاوج بين الواجب والواقع. أيضاً، يرى البروفيسور وائل حلاّق فى كتابه “الدولة المستحيلة: الإسلام والسياسة ومأزق الأخلاق في العصر الحديث”(9) بأن “الدولة الإسلامية” مستحيلة بمعايير الدولة الحديثة، وبأن نمذجة الشريعة ضمن جهاز دولة سيادي حديث تنقُض أخلاقيتها التاريخية. الإمام على خلافٍ منهجي: يقبل الدولة الدستورية الحديثة إطاراً إجرائياً، ويجتهد لقيم الشريعة داخلها عبر عقدٍ مدني حقوقي لا ثيوقراطي.
خاتمة
يُقدِّم الإمام الصادق المهدي صيغة “مدنية-إسلامية” للعقد الاجتماعي: دولة مواطنةٍ وحقوقٍ ومواءمةٍ دستورية لمبادئ الشورى والعدل والكرامة، مع رفض الثيوقراطية وتحفّظٍ على العلمانية الصلبة. هذه الصيغة أقرب لوسطٍ اجتهاديٍّ يجمع الخصوصية القيمية والحداثة الدستورية، ويمنح السودانيين إطاراً عملياً لبناء سلامٍ ديمقراطيٍّ يستوعب التعدُّد ويؤسِّس لشرعيةٍ سياسيةٍ مستدامة.
_________________________________________
الصادق المهدي. 2006. “الدولة في الإسلام ومنظور الديمقراطية وحقوق الإنسان،” ورشة الإسلام السياسي في السودان، مركز السلام بجامعة جوبا بالتعاون مع مؤسسة فريدريش آيبرت: 15-16 أغسطس. (ص. 1).
الصادق المهدي. 2010. نحو مرجعية إسلامية متجددة متحررة من التعامل الانكفائي مع الماضي والتعامل الاستلابي مع الوافد. مكتبة جزيرة الورد، الطبعة الأولى، القاهرة.
الصادق المهدي. 2020. “يسألونك عن الدين والدولة” كتاب يسألونك: كبسولات متنوعة. (جمعتها وحققتها رباح الصادق). صالون الابداع للثقاقة والتنمية، أم درمان: (جزيرة الورد، الطبعة الأولى، القاهرة.
الصادق المهدي. 2020.” مبادرة الأمة للتعاهد الوطنى”: مبادرة الأمة للتعاهد الوطني
الصادق المهدي. 2012. “الحريات في الإسلام، النظرية والتطبيق”: الحريات فى الاسلام، النظرية والتطبيق
الصادق المهدى.2018. “الحق أحق أن يُتّبع”: الصادق المهدى – الحق أحق أن يتبع
الصادق المهدى.2020. “يسألونك عن الدين والدولة”: الامام الصادق المهدى – يسألونك عن الدين والدولة
أحمد عبد الله النعيم.2013. Islam and the Secular State: ARABISZTIKAicm.as.cornell.eduUNESCO Courier
وائل حلّاق .2012. The Impossible State: Islam, Politics, and Modernity’s Moral Predicament. Columbia University Press.