كواسي أبياه أسطورة غانية تعيد كتابة تاريخ كرة القدم السودانية وسط الحرب

الغد السوداني- موقع الكاف

كتب المدرب الغاني جيمس كواسي أبياه العديد من الفصول في كرة القدم الأفريقية، لكن القليل منها دراماتيكي مثل الفصل الذي يتكشف مع السودان بينما يستعد للعب في الدور نصف النهائي من بطولة الأمم الأفريقية للمحليين (CHAN) 2024 ضد مدغشقر يوم الثلاثاء.

وعلى خلفية حرب أهلية وحشية أدت إلى نزوح أكثر من 12 مليون شخص وتركت مدنًا بأكملها في حالة خراب، حوّل الرجل البالغ من العمر 64 عامًا منتخب السودان لكأس الأمم الأفريقية والمنتخب الوطني الأول الرئيسي، صقور الجديان، إلى واحدة من أكثر القصص إقناعًا في القارة.

لم يتأهل منتخب السودان بقيادة أبياه إلى الدور نصف النهائي في بطولة أمم أفريقيا للمحليين 2024 فحسب، بل تأهل أيضًا إلى كأس الأمم الأفريقية 2025 في المغرب متفوقًا على منتخب غانا.

كما أنهم يتأخرون بنقطة واحدة عن الكونغو الديمقراطية المتصدرة في مجموعتهم في تصفيات كأس العالم 2026 FIFA والتي تضم العملاق القاري السنغال.

بالنسبة لدولة تم تعليق الدوري المحلي فيها، ويعيش لاعبوها كبدو رحل، وتقام مبارياتها على أرضها في ليبيا أو جنوب السودان، فإن الأمر يقترب من المعجزة.

مسيرة من الإنجازات الأولى

بالنسبة لأبياه، هذه ليست المرة الأولى التي يحوّل فيها المحنة إلى انتصار. فقد كان لاعبًا ضمن تشكيلة غانا الفائزة بكأس الأمم الأفريقية عام 1982 في ليبيا، محققًا لقبها القاري الرابع.

كمدرب، أصبح أول أفريقي أسود يقود غانا إلى كأس العالم لكرة القدم عام 2014، وقادها إلى البرازيل. كما كان مساعدًا للمدرب في عام 2010 عندما وصلت غانا إلى ربع نهائي كأس العالم، وهو ما يزال أفضل أداء لأفريقيا إلى جانب الكاميرون (1990) والسنغال (2002) والمغرب 2022، على الرغم من أن المغرب تجاوز هذا الإنجاز بوصوله إلى نصف نهائي كأس العالم 2022 في قطر.

ورغم هذه الإنجازات، يتطلع أبياه إلى تحقيق المزيد عندما يواجه مدغشقر في الدور قبل النهائي للبطولة المخصصة للاعبين المحليين فقط، رغم أن لاعبيه لا يشاركون بشكل نشط في الدوري المحلي بسبب الحرب.

وقال أبياه لموقع CAFOnline.com: “بمجرد أن تشارك في بطولة، يجب أن تهدف إلى الفوز بالكأس”.

لا أؤمن بالمشاركة لمجرد زيادة الأرقام. إذا شاركت، عليك بذل قصارى جهدك للفوز.

وقد انتقل هذا الاعتقاد معه من أكرا إلى الخرطوم ــ والآن إلى القواعد السودانية المؤقتة في المملكة العربية السعودية وموريتانيا وليبيا.

رحلة السودان في أحلك الأوقات

أدت الحرب التي اندلعت في أبريل/نيسان 2023 إلى تعليق الدوري السوداني. وتم ضمّ نادييه الرئيسيين، الهلال والمريخ، مؤقتًا إلى الدوري الموريتاني للحفاظ على نشاط لاعبيهما.

لقد فقد العديد من أفراد الفرقة أفرادًا من عائلاتهم بسبب الصراع؛ وانفصل آخرون عن أحبائهم المنتشرين في مخيمات اللاجئين في تشاد وجنوب السودان.

وقال أبياه: “في معظم الأحيان، نتلقى رسائل تفيد بأن أحد الأولاد فقد أحد أقاربه”.

لكنني أذكرهم دائمًا: أنتم من يرسم البسمة على وجوه شعبكم. حتى مع استمرار القتال، وعندما نلعب، أحيانًا يصمت صوت المدافع لأسبوع أو أسبوعين.

الرمزية قوية: كرة القدم ملاذٌ هشٌّ في خضم الحرب. وبالنسبة للسودانيين في كل مكان – من أم درمان إلى القاهرة، ومن جاليات الشتات في أوروبا وأستراليا – أصبح هذا الفريق مصدرًا للوحدة.

إقصاء غانا وتحدي العمالقة

ولعلّ أبرز ما في هذه الرحلة هو إقصاء السودان بقيادة أبياه منتخب بلاده غانا من تصفيات كأس الأمم الأفريقية 2025. فبعد تعادل سلبي في أكرا، أعقبه فوز ساحق بنتيجة 2-0 في بنغازي، مُنهيًا بذلك أول إخفاق لغانا في التأهل إلى كأس الأمم الأفريقية منذ 20 عامًا.

واعترف أبياه قائلاً: “باعتباري غانيًا، كنت حزينًا بالطبع”.

لكن بمجرد أن تصبح محترفًا، عليك أن تنظر إلى مكان عملك. مسؤوليتي هي السودان.

جاء تأهل السودان لكأس الأمم الأفريقية بعد حملةٍ مُرهِقة. ورغم خسارته أمام النيجر بنتيجة 4-0، إلا أنهم تعافىوا ليتعادلوا 0-0 مع أنغولا، ويضمنوا المركز الثاني في مجموعتهم. كانت الفرحة واضحة: “وضع الجميع أسلحتهم جانبًا ورقصوا في الشوارع”، هكذا يتذكر أبياه الاحتفالات.

إن الوصول إلى الدور نصف النهائي من بطولة أمم أفريقيا للمحليين يؤكد مدى قدرتهم على الصمود.

أمام الجزائر، وصيفة النسخة الماضية، تعادلت السودان 1-1 قبل أن تفوز بركلات الترجيح 4-2 يوم السبت، وكان حارس المرمى محمد أبوجا بطل المباراة. والآن، تقف السودان على بُعد مباراة واحدة من بلوغ نهائي بطولة أمم أفريقيا للمحليين لأول مرة في تاريخها.

فلسفة التدريب: الإيمان فوق كل شيء

أساليب أبياه تتجاوز التكتيكات. وأوضح: “أطلب من اللاعبين أن يشعروا بأنهم ميسي أو رونالدو”.

لا ينبغي لهم أبدًا أن يقللوا من شأن أنفسهم. أينما نلعب، سواءً كان لدينا مشجعون أم لا، يجب أن نعتبره بمثابة ملعبنا.

وقد أدى تركيزه على علم النفس إلى رفع لاعبين مثل عبد الرازق طه يعقوب عمر، ومحمد النور “أبوجا” آدم سعيد، ومحمد عبد الرحمن، وأبوعاقلة عبد الله، ورمضان عجب إلى قادة، في حين أضافت المواهب القادمة من الشتات مثل عبد الرحمن كوكو – الذي نشأ في أستراليا، ويلعب الآن في ليبيا – عمقاً للفريق.

بفضل معسكرات التدريب في المملكة العربية السعودية التي توفر مرافق حديثة وخبرة واسعة، أصبح فريق فالكونز أكثر لياقة بدنية وذكاءً تكتيكيًا وأقوى عقليًا من أي وقت مضى في تاريخه الحديث.

مهمة أكبر من كرة القدم

بالنسبة لأبياه، كرة القدم تتجاوز مجرد النتائج. وصرح لبي بي سي سبورت أفريكا: “ربما تنتهي الحرب من خلال كرة القدم”.

قد يبدو هذا مثاليا، لكن الأدلة واضحة: فقد وضع مشجعو الفريقين المتنافسين الهلال والمريخ السودانيين عقودا من العداء جانبا من أجل الاتحاد خلف المنتخب الوطني.

يبث اللاجئون في المخيمات أعواد الثقاب على أجهزة التلفزيون الصغيرة، هربًا لفترة وجيزة من أهوال النزوح.

ويؤكد أبياه أن “كرة القدم هي أحد المفاتيح التي يمكنها فتح مثل هذه الحروب”.

وقد ألهم نجاحه بالفعل نقاشًا في جميع أنحاء أفريقيا حول الثقة في المدربين المحليين، حيث أشار إليه الكثيرون باعتباره دليلاً على أن المدربين الأفارقة يمكنهم تحقيق النجاح حتى في أقسى الظروف.

الطريق إلى الأمام

يستعد السودان الآن لمواجهة مدغشقر في الدور نصف النهائي لبطولة الأمم الأفريقية للمحليين، وهو المنتخب الوحيد المتبقي من شرق أفريقيا بعد خروج كينيا وتنزانيا وأوغندا من الدور ربع النهائي.

في وقت لاحق من هذا العام، سيشاركون في كأس الأمم الأفريقية 2025 بالمغرب، حيث ستتنافس معهم الجزائر وبوركينا فاسو وغينيا الاستوائية. وفي عام 2026، قد يصلون إلى كأس العالم في أمريكا الشمالية – وهو إنجاز لم يسبق للسودان بلوغه.

مهما حدث لاحقًا، فقد حفر كواسي أبياه اسمه في تاريخ كرة القدم الأفريقية. من بطل كأس الأمم الأفريقية عام 1982، إلى مدرب كأس العالم عام 2014، إلى صانع المعجزات في موسم 2024-2025، فإن إرثه لا يزال محفوظًا.

وكما قال بنفسه: “بفضل الله، تأهلنا. سنستعد جيدًا ونضمن فريقًا قويًا. أي منافسة نشارك فيها، هدفنا هو الفوز بالكأس”.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.